كعادتى مع مهنة الأمن , فإنها تأخذنى كبساط الريح إلى حيث لم أكن أتصور إلا مرورا عابرا , و قد أخذنى بساط الريح هذه المرة إلى حيث مستشفى فاقوس العام , و حتى فترة قريبة لم أكن أستريح ليس فقط للعمل و إنما لمجرد التواجد بأى مستشفى , فإننى – بفضل من الله سبحانه – أتمتع بصحة جيدة , و لا أحب الاقتراب من مكان يُعالج فيه الناس من الأمراض مع يصاحب ذلك من تأثر بإيحاءات أنا بعيد كل البعد عنها , أشعر معها أننى أنا المريض ! و عندما كنت أعمل بأمن مركز شباب فاقوس كنت أشكر الله سبحانه على تلك النعمة وقتها و أقول : لأن أتواجد وسط أناس وزعت الأقدار عليهم الصحة خير لى من التواجد وسط أناس وُزعت عليهم الأمراض .
لكن منذ أول يوم لى بالمستشفى قد أدركت أن فيه حياة و حركة أكثر من مركز الشباب و هو ما يعضد فكرة التواجد به , خاصة أن مستشفى فاقوس هو أكبر مؤسسة حكومية بالمدينة و المركز سواء من حيث حجم المبانى و الإنشاءات , أو من حيث المساحة بعد مركز الشباب الذى به ملعب بمساحة فدان و نصف , أو من حيث عدد الموظفين , أو من حيث عدد المتعاملين معها من المواطنين , كما أننى لا أنسى أن أكثر فئة على الإطلاق من الأصدقاء القدامى و زملاء الدراسة السابقين الذين لم ينشئوا فارقا بينى و بينهم بعد أن فرقنا تنسيق القبول بالكليات بعد الثانوية العامة هى فئة الأطباء , و تقريبا لا يوجد اسثناء واحد بين أعداد كبيرة تؤكد القاعدة , فلا فرق بين أن أنادى : يا دكتور محمود أو يا حودة ! أو أن أنادى غيره : يا دكتور تامر أو يا تيمور ! أو أن أنادى ثالثا : يا دكتور محمد أو يا محمد يا قنتير ! كما كان يناديه أحد أساتذتنا وقت دراستنا الثانوية ! أما أحمد صلاح فلم أناديه : يا دكتور أحمد أبدا ! و أنا أعلم أننى لو استخدمت الألقاب معه سيرفض ذلك بقوة .
فئة الأطباء من أصدقائى و زملائى ظلوا دائما – و مايزالون – يعاملوننى كما لو كنا مانزال زملاء فى الدراسة , و لم يعاملنى واحد منهم أبدا على أننى أقل منه أو أن الموقف قد تغير و الظروف تغيرت و أنهم أصبحوا شيئا بينما أنا شيئ آخر , و كان ذلك دائما من أكبر الحوافز لعدم شعورى بالدونية أو الانكسار مهما كانت ظروفى سيئة .
و التواجد بالمستشفى يوفر احتكاكا بتلك الفئة التى تحظى بأعلى و أفخم لقب فى هذا المجتمع لقب دكتور , فعلا كنت أتمنى أن أعايش عن قرب كيف يعمل ” ملائكة الرحمة ” و أصحاب مهنة النبلاء , مع الإقرار بأنهم ليسوا كلهم كذلك , و أيضا فإن أطقم التمريض هم أيضا من ملائكة الرحمة , مع نفس الإقرار أنهم ليسوا كلهم كذلك .
و خلال الفترة التى عملتها بالمستشفى نبتت أفكار سأتكلم عنها فى السطور القادمة , مع التنويه بصلاحية كل منها كفكرة لمقال مستقل فيما بعد إن شاء الله .
(2)
ينطوى هذا المستشفى على حكايات كثيرة لا أول لها من آخر .
منها قصة إيجاده من العدم , و كيف أن نائب فاقوس الأسبق الأستاذ صلاح الطاروطى هو الذى تبرع بالأرض لكى يتم بناء مستشفى كبير يليق بفاقوس و أهلها و يقدم خدماته الطبية للمدينة و قراها , و يقال إن الذى تبرع بالأرض هو والده و الفارق ليس كبيرا عموما , و إن كانت جامعة القاهرة تزهو بأنها كلها قائمة على التبرع : الأرض تم التبرع بها و المبانى تم التبرع بتكلفة إنشائها , فكذلك أهل مدينة فاقوس بمحافظة الشرقية لديهم ما يماثل ذلك من دواعى الفخر .
