أبريل 24, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

“كان جاي من وسط الجبل ناحيتي ووشه اسود زي الليل”

معرفش ليه وقتها حسيت انه شيطان رجيم مش مجرد انسان, وشيطان كمان جايلي أنا مخصوص عشان يأذيني بأذى شديد, وللأسف كل اللي شعرت بيه طلع حقيقي..
……………….
الجيش, وما أدراك ما الجيش, وبالأخص لما تتفاجئ في يوم وليلة انك مترحل على شمال سينا والوِحدة العسكرية بتاعتك في قلب الجبل حرفيًا, وقتها بتبدأ تعرف انك هتعيش سنتين تعرف فيهم معنى كلمة ظلام الليل, ومعنى كلمة البرد والصقيع..
وصلنا الوحدة على قبل المغرب واستقبلنا قائد الوِحدة وعرفنا بنفسه وبعدها دخلنا الميس عشان نتغدى وخدنا راحة في اليوم ده, ومن تاني يوم نبدأ نتقسم على الخدمات والتدريبات وطوابير اللياقة, ونمت الليلة دي زي اللي فاقد الحياة نفسها من طول السفر والتعب والإرهاق اللي انا فيه, واللي تقريبا مشوفتش زيه قبل كدا في حياتي..
تاني يوم صحينا بدري أوي الساعة 6 على طابور اللياقة ومنه على طابور الفطار وبعدها طلعنا على طابور السلاح والتدريبات لحد قبل العصر, ومنها على طابور الغدا وبعدها طابور توزيع السلاح عشان خدمة الحراسة بالليل, ولقيت خدمتي هتكون على البرج الخلفي من الساعة 12 للساعة ستة الصبح, خدت ازازة المية بتاعتي وعلبة صغيرة فيها أكل وطلعت على مكان الخدمة الساعة 8 عشان انام 4 ساعات واقضي خدمتي..
البوابة الخلفية كانت عبارة عن حائط خرساني صغير وعن يمينه وشماله سلك شائك طويل, وفيه اوضة صغيرة جمب البوابة هي مبيت أفراد الخدمة.. وعلى بُعد خمس دقايق مشي في الظلام الدامس بتلاقي البرج بتاع البوابة اللي المفترض فرد خدمة هيقف عليه..
دخلت للاوضة وكان معايا اتنين زمايلي, ومسافة ما حطيت دماغي على المخدة روحت في النوم تماما, وكلها دقايق أو ثواني نمتهم ولقيت زميلي بيصحيني للخدمة, أيوة اربع ساعات عدوا في دقايق معدودة..
صحيت زي اللي مضروب علقة شديدة, جسمي مكسر وحاسس ببرد رهيب, برد مخليني خايف أخرج من الاوضة أصلا, لفيت البطانية على جسمي وخدت السلاح في ايدي وطلعت لمكان الخدمة..
ولفحتني موجة برد الصحرا, وما أدراك ما موجة البرد دي, حسيت ان جسمي اتضرب بخنجر عامل زي لوح التلج, البرد وقتها بيتغلغل لجسمك من جوة ويخليك حاسس انك مش قادر تتحكم في اطرافك, خطواتك, ورعشة جسمك..
ومشيت بمحاذاة السور جمب السلك الشائك لاكتر من خمس دقايق, كنت بجر خطواتي جوة البيادة اللي عاملة زي الديب فريزر, رجلي كأنها حتتين تلج مش أقدام بشرية, كنت منور كشاف الموبايل وماشي على الرملة مش شايف غير متر قدامي,
وفي النهاية وصلت للبرج, وبصوت مرتجف ناديت على صاحبي اللي واقف فوق, نزل وهو تقريبا عبارة عن لوح تلج, خد السلاح بتاعه ونزل يجري ناحية المبيت عشان الدفئ, وطلعت انا خطوة ورا خطوة على السلم العامودي لحد ما وقفت فوق البرج, وانهمر عليا شلال من الصقيع والرياح الباردة المُرعبة..
الرياح اللي صوتها عامل زي زئير التنانين وضربها أقوى من ضربات المصارعين, لفيت البطانية عليا اكتر وانا بترعش اكتر واكتر, وغصب عني حاولت انتزع أي ذِكرى تهون عليا الست ساعات دول..
البنت اللي بحبها, سابتني واتخطبت خلاص, أبويا وامي, ابويا مريض وامي اتوفت من سنة, اخواتي, ليا أخ مسافر وانا لوحدي, لوحدي بطريقة مخيفة, لوحدي لدرجة ان عرفت معنى الوحدة في مكان زي ده, حسيت اني في حاجة للبكاء, بس اللي اعرفه ان مفيش راجل بيبكي, ولو بكيت فالبرد مش هيسمحلي أحس بدفئ الدموع على خدي..
فضلت اناجي ربنا انه يهون عليا الضغط النفسي اللي انا فيه والاحساس الغريب اللي انا فيه ده, وعدت أول ساعة وانا تقريبا اتحولت للوح من الجليد, وصوت الرياح مش عايز يهدى ولو ثانية واحدة, في الوقت ده ورغم زئير الحياة سمعت صوت خطوات جاية من بعيد, وبالأخص جاية من ناحية البرج, وقتها كان صوت الرياح هدي شوية وصوت الخطوات وصلني بسهولة..
مسكت جهاز الرؤية الليلية لقيت عسكري شايل سلاحه وجاي من بعيد ناحيتي, تحفزت ناحيته وان استنيت عشان أفهم ده مين, هل ده عسكري خدمة سيارة, واللي هو بيلف حولين السلك الشائك رايح جاي, ممكن وبما اني جديد فلسة معرفش..
قرب مني لحد ما بقا تحت البرج تماما وراح متكلم بصوت خشن بلهجة غريبة شوية, يمكن لهجة سيناوية أو نوبية:
– السلام عليكم
– وعليكم السلام
وقتها رفع وشه ناحيتي ورغم الضلمة شوفت وشه, وش اسود اوي, والملامح مخيفة غريبة, رد وقال بصوت غاضب:
– المرة الجاي لا تعيد رد السلام وإلا هغضب عليك
واتبخر, ايوة اتبخر زي الطيف, ووقفت مكاني فاتح بقي زي المتخلف ومش قادر افهم أو استوعب ايه اللي حصل, صدقًا انا عقلي وقف, بقيت حاسس اني لسة نايم وكل ده مجرد حِلم, فضلت مكاني مش عارف أفكر, اتحرك, أنزل من مكاني واسيبه وممكن اتحاكم فيها..
بس الأمر منتهاش عند ده, لأني سمعت نفس الخطوات من تاني, حطيت جهاز الرؤية الليلية على عنيا وانا بتنفض عشان اشوفه جاي ناحيتي من تاني, وقفت مكاني مشلول زي التمثال, وهو كرر نفس الفعلة, وقف تحت البرج ورفع ايده وقال:
– السلام عليكم
مردتش, ايوة مقدرتش أرد ولا انطق بنص كلمة, فضل واقف تحت البرج ومستني يجي دقيقة, وانا حاسس اني بموت, كأن سكرات الموت بتنهش في جسمي, بعدها ضحك, ضحك ضحكة عالية أوي, كأن شيطان بيضحك, شيطان رجيم, واختفى, اختفى تماما من قدامي..
ااااااه, عايز أصرخ, عايز أموت, عايز الجنان والرعب ده ينتهي, انا جسمي متكلبش مش قادر حتى أنزل من البرج, خايف أنزل الاقيه عدى السلك الشائك والاقيه تحت البرج, وقبل ما افكر سمعت صوته, كان واقف بعيد وبينادي:
– تعالى عايزك
اتنفضت, اتنفضت مرة واتنين وتلاتة
– بقولك تعالى عاوزك
مش قادر, جسمي مشلول, ولساني متجمد, وجوايا بركان من الرعب بيتفجر جوايا, واتكلم تاني, أتكلم وقال:
– لو مجتش انا اللي هجيلك
وقبل ما اتمالك نفسي سمعت صوت خطوات رهيبة بتجري ناحية البرج, كأن فيه جيش من الخيول بيجري ناحيتي, وقتها صرخت, صرخت واتدفق الدم جوايا من الرعب, نطيت من فوق البرج على الرملة, نطيت من الفزع وجريت ناحية البوابة وانا بصرخ, جريت في الضلمة والبرد, جريت لحد ما وصلت لاوضة المبيت, دخلت وانا عمال اتنفض وشبه هموت وابكي..
زميلي صحي من نومه متوتر وسألني “مالك”
وبلسان باكي حكيتله, حكيتله كل اللي حصل, شوفت في عنيه نظرة خوف وقلق وقالي:
– تعالى
خرجت معاه وانا ميت من الرعب لحد البوابة اللي كان واقف عليها زميل تالت, حكاله سريعا اللي حصل فشوفت الرعب في عنين عسكري البوابة, ووقفنا احنا التلاتة جمب بعض وكل واحد ماسك سلاحه..
ومفيش دقايق وبدأ طوب وحجارة يتحدفوا علينا من الجبل, وألواح خشب ثقيلة, وصوت مرعب عمال ينادي عليا عشان أروحله, ليلة من أسوأ الليالي اللي شوفتها في حياتي, ليلة خلت شعري يشيب وملامحي تكبر عشر سنين على الأقل..
لحد ما الصبح طلع, طلع واختفى الصوت نهائيا معاه, ودخلت الاوضة اتنفض من البرد والرعب زي الطفل المحموم..
اللي اتحكالي بعدها ان ده جن من سكان الصحاري اسمه “الطنطل” وده جن بيتشكل على ألف هيئة والف لون, وانه بيظهر لكل شخص جديد بيجي المكان, يعني أي عسكري جديد لازم الطنطل يزوره ولو زيارة واحدة, بعدها بيسيبه لحال سبيله, وانه بينادي عليك برضه مرة واحدة, لو روحت مش هترجع, أو هترجع مجنون فاقد للعقل..
واتقالي ان فيه عسكري مات لما سمع النداء وراح, وعسكري تاني رجع مجنون لما رجع, واني طالما مروحتش فهو مش هيظهرلي تاني, أي نعم انا قضيت شهر كامل واقف خدمة وانا ميت من الفزع, رغم اني كنت مواظب على الأذكار, بس الطنطل مجاش تاني, ولا اتشكل في أي هيئة, رغم ان دمي نشف من الفزع مع كل صوت للرياح, ومشوفتش الطنطل تاني ولا سمعت صوته غير بعد ست شهور من جيشي لما جت دفعة جديدة للوحدة ومسك الخدمة معايا عسكري جديد..
وبرضه ربنا سترها بعد ليلة من حدف الحجارة والصوت المُخيف, وانتهى جيشي, انتهى بعد ما لاقيت ان الحكاية دي لازم تتوثق على صفحة أي كاتب رعب, وبالأخص صفحة الكاتب أحمد محمود شرقاوي, لأني واثق ان هيوصل الحكاية بطريقته للناس, هيعرفهم ان في الصحاري فيه جن كتير أوي, وانك لازم تستعين بالله على شرهم بالأخص وانت في مكانهم, وانك لازم تداوم على الأذكار يوميا عشان تبقا محفوظ بحفظ الله..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي..