أنا مش بتخيل ولا عندي وهم، انا شايفة كل حاجة بعنيا، سامعاها بودني، وحاسة بحرارة حركتها، بل واقدر اجزم اني بسمع صوتها كل ليلة..
………..
الرعب والجنون ممكن ييجوا من أي حاجة حولينا مهما كانت هي ايه، مش شرط تكون كائن حي، لأنها ممكن تكون مجرد جماد ولا بيسمع ولا بيشوف، وانا الرعب اقتحم حياتي فجأة وبدون أي مقدمات، وبطريقة أغرب من الخيال..
يومها كنت تعبانة ومرهقة اوي من اللف في الشوارع انا وأمي عشان نلحق نشتري اللي ناقص في شقتي قبل الفرح اللي بعد ١٥ يوم بس من انهاردة..
حاسة اني بجهز نفسي للحياة الأبدية الوردية، البنت اللي جاية من طبقة متوسطة ومع ذلك قدرت تخطف قلب الظابط الوسيم ابن الأكابر، البنت اللي هتتنقل من مكان لمكان تاني خالص..
عشان كدا قررت أشتري أفخم واحسن حاجة لجهازي، حتى لو هدفع تحويشة عمري كلها، المهم متعبش أهلي معايا، وكمان نسايبي يتشرفوا بينا في زمن بقت المظاهر هي كل حاجة فيه، كانت دماغي شبه سايحة وانا عمالة افتكر أدق التفاصيل عشان منساش حاجة من اللي نقصاني..
ووسط الحر والتعب والحاجات التقيلة اللي شايلنها لمحتها، كانت محطوطة على واجهة محل ستاير قديم أوي، ستارة لونها شبيه بلون اللهب، لدرجة انك لوهلة بتحس ان النار ماسكة فيها..
حسيت ان قلبي اتخطف أول بس ما لمحتها، خدت والدتي ودخلنا نتفرج رغم اعتراض والدتي، لأني كنت اشتريت ستاير بما فيه الكفاية، بس انا مكنتش قادرة أقاوم غريزتي تجاه الستارة دي بالأخص..
دخلنا المحل واتفرجنا شوية وانا عيني هتطلع على الستارة دي بالأخص، قطعة من اللهب الخاطف للأبصار..
سألت الراجل عن سعرها بس قالي انها مش للبيع، وانها محطوطة بس كزينة للمحل، وده خلى قلبي يتقبض، كأني خلفت وطفل من أطفالي ضاع..
لدرجة ان جتلي حالة من ضيق التنفس والضيق رهيبة، من الحر والتعب وصدمة اني مش هتحصل عليها، حسيت بدوخة غريبة وقعدت مكاني وسط قلقي وقلق صاحب المحل..
فضلت اساومه بكل الطرق الممكنة وهي رافض تماما، لدرجة ان أمي عنفتني قدامه، وده خلاني وبطريقة مُريبة اقع في نوبة بكاء شديدة، امي كانت مذهولة من أفعالي الصبيانية دي، وبالأخص لما اتصلت بمعتز خطيبي وطلبت منه يجيلي فورا..
وكلها نص ساعة وكان قدامي وشكله مخضوض وقلقان، بلغته اني عايزة الستارة دي بأي ثمن، بل ومن وسط بكائي قولت اني مش هتجوز من غيرها..
وده خلاه يدخل ببدلته الرسمية يتفاوض من تاني مع صاحب المحل، وبعد شد وجذب وافق في النهاية الراجل واشتريناها، وقتها حضنتها بقوة كأني حاضنة طوق النجاة وسط المحيط..
واتفرشت شقتي، وانا كل ده تايهة في الستارة، تحفة فنية ممزوجة بالنار واللهب، لدرجة اني علقتها قصاد سرير اوضة نومي على الشباك، رغم ان لون الاوضة كان مختلف تماما عن لون الستارة، وقتها بس حسيت بالاطمئنان التام..
واتعمل الفرح الضخم اللي كان حديث كل الناس، ودخلت عش الزوجية مع الظابط الوسيم، اللي كان بيعتبرني هديته في الحياة، وعدت الليالي الأولى في زواجي زي الحلم الجميل، الحلم الوردي اللي مكنتش عايزة أصحا منه أبدًا..
وفي ليلة كان معتز هيتأخر في شغله كالمعتاد قعدت على سريري اتأمل شكل الستارة في هدوء وسكينة غريبة، بس فجأة حسيت وكأن الستارة بتتحرك بطريقة غريبة، من النص تقرييا، بتطلع لقدام وترجع وكأن عندها قفص صدري وبتتنفس..
