كتبت نرمين بهنسي
( استشهاد الجندى منير )
ذكريات لا تنسى…
عن حرب يونيو 1967..
كما ذكرت لكم من قبل كنت ملازم قائد فصيلة مشاة ( متخرج قبل الحرب بحوالى 9شهور) أحتل نقطة دفاعية جنوب جبل لبنى و تشرف على الطريق الأوسط الممتد من متلا الحسنة أبو عجيلة وكانت تشبة الهرم ظاهرة للعيان من بعيد …
وكما قصصت لكم عن تكليفى للعمل داورية إستطلاع مقاتلة و أصابتى وعودتى وإبلاغى بالموقف لقائد اللواء ثم عدت لأحتلال نقطتى القوية و الدفاع عنها و رويت لكم عن معركة جبل لبنى و أن السرية التى كنت قائداً لأحد فصائلها كلفت بستر إنسحاب اللواء وتعديل مواجهتها لتواجة الغرب فقد ألتف العدو ليلة ٧/٦ يونيو ليهاجمنا فجر يوم ٧ يونيو من الغرب فى أتجاة الشرق….
وكان معنا قائد اللواء الشجاع العميد سعيد إبراهيم سعيد الذى رفض الإنسحاب وأرسل القوة الرئيسية للواء بقيادة رئيس اركان اللواء العقيد نعمان وبقى مع سريتنا التى هجم عليها لواء مدرع إسرائيلى كامل وأسر قائد اللواء فى هذة المعركة بعد إصابته .
ورويت لكم إحساسي كملازم قائد فصيلة مشاة مسلح بالأسلحة الخفيفة عندما هجم علينا فجر يوم 7 يونيو 1967 لواء المدرع الإسرائيلى المكون من 111 دبابة سينتوريون حديثة بمدفع عيار 105مم ومدى 1500 متر طلقة مباشرة وبدون مبالغة كانت الأرض تهتز تحتنا و صوت جنازير الدبابات وهى تصهلل بأصوات عالية يصم الأذان و دخان العادم والغبار الكثيف الناتج عن حركة الدبابات على الرمال يملىء المكان وأصوات انفجارات قذائف الدبابات على أى هدف متحرك عالية جداً و أصوات لعلعة الرشاشات بدفعات طويلة جداً و أصوات ازيز الرصاص المنهمر تمرق حولنا…
ورويت لكم أن دبابة سينتوريون معادية اقتربت من موقع الذى يشبة القمع الكبير وواضح جدآ ووجهت مدفعها ناحيتى فتوقعت أن تضربنى بطلقة شديدة الإنفجار فنخفضت فى الخندق ولكنى سمعت صوت رشاشها يطلق دفعة الطويلة جدآ من رشاشة فنظرت لأعرف الموقف ووجدت انة أصاب أفراد طاقم مدفع عديم الإرتداد B11 فى الوادى تحتى فاستنتجت أن جنود العدو مدربين جيداً فقد وفروا طلقة شديدة الإنفجار لهدف آخر ..
. كان الجندى منير يمينى و على مسافة حوالى 5 أمتار منى وللأسف لاتذكر باقى اسمة كان قبطيا وسيما أبيض الوجة رياضى ومنضبط الى أقصى حد وكان ضارب للقاذف الصاروخى المضاد للدبابات RbG ماركة 2 (كان مداة من 50 الى 150 متر..).. .
وسمعت صوت الجندى منير يتاوة من الألم و صوت الدبابة يصلصل ويذداد اقترابا بصوت عالى جداً …
أسرعت نحوة وجدتة ملقى على أرض خندق المواصلات والدماء تنزف بغزارة من رقبتة لقد أصيب فاسرعت بالتقاط القاذف الصاروخ RbG الذى كان معمرا بصاروخ ونشنت على الدبابة وهى تقترب كالوحش المذمجر واطلقت الصاروخ وانطلق وإصاب الدبابة فى البرج إلا أنه عمل سكترمة وأرتد وسقط على الأرض بدون أن ينفجر ( يرجع ذلك لأن المسافة أقل من 50 متر فلم تكتمل الحركة الميكانيكية للطبة) و أسرعت الدبابة بالانطلاق شرقا مبتعدة محدثة صوت ودخان كان السائق قد داس على دواسة الوقود بعنف مافية…
خلال جزء من الثانية فكرت فى إعادة تعمير القازف الصاروخ والقفذ خلف الدبابة وضربها
إلا أننى عندما نظرت إلى أتجاة الغرب وهو أتجاة الهجوم للعدو وجدت عشرات الدبابات تتقدم بفواصلها التكتيكية فى اتجاهنا وتطلق مدافعها ورشاشاتها على فصائل سريتى…
أسرعت إلى الجندى منير الذى كان الدم ينهمر بشدة من رقبتة و حاولت إيقاف النزيف و كانت الإصابة بشظية من دانة مدفع دبابة أصابت الوريد الشريانى فى الجانب اليمين من رقبتة و بدأ يشعر بالبرد الشديد ويرتعش فلففتة بطانية ( كان يضعها اعسفل خليج النيران ليجلس عليها) و ندهت بأعلى صوتى على العريف الطبى ( كان جندى مشاة مستدعى و أخذ دورة تدريبية عن الإسعافات الأولية والتضميد ونقل المصاب لمدة ثلاثة أيام بالنقطة الطبية للكتيبة بواسطة طبيب الكتيبة الملازم أول طبيب / محمد رسلان رحمة اللة فقد استشهد فى هذة المعركة)
حضر العريف الطبى بسرعة وشاهد الدماء تغطى وجهى ويداى وملابسى فظن أننى أنا المصاب فصرخت فية لإيقاف نزيف الجندى منير فأخرج أدواته وبدأ فى ربط الرقبة و كنت أنظر إلى الجندى منير وأشجعه وكان ينظر إلى بنظرة مستحيل أن أنساها مهما حييت و حتى الآن عندما أتذكرها أو أحلم بها يقشعر جسمى و هى لا أستطيع وصفها بالكلمات فقد كانت مذيج من الخوف والضياع و الدهشة و الاستسلام والرجاء .. نظرة لم يستطيع أى مخرج أن يجسدها فى أفلام الحرب…
ثم أغمض عيناة فى استسلام وصعدت روحة وهو بين يدى لا أستطيع أن أفعل اعى شىء واناع عاجز تماما عن إنقاذه…
فى هذة المدة كان الاشتباك على اشدة ولكن للأسف ماذا تفعل البنادق و الرشاشات أمام الدبابات الصلب الضخمة…
مقارنة القوات كانت فى صالح العدو وشجاعتنا وبسالتنا كان رد فعل العدو أن سارع فى الإبتعاد عن موقعنا من الاجناب أكثر من مدى قواذفنا المضادة للدبابات وأستمر لاستكمال الآختراق شرقا. وهو يطلق علينا دفعات طويلة جداً من رشاشاتة…
.. وبدأ صوت المعركة فى الإنخفاض و اكتشفت أننى لا أسمع بإذني الشمال و صفير مستمر فى رأسي…
حضر رقيب الفصيلة الرقيب شوقى الهادى و أحضر زمزمية ماء وغسل يداى ووجهى من دماء الجندى الشهيد منير ووضعت الرمل على الدماء التى غطت سترة الأفارول..
. وبدأنا فى المرور على الجنود لتحديد المصابين و تجميع الشهداء والجرحى و الإستعداد لاىع هجوم تالى…
حتى اليوم ورغم مرور أكثر من ٥٠ سنة على هذة المعركة و نظرة الشهيد منير لا تفارقنى و اصبحت لا أطيق أن يلوث يدى اعى سائل لزج أغسلها بسرعة…
كانت معركة صعبة علينا نحن الضباط الأصغر…
عاشت مصر وعاش جيشها العظيم

More Stories
“عبور 360”.. عينُك الشاملة على نبض مدينة العبور وخدماتها
انطلاق برنامج تأهيلي وتدريبي لموظفي هيأة التأمين الطبي
تكريم دولي للكاتب الصحفي نزار الخالد بأعلى الأوسمة تقديراً لدوره في السلام وتعزيز العلاقات الأفريقية الآسيوية