و لقد دار حوار بينى و بين أحد أبناء مدينة ” أبو كبير ” فى عام 2011 أثناء ركوبنا للقطار العائد بنا من الزقازيق إلى فاقوس مرورا على ” أبو كبير ” , فقد قال هو إن فاقوس لم تحظ بأن يكون منها وزراء مثلما حدث مع ” أبو كبير ” , فقلت له : ذلك صحيح , لكن كل من كبر و أصبح شيئا من أبناء فاقوس فى أى مجال فقد وضع بصمته ضمن سباق لا حواجز فيه من أجل خدمة فاقوس و أهلها , و لذلك لا مقارنة بين فاقوس من ناحية و بين أى من باقى مدن محافظة الشرقية , و ذلك بفضل الخدمات الجليلة التى قدمها النابغون و النابهون من أبناء فاقوس لبلدهم و منهم ذلك المتبرع بأرض هذا المستشفى .
و من تلك الحكايات قصة ممرضة خريجة كلية التمريض منذ بضعة عشر عاما و أنا أعرفها جيدا , فعندما بدأت دراستها فى السنة الأولى بكلية التمريض تقدم لخطبتها شاب معروف عنه أنه يستطيع الزواج فى الغد لو أراد , خاصة أنه هو الذى يشغّل ورشة تقطيع الخشب الخاصة بوالده , و بالرغم من إن والد العروس قد اشترط أنه لن يحدث زفاف قبل أن تنتهى إبنته تماما من دراستها , و أن هذا الكلام محسوم و لا تفاوض فيه , فإن الشاب وافق و تمسك بخطيبته التى غالبا قد رأى فيها نموذجا لنوعية فاخرة من النساء يجب ألا يضيعها من يديه , المثير فى المسألة أن العروس قد رسبت فى السنة الأولى ! و كان الأمر محبطا و صعب التحمل خاصة أن المشوار كان مايزال طويلا , لكن العريس كان مصرا على الارتباط بتلك الفتاة , و بالفعل أتمت العروس دراستها و انتهت قصة الحب تلك بالنهاية السعيدة , و لقد كنت رأيتها آخر مرة منذ بضعة عشر عاما و هى تحمل طفلا , ذلك الطفل هو ثمرة قصة حب و كفاح و صبر و ثبات كثبات الجبال .
و من تلك الحكايات قصص كثيرة لأطباء لم يصبحوا كذلك بسهولة أو بشكل روتينى , بل كانت لكل منهم قصة !
منهم الذى كانت أمه ممرضة بمستشفى المنصورة , و كان أخيها الأصغر طبيبا حديث التخرج أو مايزال بكلية الطب حسبما أذكر , و لقد كتبت أقلام القدر أن يموت ذلك الطبيب الصغير فى حادث سير , فتنذر أخته الكبرى الممرضة لله أن تبذل كل جهد حتى يصبح إبنها الصغير المتفوق طبيبا فى المستقبل , و لقد كان مستواه مبشرا منذ الصغر حتى أنه فى نهاية المرحلة الإعدادية كان الثانى على مدرستنا فى ظل منافسة لفرط شراستها تهرب منها الأفاعى إلى جحورها ! ثم بعد أن ظهرت نتيجة نهاية المرحلة الثانوية إذا به يحصل على مجموع قليل لم يؤهله إلا لدخول كلية الزراعة , فأصرت أمه على أن يقوم بتحسين مجموعه فى العام التالى , و بالفعل قام بتحسين مجموعه لكنه لم يحصل على أعلى من كلية الطب البيطرى طبقا لتنسيق القبول بالجامعات , فأصرت أمه على أن يقوم بتحسين مجموعه مرة أخرى , و لم تقنع بأنه بعد تخرجه من كلية الطب البيطرى سيقال له ” يا دكتور ” على كل حال ! و هددت بترك البيت إذا لم يتم لها ما أرادت و هو دخوله كلية الطب البشرى فقط و حصريا , و بالفعل دخل إبنها كلية الطب البشرى و هو الآن متخصص فى تخصص نادر .
و زميل آخر لنا فى المرحلة الثانوية دخلت أخته الكبرى كلية الطب ثم لما ظهرت نتيجته لم يحصل على ما يؤهله لدخول تلك الكلية , فتألمت أمه من أن البنت ستصير طبيبة بينما الولد لن يحظ بذات المستقبل , فأصرت على أن يقوم بتحسين مجموعه , و بالفعل دخل كلية الطب فى العام التالى لكنه فى السنة الأولى رسب فى خمسة مواد دفعة واحدة ! ثم نجح فيها جميعا فى الدور الثانى , و هو الآن من الجراحين المعروفين بالمدينة كلها .
قصص كثيرة تحكيها جدران و حوائط هذا المستشفى , كلها قصص كفاح و صبر و مجهود تكلل بالنجاح , و كم من طبيب مدين لأمه بالفضل فى كونه طبيبا , و لولا أمه التى آمنت بقدراته ما أصبح فى تلك المهنة المرموقة .
يتبع …..

More Stories
الرائد أحمد فريد عبد الخالق.. حضور أمني يجمع بين الحزم والإنسانية داخل مركز شرطة تلا
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل