أكتوبر 14, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

“أبويا كل ليلة بيجيلي في المنام وهو بيعيط”

مشهد مخيف جدا كنت بشوفه كل ليلة بعد موت ابويا, اشوفه واقف جوة القبر بتاعه وجسمه كله بيجيب في دم وهو بيتألم وبيبكي بهيستريا, وفي النهاية كان يمد ايده ليا كأنه بيستنجد بيا, وغصب عني روحت القبر بتاعه عشان أفهم فيه ايه, الله يسامحك يا ابويا..
 
…………….
زي ما كل حاجة ليها نهاية, حياتنا احنا كمان ليها نهاية, وحتما ولابد ان النهاية دي تيجي, سواء كنا متقبلين ده أو رافضين, وابويا نهايته جت فجأة, بل وجت بطريقة غريبة جدا, كنا قاعدين بنتغدا في أمان الله وكان ابويا من الناس اللي بتعشق الأكل, خاصة البط والوز والفراخ والبلدي, كان ممكن ياكل أكل خمس أشخاص لوحده..
يومها كان مُصر ان أمي تدبح جوزين بط وتعملهم, ولما أمي اعترضت وشافت ان الأكل كتير كان هيضربها, واضطرت أمي انها تدبح وتطبخ وليمة كالعادة عشان خاطر ابويا ياكل ويتهنى, مع اني كنت بخاف عليه كتير من الأكل الدسم ده بس هو مكنش بيسمع لحد, وقعد ياكل بنهم كالعادة لحد ما فجأة جسمه كله اتهز بطريقة مخيفة, حطيت ايدي على كتفه عشان أشوفه ماله لقيت عنيه جاحظة بطريقة مخيفة وجسمه كله عمال يتهز..
كان فيه كمية أكل كبيرة واقفة في زوره مش عارف يبلعها, أو يمكن عضمة بلعها بالغلط, الموقف كان مخيف جدا, خاصة ان ابويا في لحظات وشه بقا لونه أحمر وجسمه كله عمال يتنفض, زقيته بقوة عشان ينام على بطنه وبدأت أضرب على ضهره بقوة عشان الأكل يخرج منه, بس الأكل مخرجش, روح ابويا هي اللي خرجت..
ايوة بالبساطة دي, كلها ثواني بس وابويا وقع في الأرض زي الصنم من غير أي حركة, حاولت أهز فيه, أكلمه, بس هو مكنش معانا وقتها, كان في عالم الأموات, وشقت صرخة أمي صمت المكان عشان يبدأ الهرج والمرج والناس تتلم..
الحاج عثمان مات وهو بياكل, الحاج عثمان مات وبواقي الأكل سايلة من بقه بطريقة مقززة جدا, ونزلت دموعي زي السيل في صمت تام, وبدأت التجهيزات بعد ما زارنا الدكتور وأكد الوفاة لمراسم الغُسل والدفن وغيره..
حضر المُغسل ورمى علينا السلام ودخل على ابويا عشان يغسله, ودخلت انا معاه, وبدأ يعري جسم ابويا عشان يغسله, وكانت الصدمة اللي خلتني أشهق بقوة, جسم ابويا كان أزرق, عروقه كلها بارزة وعنيه جاحظة بطريقة مخيفة, غير الريحة البشعة اللي كانت خارجة من بقه, كأنه كان واكل أكل منتهي الصلاحية..
طبعا كان ظاهر الاشمئزاز والنفور على وجه المغسل وان كمل شغله لحد ما لف الكفن على ابويا, واتحط الجسم على الخشبة عشان يتشال, الجسم اللي كان تقيل وكأنه جبل مش جسم انسان..
لدرجة ان الناس كانت بتئن تحت الخشبة من ثقل ابويا اللي كان في الأصل ضخم الجسمان, شعور بغيض كان منتشر وسط الناس وقت الجنازة, ناس وقعت في الأرض وناس سابت الجنازة لسبب مجهول, لدرجة اني فضلت أدعي ربنا اننا ندفن ابويا على خير وننتهي بسرعة من كل اللي بيحصل ده..
ووقف الشيخ على القبر يحث الناس على الدعاء لابويا, وان كان الكل عايز ينتهي بسرعة من الجنازة دي بسبب الحر الشديد اللي كان بياكل فينا, واتقفل باب القبر على ابويا للأبد, أو كنت أظن كدا..
