بقلم/ دكتور أحمديوسف الحلواني
مفكر وباحث اسلامي
إذا ذُكِرَتْ ألأعْرَاض سَريعاً مانتصور أنها الناحية الجنسية في الإنسان سَلباً أو إيجاباً بالتفريط أو صيانتها مِن الفواحش.
لكن الحقيقة أن معناها أوسع من هذا بكثير ، فالعِرض في تعريف الشرعيين واللُغويين هو موضع ومحل الذم والمدح من الإنسان، فعند وصف رجلاً أو امرأةً بغير بيّنة بأنه كاذب او كاذبة فقد مسسنا عرضه مُباشَرةً، و ليس لازماً أن تقول إنه زانٍ لتصير قاذفاً له متعرضا لعرضه بل كما ذكرنا يكفى أن تصفه بأنه كاذب أو دجّال أو مُدعٍ او مُخادِع بغير بيّنة وبغير دليل ، هذا مُباشَرةً أنك انتهكت عرضه ، وخالفت شرع الله وتعرَّضت لغضب من الله.
قال سبحانه وتعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ۩ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ۩ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ۩ }
هذه الخصال المنهي عنها في هذه الآيات الكريمات: السُخرية، اللمز، التنابز بالألقاب، سوء الظن، التجسس، والغيبة ، ويمكننا أن نضيف عليها وإليها أيضاً المن، وهو الذى يُعطي ويتفضَّل ، والجامع المُشترَك بين هذه الصفات والخصال الرديئة السيئة هو أنها تُمثِّل إرادة وفعل إهانة للآخرين، والإنسان مُكرَّم عند الله تبارك وتعالى، والمُؤمِن مُكرَّم في شرع الله تبارك وتعالى، كل هذه الخصال وأمثالها إنما تُشكِّل استباحةً للإنسان، استباحةً لعرضه ،هدراً لكرامته، وهذا لا يجوز في شرع الله سبحانه وتعالى وقد قال في محكم التنزيل { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}
إذاً الإسلام ثقافة كرامة وتكريم ، تكريم للذات وللآخر، تمنع كل سُبل الإهانة، لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ – سُخرية – {عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ } فهذا اللفظ الإلهي الكريم ، {عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ } ، أشبه بوعد إلهي، هو وعد ووعيد، وعد للمسخور منه بالزيادة، ووعيد للساخر بالنقصان، لان عسى من الله تحقيق كما قال ابن عباس،وهنا نفهم حديث النبى صلى الله عليه وسلم انه مستمد من كتاب الله ومن هذه الاية تحديدا ، فيما رواه أبو داود وغيره لا تُظهِر الشماتة بأخيك فيُعافيه الله ويَبْتَلِيك، المفروض هي ويَبْتَلِيكَ، لكننا نقول ويَبْتَلِيك بدون فتح الآخر من أجل السجع، لا تُظهِر الشماتة بأخيك فيُعافيه الله ويَبْتَلِيكَ، من هذا الباب الذى سخرت منه لأجلها ، ولايبتليك من باب اخر غير الذى سخرت منه لأن الله عدل حكم ، ومن المُحال في عدل الله أنه يُفضِّله عليك في كل باب لأجل سخريتك منه في باب دون الأبواب ، لكن سخرت منه في باب، فاعلم انك الآن أمام وعيد إلهي بالنقصان في هذا الباب، وهو أمام وعد الهى بالزيادة في هذا الباب، لكن بشرط أن يُقابِل سُخريتك وإساءتك بما شرعه الله، وأكثر ما يُعجِب وأكثر ما يُحِبه الله في هذا الباب هو العفو، فالعفو أمارة التقوى! قال تعالى { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } وقال سبحانه، {سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ }
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْجَبُ وَيَتَبَسَّمُ ، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ ، فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ ، غَضِبْتَ وَقُمْتَ ، قَالَ: ” إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ ، فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ ، وَقَعَ الشَّيْطَانُ ، فَلَمْ أَكُنْ لِأَقْعُدَ مَعَ الشَّيْطَانِ ” .
ثُمَّ قَالَ: ” يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ: مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، إِلَّا أَعَزَّ اللهُ بِهَا نَصْرَهُ ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ ، يُرِيدُ بِهَا صِلَةً ، إِلَّا زَادَهُ اللهُ بِهَا كَثْرَةً ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ ، يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً ، إِلَّا زَادَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا قِلَّةً.
النبى صلى الله عليه وسلم بين ديننا العظيم في هذا الحديث الشريف هذا ديننا وهذه أخلاقنا وهذا مابعث به محمد صلى الله عليه وسلم .
لكن للأسف العالم اليوم لا يعرف ولم يسمع هذا الحديث الشريف وهذا الخلق المحمدى الرفيع ، العالم اليوم يسمع ويرى سباب المُسلِمين بعضهم بعضاً وذبح المُسلِمين بعضهم بعضاً، يقول هذا هو الإسلام، لا أمن ولا أمان، لا أخلاق ولا قيم، ولا يجد مَن يتلو على مسامعه ولا يجد مَن يُجسِّد هذه القيم أمام العالمين.

More Stories
جابر بغدادي: الإساءة للنبي توقظ الأمة وتزيدها حبًا وصلاةً عليه
دولة التلاوة”.. مصر تثبّت ريادتها وتقدّم أضخم منصة لإحياء فن التلاوة وأصوات القرآن الكريم
الراجحي: تقديم تجربة حج ميسّرة وآمنة المصريين بالتنسيق التام مع لجان الوزارة والغرفة