أكتوبر 12, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

“دي بقا أغرب حالة جت لدار المُسنين هنا”

كان أعمى، عنيه بيضا تمامًا، وشه باهت وشاخص النظر ناحية الفراغ، شكله كان بيوحي انه غايب في عالم تاني خالص..
عالم من الأهوال..
الحياة عبارة عن مجموعة اختبارات.. منها الاختبار الصغير اللي ممكن نفشل فيه.. بس الاختبار الكبير لو فشلنا فيه ممكن حياتنا تتحول لجحيم مُطبق.. وفي الغالب مش هنقدر نداوي الفشل ده تاني..
ده اللي اكتشفته لما سمعت حكاية عبد الدايم وابنه من دكتور أسعد، ويمكن قررت أوثق الحكاية مع صديقي كاتب الرعب أحمد محمود شرقاوي عشان الناس تستفيد من التجربة الصعبة دي، ليه لا مش ربنا قال وذكِّر، وانا بقول من باب التذكير، يومها كنت طالع مأمورية من المستشفى لدار المُسنين اللي جمبنا للكشف على شخص حالته الصحية تعبانة اوي..
كنت رايح بديل لزميلي لأن المستشفى متعاقدة مع دار المُسنين وبنروح نكشف على النزلاء اسبوعيًا او في الحالات الصعبة، وصلت للدار وقابلني مدير الدار واعتذر انه استعجلني في الحضور بسبب ان فيه حالة صعبة اوي.. بس وقتها شوفت في عنيه نظرة تردد غريبة اوي..
سألته بهدوء شديد وقولت:
– هو فيه حاجة انا معرفهاش
– بصراحة يا دكتور المريض مش من نزلاء الدار
– من العاملين يعني ؟!
– لا برضه
– أمال ايه انا مش فاهم
– المريض ده حكايته حكاية وهقولهالك بس بعد ما تكشف عليه، وانا هتكفل بثمن الكشف لأنه مش من ضِمن المتأمن عليهم في المستشفى عندكم
– يا فندم.. انا جاي أعالجه لو قدرت سواء كان متأمن عليه أو لا
– ده العشم يا دكتور
وصلنا لاوضة صغيرة في الدار قدامها مشرفة من مشرفات الدار في حالة توتر شديد اوي، سلمت عليها بهدوء ودخلت على المريض، وفوجئت من المشهد الغريب ده..
راجل مش مفهوم هو عجوز ولا شاب، عنيه كأنها سايحة مش ظاهر فيها غير البياض التام، جلده مكرمش بطريقة مخيفة وعمال يترعش في زاوية الاوضة بطريقة مُخيفة..
المدير شاور ناحيته بُحزن وقال:
– هو كدا من امبارح
– تقصد انه اول امبارح مكنش مريض
– لا يا دكتور ده وصل امبارح بس يسألنا عن حاجة وكان كويس، وفي يوم وليلة حبس نفسه هنا وبقا في الحالة دي، عندك تشخيص لده
استغربت جدا من كلامه، الشكل اللي قدامي ده بيقول ان الراجل ده مريض بمرض خطير وبقاله سنين طويلة المرض بياكل فيه كمان، أما ان كل ده يحصل في يوم واحد فده اسمه جنان..
قربت منه بس كان رافض يتحرك من مكانه، كان ثقيل زي الجبل، مبيتحركش، حاولت معاه كتير بس كان متكوم في وضع جنيني وعمال يزوم زي الحيوان، في النهاية اديته مُهدئ قوي عشان ينام وطلبت من اتنين عُمال يحطوه على السرير..
. فحصته سريعا، ضغط، سكر، رسم قلب، بس كل حاجة كانت طبيعية، وده اللي خلاني حرفيًا أحس اني معرفش يعني ايه طب، كأني نسيت كل حاجة، سبته يرتاح شوية وخرجت مع مدير الدار قعدت معاه في مكتبه، طلبت قهوة وبصتله بهدوء واتكلمت:
– انا شاكك ان الموضوع له سبب نفسي اكتر منه عضوي
بصلي بصة مُخيفة شوية وقال:
– بتؤمن بالجِن يا دكتور
استغربت اوي من كلامه رغم اني متعمق جدا في مجال الماورائيات، بصتله باهتمام عشان استفهم طبيعة شخصيته، قلقت يكون اختبار منه عشان يشوفني هل انا طبيب نفسي واستشاري عام ولا بؤمن بالدجل ده، بس كان باين عليه الحيرة فعلا..
رديت عليه بهدوء وقلت:
– انا مؤمن بالله وبكتابه اللي ذكر الجن والحسد والمس
– طيب كويس.. يبقا تسمع الحكاية وتُحكم بنفسك بقا
– اتفضل
من ست شهور تقريبًا جالنا راجل شغال مُحاسب اسمه مروان عبدالدايم، جه يتفق معايا عشان عايز يجيب والده يعيش في الدار عندنا وهو هيتكفل بالمصاريف كلها، بلغته بكل الاجراءات وحددنا موعِد يجيب فيه والده للدار عشان نستلمه بعد تشخيص حالة الوالد نفسيًا وجسديًا، وبعد أيام فعلا جالنا مروان ومعاه والده عبد الدايم عشان يسلمه..
يومها شوفت نظرة ذهول وحسرة وانكسار في عيون الأب الحزين، وعرفت انه ابن قرر يحط ابوه في الدار عشان مبقاش قادر يستحمله، حكاية بنشوفها كتير، بس اللي مشوفتوش هو لما اكتشف الأب انه رايح دار مسنين وان ابنه مبقاش متحمله..
الأب وقع من طوله وكأن ضهره اتكسر، ولما جرينا عليه وساعدناه تقبل مساعدتنا، بس كان بيتنفض كل ما ابنه يلمسه، كأنه بقا شايف شيطان قدامه، الراجل صاحب ال٧٠ سنة في اللحظة دي حسيت انه كبر ميت سنة كمان، اطمنا عليه وابنه سلمه لينا ومشي وهو مش باين عليه أي مظهر من مظاهر تأنيب الضمير..
قررت اشتغل على حالة عبد الدايم النفسية عشان يتأقلم مع الوضع وخلاص، انا ياما شوفت ولاد بيجيبوا امهم او ابوهم للدار، النزيل بيفضل حزين شوية بعدها بيتأقلم..
بس عبد الدايم كان حالة استثنائية، الراجل كان حزين حُزن سيدنا يعقوب على ابنه، الراجل فضل تلت شهور رافض الأكل والشرب وبيبكي طول الليل يوميا، اتركبله محاليل وحالته الجسدية والنفسية وصلت بيه انه بقا هيكل عظمي بيبكي بالليل وينام بالنهار ومتعلق له محاليل، الراجل كان حرفيًا ييتحلل واحنا مش عارفين نساعده، ولا طبيب نفسي، ولا طبيب غذائي، ولا حتى أي دعم..
لحد ما الرجل فقد بصره من البُكا والحزن، وبقت عنيه عبارة عن قطعتين من البياض المُخيف، كانت حالته بتجري ناحية الموت بطريقة رهيبة، لحد ما في يوم المشرفة كانت بتصرخ وبتقول ان عبد الدايم بيموت، جريت عليه انا وممرضة الدار عشان نشوف الراجل بيتحرك حركات عشوائية مُخيفة، وكأنها كانت حالة صرع كبير..
سيطرنا عليه بمُعجزة قبل ما قلبه يقف وطلبنا دكتور سريعًا، بس الغريب ان وقتها الراجل فاق، فاق وبقا بيتكلم زي أي شخص طبيعي، وقتها حاولت أهون عليه وقولت:
– ايه يا راجل يا عجوز كبرت ولا ايه
رد بصوت يقطع القلب وقال:
– يا رتني مُت ولا كبرت
– ليه بس كدا يا حاج وتحرمنا منك كدا
– هو انا استاهل ده يا ابني
– تقصد ايه يا حاج
– ان ابني يرميني هنا زي الكلب وميسألش عليا
الكلمة قطعت قلبي وقولت:
– ابنك جابك هنا عشان تلاقي رعاية أفضل، دي دار شفاء يا راجل يا عجوز
– عارف يا ابني
– لا مش عارف
– انا بعت كلية من جسمي عشانه
بصتله بذهول وقولت:
– تقصد ايه
لقيته بص للسقف وبدأ يتكلم كأنه بيكلم نفسه..
لسة فاكر يوم ما اتولد، جالي بعد انتظار طويل اوي، كنت بحبه، لا كنت بعشقه، كنت ممكن أقطع من جسمي عشانه، لسة فاكر لما اشتغلت اسبوع متواصل بشتغل ليل نهار عشان اجبله العجلة اللي هو عاوزها عشان شوفت دموعه بس، انا كنت بدبح نفسي يوميا في الشغل عشانه..
أنا بعد موت أمه اشتغلت أب وأم، حرمت نفسي سنين من الزواج لأنه كان حساس ومش هيتقبل مرات أب، بعت أرضي عشان تعليمه، واشتغلت كل حاجة عشان مصاريفه، ولما جه يتجوز ورفض يتجوز في شقة إيجار واتهمني بقلة الحيلة وشوفته مكسور عشان البنت اللي بيحبها شارطة عليه شقة تمليك روحت بيعت كلية من جسمي بدون علمه وبيعت البيت المتواضع واشترتله شقة فخمة تليق بمكانته في البلد وتليق بنسايبه..
وروحت انا أعيش في اوضة ايجار في البلد، بس هو المرض، المرض اللي كنت هموت بسببه، الناس كلموه لأني محتاج رعاية وهو خوفًا على شكله قدامهم خدني شقته، بس مراته متحملتنيش شهر واحد، كنت فاكر انه هيشيلني زي ما شيلته، بس هو معملش كدا، ده حطني في دار مسنين وسابني أتحلل بالبطئ وحتى مكلفش نفسه يسأل عليا من يومها..
الراجل بعد ما حكى الكلام ده كله وقع في حالة صرع من الحُزن والقهر ومات، أيوة مات، وابنه جه على مضض عشان يدفن أبوه، بل أكاد أجزم انه كان فرحان بموت أبوه عشان يعرف يعيش بدون العبئ ده..
بس بعد شهر من الحادث وفي مرة لقيت مروان جايلي وشكله غريب اوي، تحت عنيه اسود وبيترعش وشكله مش متزن خالص، كلمني بخوف وقالي:
– أنا عايز اتأكد هو ابويا مات فعلا ولا لا
كان عامل زي المجنون، بصتله بعدم فِهم وبلغته انه فعلا مات، سابني ومشي، وبقيت متعود على الجنان ده، كل اسبوع يجيلي بحالة اسوأ من الأول ويسألني
“هو ابويا مات يا دكتور ولا بتضحكوا عليا”
وفضل فترة كبيرة يروح ويجي علينا لحد ما جه امبارح بس، كان شكله مُرهق اوي بس كان قادر يمشي ويتحرك، هجم عليا وفضل يصرخ ويقول
“ابويا عايش، انتوا دفنتوا حد تاني يا نصابين”
طبعا الأمن جه يمسكوه بس جري على الاوضة اللي ابوه مات فيها وقعد فيها، حاولنا نخرجه بس هدد انه هيقتل نفسه لو خرجناه، وبعدها راح في نوبة بكاء هيستيري واترجاني ينام ليلة واحدة مكان ابوه، ولما صحينا لقيناه بالحالة دي، أعمى، عامل زي الراجل اللي عنده ميت سنة، في حين ان هو راجل في الاربعينيات بس..
بصيت لمدير المستشفى بذهول وقولت:
– تقصد ان اللي شوفته جوة ده مروان ابن عبد الدايم
– ايوة هو، اللي كان جاي من شهور مع ابوه ببدلة وشكله راجل هيعيش الف سنة قدام، تفتكر ايه السبب يا دكتور اللي عمل فيه كدا
بصتله وانا في قمة ذهولي وقولت:
– انا لازم أسمع من مروان، لازم أعرف حصله ايه بعد موت أبوه لازم
– بس ده هيتكلم ازاي يا دكتور
– انا هعرف اخليه يتكلم، وهستعين بصديق شيخ روحاني يحاول يعالجه ويخليه يتكلم كمان لو كان ممسوس، ولو مجنون فانا هعرف
– هتدخله امتا
– بكرة الصبح لما يفوق، بكرة لازم أعرف منه القصة كلها
مكنتش أعرف اني بكرة هشوف واسمع حكاية تشيب، مكنتش أتخيل ان الجحيم ممكن يخطف حد عايش وسطنا بالطريقة دي، مكنتش أعرف ان شعري كله هيقف بكرة من غرابة اللي هسمعه..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي