بقلم د.محمد عبد العزيز
كاتب وباحث اقتصادي ومتخصص في الشئون الأفريقية ..
ملحوظة / هذا عمل أدبي من خيال المؤلف ليس أكثر حتى وإن تطابقت أحداث القصة مع بعض أحداث الواقع وتهدف القصة لسرد ورصد أثر بعض التطورات السياسية والإنسانية في حياة الإنسان الأوكراني البسيط …
ذهب “يوريكوليف” إلى جبهة القتال الرئيسية في إقليم شرق أوكرانيا فور إعلان دولة روسيا الإتحادية الإعتراف بدولتي “دونيتسك – لوجانيسك” إلا أن جذوره الأوكرانية الأصيلة المنتمية إلى روسيا كأخت كبرى لكل القومية السلافية الشرقية جعلته يُسلم نفسه إلى جنود روسيا دون قتال بل وأرسل خطاباً مفتوحاً إلى قيادة الأركان الأوكرانية ليس فيه سوى عبارات قصيرة ومقتضبة كما يلي :
. لا للحرب على القومية السلافية الشرقية
. لا للحرب على روسيا الأخت الكبرى
. لا للإستقواء بالغرب على روسيا
. لا لإستدعاء الغرب على حدود روسيا وعلى الأراضي التي منحتها روسيا قديماً لأوكرانيا
وصلت رسالة “يوريكوليف” إلى رئاسة أركان الجيش الأوكراني وجن جنون قادة الأركان
من هذه الرسالة المقتضبة ولما لا ولقد تم تغيير كل شيء في أوكرانيا حتى النخاع حيث تم تغيير الهوية والثقافة والتوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتم تغيير الحس والذوق العام حتى أصبحت قيادات أوكرانيا وقطاع عريض من الشعب يتقبلوا فكرة الاستقواء بالغرب ضد الأخت الكبرى روسيا .
أرسلت قيادة أركان الجيش الأوكراني إلى أسرة “يوريكوليف” خطاباً جاء فيه :-
‘ لقد خان أبنكم وطنه وسلم نفسه إلى العدو وإستحق حكم الإعدام بسبب الخيانة العظمى وقت الحرب وسوف يُنفذ فيه حكم الإعدام بعد إنتصار أوكرانيا على أعدائها ، تحيا أوكرانيا ‘
وإستقبلت “بيستيل” أخت “يوريكوليف” هذا الخطاب بمرارة وألم وأخفته عن والدها حتى لا يُصاب بالحسرة والمرارة والألم على وطنه وعلى أبنه معاً في آنٍ واحد .
وتذكرت “بيستيل” لعبها هي وأخيها في مزرعة الأسرة وهما صغاراً وكيف كانت تُشبه شعر رأس أخيها بلون سنابل القمح الذهبية وكيف كانت تتمنى أن يكون لها نفس الشعر الذهبي بلون سنابل القمح الأوكراني التي تربت وترعرعت على التمتع برؤيتها منذ نعومة أظفارها .
وتذكرت كيف كان والدهما “هيفولينكي” يحكي لهما بعد العشاء يومياً في منزلهم في مزرعة الأسرة عن أيام الثورة البلشفية وعن إنتصار روسيا على النازية وقت الحرب العالمية الثانية وكيف إنتصرت روسيا بقوة وعزيمة رجالها وطبيعة مناخها وجغرافيا أرضها على كل أعدائها على مر العصور وكيف كانت روسيا راعية ومحتضنة لكل القومية السلافية الشرقية أيام القيصرية وأيام البلشفية وحتى بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي السابق ظلت روسيا الشقيقة الكبرى لكل السلاف الشرقيين .
تذكرت “بيستيل” حديث والدها عن والد جدها الروسي الأصل الذي كان أسمه “جورجي كيروف” والذي خدم في جيش آخر قياصرة روسيا “نيقولا الثاني” في الحرب العالمية الأولى والتي مات فيها أكثر من ٢٠ مليون شخص وأضطرت القيصرية الروسية إلى النزول بسن التجنيد إلى أقل من تسعة عشر عاماً لكثرة المتطوعين الذين كان من بينهم جدها “جورجي كيروف” وكان لايزال صغيراً وكان دوره في نقل الذخائر والمؤن للجنود .
وتذكرت أيضاً حديث والدها عن جدتها الأوكرانية “سباستيا لويف” التي كانت تخدم في جيش القيصر الروسي في وقت الحرب العالمية الأولى وهي لازالت صغيرة وكان دورها في رعاية مصابي الحرب وحينما أصيب جدها تقابل مع جدتها للمرة الأولى وبدأت بينهما قصة الحب التي توجت بالزواج الذي أسفر عن أسرة سلافية جميلة أستقرت في مزارع القمح الأوكراني الجميل الذهبي اللون .
تذكرت “بيستيل” حديث والدها عن جدها “رومانوف” الذي شارك في الحرب العالمية الثانية التي كان ضحاياها أكثر من ٦٠ مليون شخص ، حيث شارك جدها ضد قوات النازي وإستطاع قنص عدة جنود ألمان وحصل على أوسمة عسكرية من روسيا البلشفية ، تذكرت “بيستيل” كيف كان يتم الحديث عن إنتصار البلاشفة والروس والأوكران والسُلاف على أنه طوق النجاة من الغزو الألماني والسيطرة النازية على كامل أوروبا وروسيا .
تذكرت “بيستيل” حديث والدها عن حقد الغرب واليهود على الأرثوذكس الروس وعلى آخر قياصرة روسيا خاصة بعد أن قام آخر قياصرة روسيا بطرد اليهود من كبرى المدن الروسية في مطلع أكتوبر لعام ١٨٩٨ وهو الأمر الذي أدى إلى إعدام القيصر نيكولاس الثانى مع زوجته وأطفاله قبيل فجر يوم ١٨ يوليو ١٩١٨ بطريقة وحشية حيث أطلقت شرذمة من الجنود الهنغاريين النار من مسافة قريبة على رؤوسهم وكان كل الجنود المنفذين لعملية الإعدام يهود وكان هناك بعض كلمات من سحر الكابلا المنسوب لليهود على جدران القبو الذي نُفذت فيه عملية الإعدام ، ويرجع ذلك ببساطة إلى رفض القيصر تهويد القومية السلافية أو سيطرة اليهود على نواحي الحياة السياسية والاقتصادية في روسيا القيصرية حيث كان يرفض انتقال النموذج الأوروبي إلى روسيا من خلال تزايد نفوذ اليهود في داخل روسيا ودول القومية السلافية .
تذكرت “بيستيل” كل هذا وتذكرت أن من يحكم أوكرانيا الآن شاب يهودي كان يعمل ممثل كوميدي ليس لديه أي خبرة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية على الإطلاق وتذكرت كيف أثرت الثورة البرتقالية على كل شيء في أوكرانيا وكيف دعم الغرب وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية تلك الثورة الملونة لغسل أدمغة الشعب الأ
وكراني والمجيء بسلطة موالية للغرب تعادي كل توجه للتعاون وللتضامن مع الشقيقة الكبرى روسيا .
تذكرت “بيستيل” حين وقعت أحداث الثورة البرتقالية في أوكرانيا يوم ٢٢ نوفمبر ٢٠٠٤ ، بعد إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية بفوز رئيس الوزراء آنذاك “فيكتور يانوكوفيتش” حيث رفض منافسه حينها تلك النتيجة وإندلعت أحداث الثورة حيث تحول ميدان الإستقلال في العاصمة “كييف” إلى تجمع لعشرات الآلاف من المواطنين الذين خرجوا لتأييد “فيكتور يوشنكو” ليتحول إحتجاجهم إلى عصيان مدني يشل جميع مؤسسات الدولة .
وتبنى المتظاهرون في ميدان الإستقلال اللون البرتقالى كرمز بإعتباره كان اللون الرسمى للحملة.
الإنتخابية للمرشح “فيكتور يوشنكو” و قد كان شعار الثورة (نعم .. يوشينكو) .
وكان الملايين من الأوكرانيين يتظاهرون يومياً في “كييف” العاصمة التى كانت مركز الثورة حيث أقام مؤيدو “فيكتور يوشينكو” خيمة كبيرة في المدينة على مدار الأربعة وعشرين ساعة يومياً .
وحققت الثورة البرتقالية إنتصارها بوصول “فيكتور يوشينكو” للسلطة حيث أصبح ثالث رئيس لأوكرانيا .
وتذكرت “بيستيل” أن زوجة “فيكتور يوشينكو” الثانية كانت (أوكرانية – أمريكية) مولودة في شيكاغو وعملت كمسئولة سابقة في وزارة الخارجية الأمريكية حيث كانت مساعد خاص لوكيل وزارة الخارجية لحقوق الإنسان والشئون الإنسانية وتم إتهمامها بممارسة تأثير من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية على قرارات زوجها السياسية .
وتذكرت “بيستيل” كيف كان صعود “زيلينسكي” المفاجيء أمراً ممكناً لشعب أنهكته السياسية وفقد بوصلته القومية والوطنية وأصبح الترنح بين رئيس موالي للشرق تارة ورئيس موالي للغرب تارة أخرى هو السمة السياسية في أوكرانيا مما دفع الشعب الأوكراني للتمرد على الأخت الكبرى روسيا والإنجراف وراء أوهام وأكاذيب الغرب عن الحرية والديموقراطية وأصبح العرض التليفزيوني الكوميدي ‘خادم الشعب’ أسماً لحزب جديد في أوكرانيا وأصبح “زيلينسكي” رئيساً للحزب ثم رئيساً لأوكرانيا في عام ٢٠١٩ وهو منذ ذلك الوقت لا يدخر جهداً لضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وهو الأمر الذي يعتبره الروس إنتهاك للأمن القومي الروسي وما لا تقبل به روسيا الإتيان بالولايات المتحدة الأمريكية إلى حدودها وعلى أراضي روسية الأصل وسبق ومنحتها روسيا إلى أوكرانيا خلال الحقبة السوفيتية بهدف توسعة مساحة أراضي شقيقتها الصغرى “أوكرانيا” في ذلك الوقت وكان هذا طبيعياً في تلك الحقبة.
تذكرت “بيستيل” كل ذلك سريعاً وغلبتها دموعها وهي تنظر إلى حقول القمح الذهبي في مزرعة والدها الصغيرة ثم التفتت إلى حضوره المفاجيء فخبأت خطاب هيئة الأركان سريعاً وبادرت أبيها بالحديث وهي تمسح دموعها سريعاً .
“أصبح قمح أوكرانيا باللون الأرجواني بدلاً من اللون الذهبي” هذا ما قالته اليوم “بيستيل” أبنة السابعة عشر ربيعاً لأبيها المزارع الحر المُنتمي لقوميته السلافية الشرقية بذات قدر إنتمائه لدولته أوكرانيا .
وعندما عاد “هيفولينكي” من المزرعة للمنزل سأل أبنته ماذا تقصدين بأن قمح أوكرانيا أصبح أرجواني اللون ؟
قالت له “بيستيل” :
أن اللون الأرجواني لون يأتي من تدرجات اللون الواقعة بين الأحمر والأزرق تماما كما تقع بعض الشعوب ممزقة بين قوى الشرق وقوى الغرب ،
ثم تنهدت طويلاً ونظرت خارج الغرفة وعادت لتقول أن اللون الأرجواني يا أبي لون غير طيفي أي يمكن أن تتم أثارته بالعديد من الموجات والحزم المختلفة من الضوء أو الطيف المرئي تماما كما يحدث لأوكرانيا الآن أصبحت جزء يريد الإنقسام والعودة إلى الوطن الأم روسيا وهو الجزء الواقع في شرق أوكرانيا والجزء الآخر من الوطن الأوكراني أصابه الجنون والرغبة في إتباع الغرب بطريقة هزلية سوف تدمر أوكرانيا لتخرج من الجغرافيا وتصبح من التاريخ .