الحركة كانت غريبة على الرغم ان المكان كان مقفول تماما، مركزتش في الموضوع ونمت، نمت مرة واحدة كأني فقدت الوعي تماما..
وبعد مدة معرفش اذا كانت طويلة ولا قصيرة حسيت بحرارة شديدة على جسمي، كأن مفيش اكسجين في الاوضة، جسمي بيعرق وعمالة اشهق وريقي ناشف اوي، فتحت عيني وانا بنهج عشان لساني يتشل مكانه..
الستارة، الستارة اللي بينها وبين السرير يجي تلاتة متر كانت فوقي تماما..
كأن فيه هوا شديد رفعها من تحت وحركها لفوق لحد ما بقت مغطياني زي البطانية، وكانت بتجيب حرارة شديدة منها، شهقت، شهقت شهقة عنيفة وفي لحظتها رجعت الستارة لمكانها تاني، فضلت بصالها بذهول وانا مش مستوعبة، حتى لو اترفعت بسبب الهوا صعب توصل لسريري، لأنها اقصر من انها تغطي المسافة دي كلها..
كمان شباك اوضة النوم مقفول، فين الهوا اللي هيحركها بالقوة دي، وهي ستارة ثقيلة كمان مش خفيفة، فضلت مركزة معاها عشان اتصدم صدمة اكبر..
الستارة بتتنفس، ايوة بتتنفس، سامعة صوت جاي منها، صوت أنفاس، وهي بتتحرك من المنتصف زي حركات الشهيق والزفير، جسمي اتشل، حسيت ان قلبي هيقف من الرعب ده..
وقبل ما اتحرك من مكاني النور قطع تماما، ونزل الرعب والصمت على المكان كله زي القدر المستعجل، والمُرعب ان الستارة كان جاي منها ضوء منور الاوضة، ايوة كأنها بتتأجج باللهب، طالع منها ضوء ناري غريب..
ولازالت بتتنفس بصوت عالي، ووسط رعبي وخوفي سمعت باب الشقة بيتفتح ووصل معتز،، وقتها النور رجع وكل حاجة رجعت طبيعية، شاف وشي مخطوف وفضل يتسائل بس انا مكنتش عارفة انا ممكن اقول ايه، وعدت الليلة وانا حرفيا فاقدة النطق والاحساس..
وعدى يومين وانا متجاهلة الستارة وكأنها شيطان ومع ذلك لا أجرؤ على اني اشيلها من مكانها، بس بعد يومين حصل الاسوأ لما كنت نايمة ومعتز كالعادة في شغله..
اتكرر نفس الجحيم، احساس ان فيه فرن مفتوح قدام وشي بيطلع لهب، حر شديد وخنقة وحاسة اني هموت، فتحت عنيا لقيت الستارة فوق عنيا طايرة في الهوا، رميت طرف عيني لقيت الجزء اللي فوق متعلق في علاقة الحيطة عادي، ده معناه انها استطالت عشان تترفع من تحت وتوصل للسرير بالطريقة دي، ومسافة ما شهقت رجعت تاني مكانها..
قمت وانا بترعش، خايفة، مسكتها من تحت وشدتها لاخرها، بس يادوب وصلت لطرف السرير بالعافية، انا حاسة برعب، كأن أطرافي بتتجمد، قشعريرة زي التلج بتجري في جسمي رغم ان الجو نار..
وقبل ما استوعب اللي بيحصل وفي لحظة، النور قطع مرة تانية، وفي لحظة بدأت اسمع صوت ضحكات جاية من بعيد اوي، واحدة ست بتضحك بمرح، بس في الوقت ده الرعب كان سيد الموقف، خاصة لما اكتشفت ان صوت الضحك كان جاي من الستارة نفسها..
قلبي كان هيقف، وانفاسي بتتسارع، عنيا جاحظة بفزع، ستارة بتتنفس وتضحك، وبتخنقني وانا نايمة، رجعت لورا خطوة ورا خطوة لحد ما وقعت على السرير، وقتها حسيت بدوخة غريبة، صداع ودماغي بتتقل بطريقة مخيفة، ضعف رهيب بيهاجمني وبيحاول يشل أطرافي، بصيت ناحية الستارة وكان الهول كله..
فيه حد بيخربش في الستارة من ورا، كأن حد واقف وراها، شايفة تفاصيل جسمه، ضوافره اللي بتخربش عشان تقطع الستارة، عنيه كان بتلمع من ورا الستارة..
الضعف بيزيد، قلبي هيقف، بتنفس بصعوبة، وهو بيقطع في الستارة بسنانه، وضوافره، و
و
ووقعت في غيبوبة عميقة، كأن حد ضربني بمطرقة عنيفة على راسي، بس واضح ان الجحيم كان لسة مشبعش مني..
صحيت على صوت أنفاس قدام سريري، انفاس غضبانة، سريعة، ملتهبة..
فتحت عيني وانا بتنفض عشان اشوفها، واحدة ست لابسة فستان ابيض غرقان دم، مدبوحة ورقبتها بتسيل بالدم، وفيه جرح غائر عند راسها، وهي واقفة مبرقة وبتتنفس بهيستريا وغضب شديد..
كنت باصة عليها وانا بموت، جسمي زي الاموات وعقلي خلاص هيشت، مشيت ناحية الستارة ومسحت الدم فيها، ولقيتها بتصرخ صرخة رهيبة وبتشاور على الماسورة الدائرية اللي الستارة متعلقة فيها، وفجأة هجمت عليا..
ووقتها وقعت من على السرير، وقعت وانا فاقدة النُطق، دفنت راسي بين ايديا وفضلت اتنفض، واتنفض، زي اللي مدفون جوة قبر مدفون، زي اللي منتظر الموت..
معرفش فضلت كدا اد ايه، بس فجأة لقيت معتز بيهز فيا، كان قلقان، عمال يسألني مالك..
وانا مكنتش بنطق، سندني وقومني، مشيت ناحية الستارة وبضعف شديد شاورت ناحية الماسورة الدائرية اللي متعلق فيها الستارة..
وهو ظابط، وحسه الامني عالي، خلع الماسورة من مكانها ومسكها في ايده، جه عند الطرف ولقى غطا نحاس قافل الماسورة، خلعه من مكانه و
وجوة الماسورة الضخمة كان مستقر فيها خنجر عليه دم ناشف، خنجر شكله مُرعب، حط الخنجر في كيس عشان البصمات وخدني برة الشقة..
فضلت كتير على ما قدرت أحكي، حكيتله كل حاجة، وهو وداني عند أهلي وبدأ يتعامل، تحقيق بالتهديد مع صاحب محل الستاير عشان يعترف ان صديقه فلان اللي جبهالو..
ومنها لصديقه اللي اعترف انه خدها من شقة جمبهم حصلت فيها جريمة قتل، ووصل معتز لملف الجريمة اللي اتقيدت ضد مجهول، وقدم الدليل وقدر يفتح ملف القضية من تاني..
المتهم الرئيسي في القضية كان الزوج، بس محدش قدر يثبت عليه حاجة وخد براءة، بس لما الخنجر ظهر، وشهود شهدوا ان الخنجر كان بتاع الزوج، ولما النيابة استدعته بالدليل الجديد حصلت المعجزة، واعترف انه قتلها لأنه كان عايز يستولى على دهبها ويتجوز واحدة تانية، وخطط لجريمته وقتلها وفضل أيام كأنه مسافر..
ولما رجع ولقى الستارة غرقانة دم اخفاها عند صديق له، وبلغ عن الجثة اللي لقاها لزوجته لما رجع من السفر..
ومحدش قدر يثبت عليه حاجة، بس الدليل والبصمات اثبتوا عليه الجريمة، واتحكم عليه بعدها بالإعدام، ورجعت شقتي تاني..
معتز كان عايز يشيل الستارة بس انا رفضت، رفضت رفض قاطع، وعدت ليلة واتنين وتلاتة وكل حاجة كانت طبيعية، لحد ما في ليلة شوفتها، شوفتها في حلم بتضحك ومبتسمة وهي متعلقة في الستارة زي الأطفال، وقتها صحيت مبسوطة، مبسوطة عشان العدل اتحقق في الأرض..
العدل اللي بيقول ان مفيش قاتل هيفلت بجريمته ابدا، وان الخالق توعد القاتل بالعذاب الأليم، القتل اللي ربنا شبهه بقتل الناس جميعا، وان المقتول هيتعلق في رقبة القاتل يوم القيامة يطلب القصاص.. وان نار جهنم هتاكل القتلة وتحرقهم بسبب الجريمة العظيمة دي.. الله يرحمها..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
………..
أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا

More Stories
مزاد دهب – النسخة الثانية: عالم من التحف والأنتيكات
انطلاق أول مزاد علني للأنتيكات في الأقاليم بقيادة براند “دهب”
رمضان بين الكلمة والوعي ليلة مميزة بنقابة أطباء المنوفية