أكتوبر 9, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

الأقنعة…. بقلم وحيد علي الجمال

لم يكن يهتم بأمور السياسة و لا بأهلها ، و كان يمر على أخبارها مرور العابرين ، و لكن ذلك لم يمنحه صك النجاة من قسوتها و الإنغماس في براثن دونيتها و قذارتها ، فقد تفرض عليه الظروف المواقف أن يتواجد في أماكن فيها تناحر سياسى لدرجة أن صمته فيها يعد موافقة ضمنية على كل ما يقال و يحسب على صاحب الرأى و يصبح شريكا له في قوله ، و إذا حاول أن يعارضه تجد ألف لسان و لسان يلتف حول كلماته حتى يزهقها ، و لو بالتطاول أو السخرية و التقليل من أهميتها فيؤثر على نفسه الهروب إلى عالمه الرحب الفسيح بعيدا عن الأقنعة الملونة المزيفة التي تثير في نفسة الغثيان من بشاعتها و رائحتها النتنة برغم ما تحمل على أجسادها من أفخم الثياب و أرقى العطور و الأيادي الناعمة الطرية من الثراء المغموسة فيه .
لكن دائما نشعر بدونيتها و إن لم نصرح بذلك لدرجة لعق الأحذية و بيع الضمير و الهتاف لمن يملك فيهم زمام الأمر و قيادتهم و هم كالنعاج.
و الزمام هنا قد يكون سياسي أو ديني أو ثروة أو الإثنين معا لا فرق فالكل تحت مقصلتها يجب أن يسلم لها بأنها من تملك الحق في هبته الحياة أو الموت ، و أن السبيل إلى النجاة من ذلك أن يمتطيها و يملك لجامها و يستطيع أن يسوسها ، و إن لم يستطع ينطوي تحت لوائها و يصفق بكل قوة وقناعة لحكمتها و جبروتها و هو على عكس ذلك كله…..
و برغم ما فيه فهو ككل البشر يحمل في طيات شخصيته الغث الثمين والرديء و إن لم يكن ضمن مفرداتها تلك الموهبة التي تثير عنده الإشمئزاز و هي التملق و مداهنة الآخرين للوصول إلى منفعة أو اتقاء شر و برغم ذلك كله فقد سخر حياته و شبابه لمجموعة من الأفاقين الذين ادعوا تدينهم و استقامتهم و حبهم لرفعة الدعوة و وصول الفضيلة و التعاليم النقية السوية إلى كل أفراد المجتمع دون مأرب إلا حب الدين و محبة الخير للناس بشرع الله و وفق كتابه و مراده سبحانه و تعالى فسخر وقته و جهده و ماله في سبيل خدمة هذه الفكرة و تلك الدعوة التي أخذت من عمره الكثير و وقته الأكثر و حماسته مالا يقدر بثمن . حتى اكتشف أنهم مجموعه من الذين استغلوا شريحة من المجتمع المحب للدين بالفطرة و اغتصبوا فيهم أعمارهم و أموالهم و تجاربهم و عقولهم و أصبحوا مثل الدُمى يحركوهم كيف شاءت إرادتهم . حتى و لو ظهر للناس مكانتهم العلمية فهم مسلوبين الإرادة معصوبين الأعين يوجهون إلى طريق واحد وغاية واحدة و هي غاية من يقودهم و يسوسهم معتقدين في أنفسهم باليقين الذي لا شك فيه أنهم هم الفرقة الناجية وأنهم على صواب وأن كل من دونهم في ضلال مبين ؛ لذلك من يعرف حقيقتهم و كان منهم يصبح أشد عداوة لهم من غيرهم…….
و في يوم استيقظ على اتصال من رئيسه في العمل بأن يحضر حالا لأمر مهم رغم أنه قد جهز نفسه أن يستريح من عناء العمل اليوم و أن يتسوق لزوجته الأغراض التي تحتاج إليها و يقضي اليوم بطوله مع أولاده ، و ذلك تنفيذا آخر لرغبة زوجته لأن الولاد يحتاجون تدخله بقوة حتى لا ينفلت زمام الأمور التي أصبحت لا تقوى عليها وحدها…..
لكنه ضرب ذلك كله عرض الحائط و ذهب إلى العمل مسرعا فهو يحب رئيسه في العمل حبا شديدا و كان ذلك يثير بغض بعض الحاقدين عليه في العمل و عندما دلف إلى ردهات مبني المؤسسة قابله بعض زملائه في القسم بحفاوة بالغة و أمطروه بوابل من القبلات و الأحضان الحارة و المباركات بمنصبه الجديد ( مديرا للقسم ) خلفا لمن هو قابع داخل القسم و راسخ و جاسم على أنفسهم و هم له كارهون لقد فاض بهم الكيل و نفذ صبرهم و لم يعد في وسعهم تحمل جبروت هذا المتغطرس في العمل أكثر من ذلك….