، هنا عاد “هيفولينكي” ليسأل أبنته كيف تعلمت كل هذا في هذه السن الصغيرة يا حبيبتي ؟
قالت له لست صغيرة بعد الثورة البرتقالية لست صغيرة بعد إنقلاب الإبن الأوكراني على الأم روسيا لست صغيرة بعد الإنفكاك من الرحم السلافي الشرقي والأرثوذكسية الشرقية إلى الهلامية والوهم واللادين والإنسياق وراء الحرية والديموقراطية بالأكاذيب لست صغيرة منذ تراجع دور المخضرمين في السياسة ليتصدر المشهد السياسي والعسكري ممثل كوميدي يعادي قوميته السلافية ويعادي المنطق والتاريخ والجغرافيا ويريد أن يتخطى حدود الممكن في أن يرتمي في أحضان الغرب إلى اللاحدود واللامنطق في أن يأتي بالغرب إلى حدود روسيا ، روسيا التي أعطت كل أراضي شرق أوكرانيا إلى أوكرانيا لتزداد مساحة أوكرانيا وقت الحقبة السوفيتية ! ، هل من المعقول أن يصاب العقل الجمعي الأوكراني بالإنفصام عن الهوية والقومية إلى هذا الحد ؟ هل من المعقول أن تصيب حبوب الدعاية الغربية المسمومة والمُحلاة بالديموقراطية والحرية عقليات أبناء أوكرانيا بهذا الغباء المميت هل ؟ هل ؟ هل ؟
، هنا غلبت دموع “هيفولينكي” صمته وهو ينصت لحبيبة قلبه وثمرة عمره الذي أفناه في زراعة القمح ليحصد اليوم أجمل ثمرة وهي وعي وإنسانية أبنته التي لخصت مشكلة الواقع الأوكراني بما يتخطى حدود وفهم الخبراء والمحللين في الشرق والغرب .
، هنا أحتضن “هيفولينكي” أبنته وقال لها لا تقلقي على القومية السلافية الشرقية والأخت الكبرى روسيا ولا تخافي على الأرثوذكسية في الشرق من أعدائها في الغرب ثم قبل جبين “بيستيل” الوردي قائلا لها مهما إنقسمت البلاد حتما سوف يعي القلة من الأحرار العقلاء الشرفاء أنه لا يمكن أن يبيعوا الأرض والتاريخ بالوهم مهما كانت وسائل الغرب في خداع الشعب الأوكراني حتماً سوف يفيق الشعب وسوف تعود سنابل القمح الأوكراني إلى لونها الذهبي المعتاد بعيداً عن ألوان الطيف الأخرى بعيدا عن الزيف والوهم والخداع والتضليل والأكاذيب والإستغلال والإمبريالية الحديثة حتما سيعرف الفلاح الأوكراني البسيط أن روسيا منحته الأراضي طوال تاريخها وشجعته على الزراعة وإطعام شعوب الأرض المختلفة أما اليوم
فإن الغرب يحارب روسيا حتى آخر أوكراني حتماً سوف نفيق حتماً سوف ننتصر على المؤامرة وسوف نكون شوكة قوية في ظهر الغرب الإمبريالي المقيت حتماً سوف تشرق الشمس يوماً ما على سنابل القمح الأوكراني بلونه الذهبي المعتاد دون أي تأثير لأي ألوان وأطياف أخرى لا تمثل القمح الأوكراني ولا تمثل الشعب الأوكراني ولا تمثل القومية السلافية الشرقية .
هنا إبتسمت “بيستيل” وقبلت يد أبيها ووضعت رأسها على كتفه وهي تنظر إلى ما تبقى من سنابل للقمح في مزرعتهم الصغيرة وهي تقول أتمنى أن تنقشع ألوان الطيف المزيفة لتأخذ معها كل خداع وكذب قريباً يا أبي .

More Stories
الشيف الصغيرة فريدة سعيد.. موهبة استثنائية تحصد المركز الأول في 3 مسابقات وتخطف الأنظار في عالم الطهي
استجابة رسمية.. هيئة الدواء المصرية تتحرك بعد ما أثارته الإعلامية الدكتورة هبة يوسف
إستراتيجية إدارة المورد البشري واستدامته: هندسة الملاكات الوظيفية وربط الاحتياجات بالخطة الاستراتيجية العامة