أكتوبر 13, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

عظة قداس أحد رفاع الصوم الكبير بكنيسة الشهيد مارمينا وماريوحنا بدير البرشا للقس أبادير إبراهيم

كتب : مينا عطا شاكر
يحتفل أقباط مصر اليوم، الأحد الموافق ٢٧ من فبراير ٢٠٢٢ م، بما يعرف برفاع الصوم الكبير، « أحد الرفاع، أو الأحد السابق للصوم » ”متى 6: 1-18“، ليبدأ غدا الإثنين أول أيام الصوم الكبير أو الصوم المُقدس أو الصوم الأربعيني المُطول، وتبلغ مدة هذا الصوم الإلهي المقدس ٥٥ يوما، حسب طقس الكنيسة، يبدأ بأسبوع الإستعداد، يليه الأربعين يومًا المقدسة، –التي صامها السيد المسيح صوما إنقطاعيًا–، ويختتم بأسبوع الآلام والجمعة العظيمة وسبت النور وعيد القيامة المجيدة.
وينقسم الصوم الكبير الى ٧ اسابيع « سبعة آحاد الصوم الكبير»، الاول هو «الملكوت» أو «الكنوز »، والثاني هو «التجربة»، والثالث هو «الإبن الضال»، والرابع هو «السامرية»، والخامس هو «المخلع»، والسادس هو «المولود اعمى» او «احد التناصير : والذي يشهد أعلى نسبة من تعميد الأطفال على مدار العام»، والاسبوع الاخير يبدأ ب«أحد الشعانين» او «أحد السعف : وهو اسبوع الالام »،
وتبدأ هذه الأسابيع المقدسة السبعة غدا الاثنين، على أن يكون الأحد الثامن هو « عيد القيامة المجيد ».
وترأس الأب أبادير إبراهيم راعي كنيسة القديسين الشهيدين مارمينا العجائبي وماريوحنا المعمدان بدير البرشا اليوم قداس أحد رفاع الصوم المقدس الإلهي.
وفي بداية عظته، رفاع الصوم ليس معناه أن تأكل كل المأكولات التي تفضلها وتأكل كمية كبيرة من اللحوم، وذلك قبل الصوم وتشبع نفسك بكل أكل فطارى قبل البدء في الصوم، ولكن المقصود «بالرفاع» وهو اليوم السابق على بدء الصوم، هو رفع كل طعام حيواني عن مائدتنا، وثلاجاتنا، وذلك استعداداً لبدء الصوم.
وأشار إلى أن المعنى أيضا يشمل، رفع القلب إلى الرب «بالتوبة» والاستعداد «للتدريب» على ترك خطية محبوبة أو عادة شريرة، والتدريب على إكتساب فضيلة جميلة خلال فترة الصوم.
وقال القس أبادير إبراهيم، « إن الإنسان المؤمن الحقيقي عليه أن يرفع قلبه لربنا ويعيش فضائل الصلاة والصوم والصدقة الذين يوصلونه لملكوت الله حيث النعيم السمائي الأبدي،
وأكد على أن الصوم هو ركن من أركان العبادة الثلاثة التي أوصانا بها الرب يسوع وهم الصلاة والصوم والصدقة والتي لابد أن نقدمهم بسخاء، فتكون صلاتنا بسخاء ودائمة مع الشكر وصومنا بسخاء وإقماع لشهوات أجسادنا، وصدقاتنا « العطاء » بسخاء وإحساس بالآخرين،
وشبه الصوم برحلة طويلة نخرج منها بقلوب نقيه وتوبات حقيقية وصلوات قوية وأعمال مرضية، نرضي بها الله.
ونمر بعدة محطات هم آحاد الصوم المقدس، وأول محطة هي أحد الكنوز – الملكوت–« جاء الرب ليغنينا ونحن فقراء» ، وأحد التجربة « الله يحارب عنا وليس بتقوانا أو بقوتنا » ، وأحد الإبن الضال « الله يقبلنا إليه ويتحنن علينا»، لأن الله يقبل كل إنسان خاطئ يريد أن يتوب ويعيش حياة التوبة.
وأحد السامرية « يغفر الله لينا ويدينا » ، وأحد المخلع « يأتي الله إلينا ويشفينا »، وأحد المولود أعمى « يدور علينا وينور عنينا » ، وأحد الشعانين « يدخل قلوبنا ويطهرها وينقينا» ، وأخيرا أحد القيامة « الإنسان يقوم من مرضه ومن الخطية وينتصر مع المسيح القائم من بين الأموات ».
وأضاف القس أبادير، يقول لنا الله ” “وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». آمِينَ.” (مت 28: 20).
ونوه إلى أن كنيستنا القبطية تحب الصوم وتراعيه وأنها مليئة بالأصوام لانه ترتيب كتابي وكنسي، ويعلمنا المداومة على الصلاة ويجعلنا نكثر من الصدقة – نقمع أجسادنا ونعطي المحتاجين– ونزداد في القداسة والبر، ونتمثل بصوم الرب يسوع له كل المجد الأربعين يوما التي صامها صوما إنقطاعيًا، وإن لم يكن الصوم هاما ما كان صام رب المجد ليعلمنا أن نصوم ونصلي مثله كما فعل،
ولقد قال بولس الرسول “بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا.” (1 كو 9: 27).، وهذا لكي لا يتثاقل علينا الجسد، ونحن من نقود أجسادنا وليس العكس،
وأن الفكر والعقل والحكمة عطايا الله التي بداخلنا، هي التي تعرفنا كيف نعيش.
وأضاف أيضا، إن لم يكن الصوم هاما ما كان وضعه الله في الكتاب المقدس، وتطرق القس أبادير إبراهيم، إلى سؤال هام وهو لماذا وضعت يا الله الصوم للإنسان؟ واجاب لان الله خالق الجسد الإنساني ويعلم أن الطبيعة والغريزة التي بداخلنا يمكن أن تثار بالأكل الحيواني والمأكولات الدسمة الغير الصيامية.
ووضع الله الصوم وله حكمة فيه، وقد وضع الله فلسفة للصوم وأعطى الحرية لآدم ، أنه لا يأكل من الشجرة وأن يتحكم في غرائزه ويعيش منتصرا على الشيطان، عن طريق الإستماع لكلمة الله والعمل بوصاياه.
وقال الله لآدم، “وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ».” (تك 2: 17).
ومع الأسف الشديد لم يطاوع آدم كلام الله بل إستمع لفكر الشيطان، إن أكلتم منها تصيران عارفان الشر والخير وتنفتح أعينكما.
وإن كانت شهوة وخطية الأكل التي طردت آدم من الفردوس فالصوم هو الوسيلة التي نعود بها_ أي ضمن الركائز الهامة التي نعود بها مرة ثانية إلى فردوس النعيم والحضن الأبوي الإلهي، ولذلك قبل أن نتقدم للتناول من جسد ودم الرب يسوع الأقدسين الطاهرين لابد أن نكون صائمين، لان بالمسيح ندخل ملكوت السماوات ونحيا به الى الأبد وهو قال: “كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي.” (يو 6: 57).
كما تحدث ابونا أبادير عن ، علاقتنا مع الآخرين من خلال الصدقة، وعلاقتنا مع الله من خلال الصلاة وعلاقتنا مع الذات، الصوم هو تقديم الجسد ذبيحة أمام الله وان يكون صومنا في الخفاء هو إنكار الذات ورفض الشهوات، فحب الظهور يجعل الصوم شكلي بلا روح ولا يقود لحياة سماوية، ” ادهن رأسك واغسل وجهك ” لكي لا تظهر للناس أنك صائما، وايضا الصدقة فالتكن في الخفاء “«اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.” (مت 6: 1).
ونعطي المحتاج في الخفاء، “فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي الأَزِقَّةِ، لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ!” (مت 6: 2).
“وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ،” (مت 6: 3).
والصوم هو تدريب لجسد الإنسان والحفاظ عليه، نحن هيكل الله وروح الله يسكن فينا.
ولم يكن الصوم لإضعاف او لموت الجسد وانما الصيام يعطي قوة وإرادة ونصرة للإنسان ليتغلب على أي فكر شرير وأي شهوة شريرة، والكتاب المقدس يقول: “فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ، بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ، كَمَا الرَّبُّ أَيْضًا لِلْكَنِيسَةِ.” (أف 5: 29).
والصوم هو دواء لمرضى الخطية وفيه يتعافى الخاطي من خطاياه، فالله خلقنا وعارف طبيعتنا جيدا.
ونوه الاب أبادير عن اهمية الصوم للانسان ذاته، قائلا« إن الصوم لك وليس عليك، فالصوم مع الصلاة الدائمة يعلمنا الفضائل والعطاء والبذل والتضحية والحياة المسيحية، وينجينا من الخطية والشر ومن الضيق،
والكتاب المقدس قال عن أهل نينوى عندما وقعوا في ضيقة صعبة، صاموا وصلوا ولبسوا مسوحا فرفع الله غضبه عنهم، “فَآمَنَ أَهْلُ نِينَوَى بِاللهِ وَنَادَوْا بِصَوْمٍ وَلَبِسُوا مُسُوحًا مِنْ كَبِيرِهِمْ إِلَى صَغِيرِهِمْ.” (يون 3: 5).
وأيضا الملكة أستير عندما وقع شعبها في مشكلة صامت هي والشعب فنجاهم الله وأنقذهم، فمن خلال الصلاة والصوم نرتبط بالله، “اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ».” (مت 26: 41)
ويجب أن نكون سالكين بالروح كما قال الكتاب المقدس “وَإِنَّمَا أَقُولُ: اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ.” (غل 5: 16)
“لأَنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ.” (رو 8: 13)
فالسلوك بالروح يوصلنا للسماء وللأبدية والملكوت والسلوك بالجسد يجعلك تفعل الخطية وتبعد عن الله.
ومن خلال الصلاة والصوم والصدقة نرتبط بالله، وأحيانا يفتكر الناس أن الصوم هو جوع ولكن الصوم شبع وليس جوع، فالضعف لا يشعرنا بالضعف أو الإرهاق على الإطلاق ولكن يشعرنا بالقوة والغلبة،
وعندما نتأمل في حياة القديسين الذين اقضوا حياتهم كلها في الجبال والمغاير وشقوق الأرض، وكانت حياتهم هذه مليئة بالصوم فنجدهم كالملائكة، وأما الناس العالميين الذين يعيشون لكي يأكلون ويشربون وليس يأكلون لكي يعيشون، فنجدهم يصلون للشيخوخة وأعراضها مبكرا كتجاعيد الوجه وأمراض السمنة وعواقبها التي تسبب الوفاة في الكثير من الأحيان.
قال الكتاب المقدس، “فَأَجَابَ وَقَالَ: «مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ».” (مت 4: 4)،
وإختتم الأب أبادير ابراهيم: « إن الصوم هو طاعة وحب لله،
كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ».” (رو 8: 36). ،
“فَقَالَ بُطْرُسُ: «هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ».” (لو 18: 28).،
“وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً.” (مت 6: 6).
“قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الأَمِينُ! كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ.” (مت 25: 23).
“ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ.” (مت 25: 34).
ربنا سيكافئنا عن الصوم والإجتهاد الروحي هنا وايضا في السماء بالأكاليل والأفراح والسعادة الحقيقية فيه وبه الى الأبد له كل الكرامة وكل المجد، آمين » .