رجعت البيت وانا تايه, رغم كل أفعال ابويا بس كان ضهري وسندي في الحياة, دلوقتي ضهري اتكسر وبقيت لوحدي, بقيت مسؤول عن أمي وبيتنا كله, دخلت المسجد في صلاة العشا واتجمع حوليا بعض الناس عشان يواسوني وصلينا العشا, رفعت ايدي للسما ودعيت ربنا انه يثبتني ويقويني على الحياة الصعبة اللي انا داخل عليها دي..
خرجت من الجامع واتمشيت في البلد شوية, مكنتش قادر ارجع البيت ملاقيش ابويا, والعزا كان يعتبر خلص, ووسط سرحاني وشرودي سمعت صوت بكاء جاي من بيت قديم اوي, معرفش ايه اللي خلاني اقرب من البيت عشان أعرف سبب البكاء..
كان فيه طفل عمال يبكي ويقول:
– انا جعان مش قادر بقا
وسمعت صوت تاني بيقول:
– حاضر يابني ربنا هيرزقنا دلوقتي اصبر
قلبي اتقهر من الموقف الغريب ده, معرفش ليه افتكرت ابويا وهو بياكل في جوزين بط وفرختين وشوية حمام وصنية رز. أكل يكفي عشرين شخص, افتكرت بواقي الأكل الكتير اللي كنا بنرميه كل ليلة بالبساطة دي, قلبي انفطر ورجعت بيتنا بسرعة, فتحت التلاجة ولقيت صنية فيها أكل كتير, حطيتها في الفرن تسخن وحطيتها في شنطة وجريت على البيت, خبطت على الباب وحطيت الصنية وبعدت خالص, وقفت أراقب الست وهي بتبص باستغراب للصنية وبعدها خدتها ودخلت..
مفيش دقاقيق وقربت عشان أسمع صوت ضحك والطفل عمال ياكل ويقول:
– الله الأكل ده حلو اوووي
قعدت على جنب وانهرت من البكاء, يارب رحمتك بينا وبالناس يارب, رجعت بيتنا وحاولت انام بس معرفتش, تفكير على خوف على حزن, فين وفين لحد ما غرقت في النوم, وأول ما نمت شوفت نفسي في مكان مظلم مخيف, وجالي هاجس اني جوة قبر مقفول عليا..
الهاجس ده خلاني اتنفض مكاني من الرعب, مفيش لحظات وشوفت جسم واقف بيتهز في الضلمة, وعرفته من هيئته, كان ابويا, قربت منه بخوف عشان أشوف دم كتير بينزل من جسمه, من كل مكان تقريبا, والمرعب اكتر ان لحمه كان بيتساقط عن جسمه وهو عمال يتألم ويبكي ويئن بصوت خشن..
في اللحظة دي بص ناحيتي, عنيه كان بيخرج منها دود كتير ابيض شكله بشع, ولقيته بيمد ايده ناحيتي وبيستنجد بيا, وقبل ما اتحرك سمعت صوت زمجرة مخيفة وحاجة بتمسك في رجلي بعنف..
صرخت واتنفضت من نومي وانا بلهس من الرعب وجسمي كله عرقان, قعدت اترعش مكاني كتير لحد ما هديت نوعا ما, استعذت بالله وقمت اتوضيت وصليت الفجر, وعدى اليوم كئيب ما بين استقبال ناس بتعزي وبين احتواء أمي ومحاولة استيعاب المصيبة..
بس تاني ليلة شوفت نفس الحلم من تاني, ابويا واقف جوة القبر لحمه بيسقط منه وجسمه بينزف وبيمد ايده ناحيتي كأنه بيستنجد بيا, حاولت اقنع نفسي ان ده بسبب الخوف والتوتر اللي انا فيه, بس لما تالت ليلة شوفت نفس الحلم بدأ القلق ينهش في قلبي, وقعدت في صلاة العشا حاطط ايدي على راسي والغم راكبني وعمال يدبح فيا, بصيت للسما ودعيت ربنا بالعمل الصالح اللي عملته, قولتله اني وديت الأكل للست وابنها عشان ارضيك انت, وبحق العمل الصالح ده فرج كربتي..
بعد الصلاة فقت على ايد بتهز فيا برفق, بصيت بعيون بتلمع بالدموع لقيته الشيخ منصور امام الجامع, ابتسم ليا ابتسامة رقيقة وقالي:
– مالك يابني فيك ايه
– انا تعبان اوي يا شيخ
– مينفعش تتعب وتغتم وربك موجود, وانت شاب ما شاء الله بشوفك كتير بتصلي
– انا بشوف حلم غريب اوي يا شيخ بقالي تلت ايام
– احكيلي يابني يمكن اساعدك
خدت نفس عميق وحكيت له الحلم بالكامل, استعاذ بالله من عذاب القبر وقالي ان دي رسالة من عالم الأموات ولازم تعرف سببها, ولما استفسرت منه اعمل ايه قالي اني لازم افتح قبر ابويا..بقلم.. أحمد محمود شرقاوي
وقتها اتنفضت من الرعب, بلعت ريقي بالعافية ومقدرتش انطق عشان يطمني ويقولي انه هيجي معايا واللي ربك رايده هيكون, خدت مفاتيح المقابر بتاعتنا وطلعنا انا وهو ناحية المقابر, كل ده وانا هفقد الوعي من الضغط والتفكير والخوف, وصلنا للمقابر ووقفنا قدام قبر ابويا..
مش هحكيلكم عن شكل المقابر المخيف بالليل ولا الصمت ولا الضلمة, انا هحكيلكم عن الحركة الغريبة اللي سمعتها جاية من القبر, صوت نبش غريب كان جاي من جوة التربة, حسيت ان شعري هيشيب من الخوف والقلق, الشيخ فضل يقرأ قرآن ويستعيذ بالله من شرور الإنس والجن..
استعنت بالله وانا قلبي بينط من مكانه وحطيت المفتاح في القفل بتاع التربة, وبكل خوف الدنيا زقيت الباب الحديد الصغير لجوة, ومشوفتش غير ضلمة, ضلمة مخيفة خلت الشيخ يهمس ويقول:
– معقولة دي اخرتك يابن آدم في الضلمة دي
كلامه خوفني اكتر من المصير اللي منتظرنا كلنا, شغلت كشاف الموبايل وزادت الحركة جوة التربة وصوت النكش, وفي لحظة سمعت زمجرة وحاجة نطت في وشي, صرخت ووقعت في الأرض والشيخ استعاذ بالله بصوت عالي..
ولمحته, كان كلب ضخم, خرج من التربة وطلع يجري بعيد وهو بيزوم زي الوحش, حسيت بالرعب على والدي ونطيت جوة التربة ونورت الفلاش, وكانت الفاجعة, جسم ابويا منهوش من كل مكان تقريبا, ابويا عن عبارة عن بقايا جثمان..
الكلب تقريبا أكل تسعين في المية من الجثة عشان يعرف يعيش التلت ايام دول, وقعت في الأرض لما حسيت ان الدنيا بتدور بيا, الشيخ بكى وشدني لبرة وقفل التربة وهو بيدعي بالعفو للمقبور, شدني بعيد وطبطب عليا كتير لحد ما قدرت استوعب الصدمة اللي كنت فيها..
وبدأ يتكلم بشرود ودموعه بتلمع جوة عنيه
“أبوك كان كل همه انه يشبع جثمانه بالأكل والشرب وبس في حياته, أبوك كان من أغنى أغنياء البلد وفي نفس الوقت كان أبخل أهل البلد, كل همه انه ياكل وياكل وياكل ويشبع جسمه بالأكل, عمرنا ما سمعنا انه طلع صدقة أو طلع اكل او فلوس لسائل أو محتاج, وربنا يابني قرر يوريه نتيجة اعماله دي, جسمه بقا مجرد وجبة لكلب سعران منعرفش دخل التربة ازاي..
البخل مرض ومصيبة كبيرة يابني, وانك تخاف تطلع صدقات للناس دي كارثة في حد ذاتها, لو مطلعتش حق الناس في فلوسك وأكلك هتكون نهايتك سيئة, وللأسف ابوك ياما نصحته يطلع صدقات وكان دايما بيرفض, كان شايف ان ده حقه هو وبس, طلع يابني صدقات كتير على روح ابوك وادعيله كتير, ومتخافش على نفسك او امك من الزمن, اللي رزق الكلب جوة القبر بلحم ابوك قادر يرزقك انت وامك كل يوم وانتوا على وش الأرض, اتصدق يابني قبل ما تدخل قبرك زي ابوك والدود والكلاب تنهش في جسمك..
اتصدق عشان تنجى من فتنة القبر ويوم القيامة, اتصدق يابني عشان دي من أعظم النعم اللي ممكن تعملها في حياتك..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
……………..
“وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ”