فبراير 14, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

“لعنة العقل و نعيم الجهالة” بقلم بليغ بدوي

قال أبو الطيب المتنبي :
ذو العقل يشقى فى النعيم بعقله
وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم

فعندما تمتلك عقلا محللا، واعيا بما يحيط بك من أحداث و من نوعية الأشخاص و كيف يفكرون و كيف يدبرون الأمور ، و تفهم تماما ما يريدون، يصبح الأمر شاقا عليك حيث تواجه مشكلات كثيرة و خصوصا إذا كنت صريحا و تواجه كل شخص بحقيقته، فتدخل فى مشكلات المواجهة و عراك و جدال و أحيانا تدبر لك المكايد، و تصبح شخصا غير مرغوب فيه، فالنصابون يريدون نصابا، و المنافقون يعشقون من كان على دين النفاق ؛ فأرض النجاسة لايوجد بها ماء للوضوء و لا تقبل فيها صلاة.

العقل المحلل المتدبر قد يبدو للبعض نعمة يحسد عليه الناس صاحبه و يتحاكون بفطنة هذا الشخص و يضربون المثل براجحة رأيه، و لكن عندما يشقى بهذا العقل صاحبه و لا يجنى منه إلا المشكلات و المشاحنات يصبح الأمر مختلفا جدا، فيصبح العقل لعنة تطارد صاحبه، فهناك من أصابه الجنون من شدة ذكاءه، و منهم من خارت قواه النفسية عندما رأى من هم أقل منه ذكاءً يتبوءون المناصب و يطالبونه أن يسخر ذكاءه لهم و ينسبون لأنفسهم كل نجاح كان هو صانعه!
و منهم من فشل في إقناع نفسه بان كذب من حوله كلام صدق و لم يستطع رسم إبتسامة رضا على وجهه، فتكالب عليه النصابون بالتهكم متهمين إياه بالغباء و هم يدركون أنهم لكاذبون.

الجهالة و الجهل صفتان منبوذتان فى الشخصية، و لكن قد ينقذا صاحبهم من التوتر و التشاحن وأحيانا المرض، فالجاهل لايهتم بمن حوله و لايهتم بما يقولون سواءا كانوا كاذبين أو صادقين، و لا يكترث بما يفعلون حتى لو سخروا أو تهكموا عليه، فهو يفكر فقط في صحته النفسية و البدنية و لا يتنازل عن الإهتمام بهما لأي سبب كان، لايحلل الأشياء و لايبحث على ماوراء الأحداث ، فالأشخاص لا تعنيه، هو فقط الأهم، لايؤرق نومه شيء و لايعكر صفو مزاجه حدث او شخص، لديه قدرة غريبة على الضحك و التهريج ، وينبذ التفكير بل يكرهه جدا، و هذا لا يعني أنه غبيا فى عمله او دراسته ، فهو قد يكون عالما مخترعا أو طبيبا فذ أو مدرسا فصيح أو سياسيا مشهورا، هذا الجاهل الذي يغط ف الجهالة حتى أذنيه لايتابع الأخبار و لا يهتم بالقضايا و الأحداث الجارية ، و إذا مر بمشاجرة ، قد لا يتدخل لكى يفض المشاجرة ، بل يقف ليستمتع أو يرحل و كأنه لم ير شيء، فهو لديه بلادة فى الإحساس و المشاعر فهو لايشعر بخطورة الموقف ولا يتوتر و يستطيع النوم كالقتيل و لا تزوره الكوابيس . فهو ينعم بالجهالة.

أي الشخصيتان تتمنى ان تكون؟
بالنسبة لي : أحب العقل رغم شقائي به. فأنا أرفض أن يوصف إسمى و شخصي بالجاهل حتى لو قتلنى عقلي.
انا من قتله عقله
و عذبته ألاف الظنون
و حاربته الهموم الثقال
و لم تهزمه أوهام الجنون
عشقت ضوضاء عقلى
و لم يعجبنى السكون
احببت تفسير الأمور
و لن تغيرنى السنون