بقلم الإعلاميةالكاتبة د إيمان عزت
لم يكن الأمر سهلا، عندما تم الإتفاق بين أسرة المبادرة الدولية إستدامة وطن على الاحتفال باليوم العالمى للبيئة، في ربوع القناطر الخيرية، تخوف البعض، ان تكون مكان غير مناسب، و اعترض البعض متسببا بأن المكان ليس مجهزا والمدينة خاوية على عروشها.
ولكن على قلب رجل واحد ، وبروح الإشتياق، لزيارة جزء أصيل من حضارة مصر في العصر الحديث، اعددنا أنفسنا، و تحمسنا للحدث. وكان الأهم من نوعه، إنه ملتقى السياحة الريفية.
سهرنا نترقب تلك الزيارة هل حقا القناطر التي أسسها محمد علي لم تعد قبلة الزائرين، هل تلك الجنة لم تعد أرجائها تتمايل مرحا، مع لعب الأطفال، هل الأماكن صمتت بعد ان كانت تعلو بضحكات الكبار.
ولم يلبث ان يطرق الصباح أبواب حياتنا، حتى أنطلقنا، وأطلقنا لروحنا العنان، و لم نكبح جباح الذكريات طيلة الطريق.
وها تزداد الفرحة بقرب الجنة المهجورة، و ما أن بدأت تلوح أشجارها للأبصار حتى اخترق الشغف حواسنا، فبدأنا نستشرف الجمال فى اركانها، فالأشجار ثابتة القوام تمتع الأبصار بشموخها وتلفت الأنظار بإختلاف أشكالها، و تنوع النحت في اغصانها، ولم تكتف بذلك، بل داعبت رؤيانا بتمايل الزهور بألوانها وتدفقت النسمات مع صوت حفيف الأوراق المنسدلة من الاغصان على جدائل الجذوع، وكأنها فتاة صغيرة تزينت بجدائلها وخرجت من غرفتها لإستقبال ضيوفها. فتخبرهم بمدى جمالها الربانى، وبنفس الوقت بابتسامة الطبيعة الخلابة ، ترسل عتابا كعتاب المحبين بتساؤل عفوى، أين أنتم زوارى، طالت غيبتكم، وامتد الشوق بوجودكم.
حتى إذا دخلنا المدينة تباينت الأماكن مابين سوق بسيط يحمل معانى الفطرة التي أخطأنا بحقها عندما اهملناها، أو قصرنا في حقها، وبين قصور قديمة وضع عليها الزمن بصماته، بتوجه العتاب الثانى، أين أنتم من ترميمى وتجميلى لأتحمل عاتق السنين، ألم أكن يوما مصدر فخر وتباهى لكم؟
والأن وصلنا لبقعة جميلة فى تلك الجنة المهجورة إنها قرية صغيرة تسمى مرجانة تطل على النيل فزادها جريانه عظمة، ورسم على طلتها بهاء الملكات.
وبدأ كل زائر منا يفضفض عما يختلج صدره من ذكريات عميقة، عاشها من سنوات، فكان من بدأ عمله بالقناطر في شبابه، ومنهم من أتى طفلا مع عائلته من أجل الترفيه، ومنهم من كان زائرا مع أصحابه، أو زائرا لأصحابه ومنهم من كان زائرا لأول مرة ، أما الأجمل أن الجميع طالت نفسه محبة القناطر و أرجائها، فبعد تعب الطريق، أنطلقت سريرة النفس معبرة عن إحساسها، فذاعت الكلمات الجميلة، و تحركت الهواتف بين أيدينا لنخلد بها ونوثق زيارتنا معا لتلك النعمة التى وهبنا الله إياها، وتجاهلناها لسنوات، ولم يجف العطاء بعد، بل بدأنا العمل على ضفاف النيل هبة الرحمن لنا، فبدأت الزميلة القديرة دكتورة رشا عبد العزيز تدافع بكل حماس عن البيئة الزراعية، و ما خبأت الحقيقة العلمية فى أن الإنسان هو المسؤول الأول عن ضياع موارده التي أنعم الله عليه بها، فأعلت صوت العلم محاميا مدافعا عن تلك الجنة المهجورة ما أصابها من بطش الإنسان تارة، و إهماله تارة وتجاهله تارة ، ورسمت الصورة العلمية التى توضح حال تلك الجنة ما بين الماضى والحاضر ولم تكتف، بل لونت تلك الصورة بتوصيات هامة تنقذ بها تلك الجنة ومواردها فى المستقبل.
ويتالق الحديث على أيد زميلتنا الإعلامية ياسمين دياب والتى أفاضت علينا بتاريخ القناطر، تلك الجنة ونشاتها وكيف حالها.
ويسترسل الحوار إلى الدكتور على حسن مهندس السلامة المهنية و يؤكد بحكم دراساته وعمله اللوحة العلمية التي رسمتها دكتورة رشا، بل ويزيد أشكالا من الوصف الدقيق لما يحدث بسبب استخدام الإنسان للبيئة بما لا يليق مع جمالها، فقست أيدي الإنسان على الطبيعة، بما يستخدمه من غازات ضارة ومواد أخرى تحت مسمى الطاقة و أردف تفصيلا ما يحدث وبعض سبل العلاج.
ولم يخلو الحوار من روح الحكمة والتى أرساها لنا الدكتور مجدى طه بعبارات حاسمة تحمل عقلية التدبير الإقتصادى، فنظم الجمل بوصف الوضع الإقتصادى وكيف نعمر تلك الجنة المهجورة و نعيد لها تاج زهوها ، لتصبح موردا إقتصاديا،
وحيويا لنا.