و قد استجاب الله لدعائهم بعد فترة ظلم مريرة و كانت كل علامات الدهشة و الإستغراب قد سكنت تقاسيم وجهه و لم يملك إلا أن يرد عليهم بابتسامة ليس لها أي معني أو لون ، و دخل مسرعا على الرجل و هو مخطوف الوجه و كل ذرة فيه تنادي برجاء يخفق في ثنايا دقات قلبه كالزلزال في صدره لا يعلم إن كان فرحا أو خوفا أو رعبا من الخبر الذي عرفه من الخارج ، لكن ينتظر صك و خاتم التأكيد و البشريات التي أراد أن تسكن سمعه ممن يملكها، و وجد ابتسامة عريضة من الرجل ذو المهابة عنده تقول له اتفضل اجلس يا أستاذنا لقد وصلني حالا قرار الموافقة من معالي الوزير بقبول ترشيحي لكم برئاسة القسم و هذا بعد عرضي عليه جميع التفاصيل التي دعتني إلى ترشيحك أنت بالذات و عزل الرئيس الحالي الذي سبب الكثير من المشاكل التي لا حصر لها فهل تقبل كما وعدتني ؟؟ فقال : له بأحرف تكاد تشق حنجرته من الشوك الذي علق بها تمام يا افندم بكل سرور و على عهدي معك و خرج و قد غلظ العهود معه بأن يحارب الفساد الذي عشش في كل أركان و جوانب العمل و مفاصله ودخل القسم و أخرج بعض الملفات العالقة و التي تحتاج إلي توقيع مدير القسم السابق ، و هو يخرجها كان يحدث نفسه لماذا يوقعها الآن ؟؟ ألم يكن الأفضل أن يتركها حتى يرحل و يوقعها بنفسه بصفته الجديدة ، لكنه قال اجعلها من باب التكريم و التواضع و انزال الناس منازلهم حتى و إن كانوا لا يستحقونها ، و عندما أصبح أمامه و وضعت الأوراق و الملفات أمامه نظر إليه الرجل القابع خلف المكتب الفخم الرهيب وقد إكتست ملامحه الغليظة و تبدلت بنظرات عطف و رجاء و خوف تصل إلي حد التوسل…. و سأله بصوت يكاد لا يخرج و فعلا لم يخرج ، ثم أعاد الكلام بطريقة أخرى ونبرة قوية هل لو عرض عليك ان تحل مكاني سوف تقبل ؟؟ و كان الصوت عال و السؤال على الملأ فكان الرد حاسم و قوي وقال : له أنا لم أطلبها و لكن إذا عرضت علي لن أرفضها فقال له و تأخذ مكاني فقال له لو بقيت مع من سبقك لما وصلت إليك ، فقال : سوف أحاربك بكل قوة ، فقال : افعل ما تشاء و هم بأن ينصرف من أمامه حتى لا يتحول الخلاف و الحوار إلى شيء آخر…..
لكن مجموعة من الزملاء الذين كانوا أول المهنئين له جاءوا يتوسلون له أن لا يشق عصا الطاعة و أن لا يمزق عصبتهم أو يفرقهم فهم لم يجدوا أبدا في القادة السابقين مثل قائدهم الحالي في أسلوبه و فن قيادته و حكمته وعفة يده و قلبه الذي يحمل كل الحب لجميع أفراد القسم صغيرهم و كبيرهم فنظر إليهم بإستغراب شديد يصل إلي حد الوجوم ووجد قدمه تقوده الي. خارج القسم وقد مزق خطاب التكليف غير آسف عليه وذهب الي
بيته ونفذ جميع رغبات زوجته ولبس قناع الرضا وهو غير راض بما صارت إليه الأمور ومرت الايام والشهور وقد نسي أنه لازال يلبس هذا القناع ومارس به جميع مفردات حياته اليومية حتي مع أولاده وأهل بيته ومرت الشهور على تلك الحادثة
و لم يتوقع بعد هذا الموقف أن يصله اتصال من رئيسه بالعمل مرة أخرى مع يقينه التام بأن تفاصيل الجلسة قد وصلت إليه بكل حذافيرها . كانت المكالمة أثقل عنده من هموم العالم بأسره لأنها كانت الأول بعد زمن ليس بالقليل من هذه الواقعة . لم يدخل على رئيسه مكتبه أو يتبادل معه الحوار بأي وسيلة ممكن أن تتخيلها ، لكنه عند اللقاء قام من على كرسي مكتبه و أخبره بأن هذا اليوم هو آخر يوم له في العمل ، و أنه سوف يحال إلى المعاش لبلوغه سن التقاعد و قد طلب منه أن يقبل هديته الأخيرة له بأن يكون في منصب يُشرف من خلاله على المؤسسة دون قيد أو شرط و أن ينفذ جميع الوعود و أن معه جميع الصلاحيات التي تمكنه من ذلك . لم يتمالك الإثنين أنفسهما و قد انهمرت الدموع و كست وجهيهما و ملابسهما و هما في حاله عناقهما الأبوي قد سمع الساعي يقول له لقد جمعت جميع أغراض معاليكم و السيارة جاهزة للتحرك ثم تواعدا بأن لا ينقطع اتصالهما و افترقا على وعد باللقاء وقد أوفى وعوده…….
وحيد على الجمال
سرس الليان محافظة المنوفية جمهورية مصر العربية