وهنا يظهر الحماس أكثر، فتلوح الدكتورة رشا بأهمية تتويج تلك الجنة بأن تكون على خريطة السياحة الريفية، فياتى صوت الشيخ سعيد وهو من اهل تلك الجنة ويحيا بها، و يتسابق الحوار بين الجميع و يظهر فى الافق صوت الإعلامى سامح نصر ليعلن التقصير بلغة صريحة ولسان المكاشفة والذى يكون كالمرآة التى تكشف كل التفاصيل فأضاف للوحة نافذة مغلقة، إنها بكل أسف، الإعلام المصرى، الذى أهمل تلك الجنة فأطفأ اضواءه عنها، و صمت حديثه عن إحتياجاتها مما تسبب فى هجرها، خاصة سياحيا بعد ظهور منافس شرس اصطناعي، يتمثل فى المولات والمنتجعات و الكافيهات.
و سار الحديث هنا وهناك و تدفقت المعلومات وزادت المقترحات وما كان من المهندس مصطفى ان يشاركنى تصوير تلك اللحظات العظيمة لهذا الملتقى فعمل العقل وتحمست النفس واصاب الجسد الجوع فعدنا للفطرة السليمة، وتجمعنا على مائدة طعام مثلما كانت مائدة حوار وافكار، فتزينت ربوع المائدة بالجبن الفلاحي القريش، مصطحبا الفطير المشلتت، ولم يتنازل العسل الأبيض عن دوره وادركه العسل الأبيض، و اقتحم المجال، العيش الفلاحي بقرمشته ولونه الأبيض، وتالقت الطماطم بينهم.
ولم تنس الدكتورة ايمان الأمير أن تذكرنا بفوائد الجبن القريش، وسطع علينا اهل الطب الدكتور خالد عبد العزيز والدكتور سيد ليسرد أهمية الأكل الطبيعى وكيف يحمى من الأمراض والسرطانات و لم تنته المائدة، على علم وطعام، بل تدللت بروح الشهامة فما جلس زميلنا عبد الرحمن صالح ولا الشيخ سعيد او المهندس علي إلا بعد تأكدوا أن الزملاء والزميلات نالوا مطعمهم ومشربهم وراق لهم، وطافوا مناولين الجميع مؤكدين على معانى الجدعنة المصرية. وزاد الأمر جمالا روح المرح والمسابقات التى طاف بها علينا زميلنا عبد الرحمن.
ولكن الشغف لم ينته، فبعد الإنتهاء اشتاقت الأنفس، للاستمتاع بالنيل وخرير جريانه ولمعان مائه، فاستوجب الأمر استقلال مركبة نيلية، واختلف مذاق الزيارة، وانهال علينا زميلنا مينا عونى سفير الشباب بتصوير مبهر لكل لحظات تلك الزيارة،
وما انفضت الرحلة حتى، توجهنا لمعلم رئيسي لتلك الجنة وهو الحنطور فباتت الفيديوهات والبثات المباشرة هي بطل الموقف
فرمحت الخيل، ودبت اراضى الجنة المهجورة لتعلنها مدوية، (قدم زائرون)
كان الصهيل انتصارا للطبيعة، و تكريما للبيئة. الأشجار، كانت الضحكات هى رسالة الوصل بين الجنة وزائريها.
ولم ينس بعض الزملاء من الرجال نصيبهم من مذاق الفروسية فامتطوا الجياد مختلفة الالوان ليتسابقوا بها فتدق أرجلها أرض تلك الجنة تعلن عن قوة الشباب المصري العربي.
.
ولكن الجدران التي مررنا عليها كانت تصدر أنينا، معاتبا،
كان هنا أطفال يلعبون في المراجيح، وأسرا تتواصل بالضحك بين دروبنا، ومنتجات ترفع شأننا.
وتلك المبانى الرائعة، تشكو عدم تصويرها ونقلها للعالم بما يليق بها، وشجرة الجذور الهوائية او كما يسموها ام الشعور توصينا أخبروا العالم عنى، فأنا شاهد على عظمة الخالق، تنسدل منى الجذوع للأرض فترسخ وتكون جيلا جديدا بجذور ممتدة بالأرض، ألتقطوا لى صورا بهواتفكم الذكية، وانثروها على صفحاتكم الإلكترونية ليشه. العالم عظمة الخالق فى بدع صنعى وصنع الجنة التى أحيا بها.
ومن رحيق الزهور وزهو النيل وتبختر الحنطور بين المزارات العظيمة، إلى تدافع المياه في منطقة الشلالات، تلك القوة فى جريانها وتدفقها تخرج من داخلك الطفل الصغير الذي يتعمد أن يسيطر علي المشهد بصورة في تقليدية من خلال الصور والفيديوهات والبعض من تشجع فلامس بنفسه شلالات الماء
وأقبل مغيب الشمس وآن وقت الرحيل فلململنا ملتقانا بكل ما حوى و بدأنا رحلة العودة
وكان الصمت سيدي، ويهيمن على تساؤلات.. هل سيزور الأخرون الجنة المهجورة ليعمروا أرجائها، هل سننجح ان نزف إليها زوارا من كل بقاع الأرض، هل بزيارتنا نستطيع أن نمسح عن تلك الطبيعة دموع التقصير والإهمال.
هل سيسمع المسؤولون انين الجدران.
الأمر بين أيديكم انها حقا جنة، صمتت أرجائها فإما ان تعطوها قدرها، أو تجدونها تمردت فنخسر خيرها.


More Stories
مزاد دهب – النسخة الثانية: عالم من التحف والأنتيكات
انطلاق أول مزاد علني للأنتيكات في الأقاليم بقيادة براند “دهب”
رمضان بين الكلمة والوعي ليلة مميزة بنقابة أطباء المنوفية