أبريل 27, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

كلمة الدكتور سلامة داود رئيس جامعة الأزهر في افتتاح المؤتمر الدولي الثاني لكلية الدعوة الإسلامية جامعة الأزهر

محمود الهندي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وعلى الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الحفل الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهنىء كلية الدعوة بالقاهرة، وأهنىء الجامعة على هذا المؤتمر الذي يعالج هموم الدعوة في ظلال قضية هي أم القضايا، وهي قضية السلام؛ ويبدأ المؤتمر من أرض الواقع دون أن يعيش في أوهام الخيال، ولا في عالم افتراضي لا وجود له، بل ينطلق من «تحديات الواقع» كما جاء في عنوان المؤتمر؛ لأن من أغمض عينيه عن واقع الحياة والأمة والأمم والعالم فقد أغمض عينيه عن حياته وقضى على نفسه بنفسه، إننا أمة تفتخر بأمجاد الماضي وهي تبني مفاخر الحاضر، قال الشاعر :
ليس الفتى من قال كان أبي إن الفتى من قال ها أنا ذا
وقال الإمام علي كرم الله وجهه :
كن ابن من شئت واكتسب أدبا يغنيك محموده عن النسب
كما يستشرف هذا المؤتمر في ظلال قضية السلام العالمي «آفاق المستقبل» يرمق أطيافه من بعيد، يحاول أن يرى ملامح وجهه قبل أن يسفر صبحه وتنبلج أنواره؛ وقد أمرنا الإسلام أن لا نضيع الحاضر بالمستقبل، كما أمرنا أن نعمل للمستقبل ونستعد له، وجعل إصلاح الحاضر بوابة لإصلاح المستقبل، فقال جل وعلا: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا﴾ فجعل الحق -جل وتقدس- القول السديد والعمل الرشيد الذي يقدمه الآباء في حاضرهم وسيلة لإصلاح أبنائهم من بعدهم؛ فدلنا على أن لا نعمل ليومنا فقط، بل نعمل للجيل الذي يخلفنا ويحمي أرضنا وعرضنا ويحمل اللواء من بعدنا ويحمل الأمانة في عقبنا؛ مع اليقين بأن علم ما في غد هو من الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه؛ فقال جل وعلا: ﴿وعنده مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ﴾ ، وهذا أمر مسلم به حتى الشاعرُ الجاهلي قال :
وأعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عمي
وقد أبطل ربنا -جل وتقدس- ادعاء فرعون الألوهية بحرف جر واحد سماه علماؤنا «لام العاقبة»، وعلَّمنا علماؤنا ذلك في شواهد الاستعارة فى الحرف في قول الله جل وعلا: ﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الاستعارة في الآية في العلة من التقاط آل فرعون لموسى -عليه السلام- حين وجدوه مُلْقَى في اليَمِّ، فالتقطوه؛ ليكون لهم قرة عين، وهذه هى العلة الحقيقية من الالتقاط، ولكن الآية ذكرت علة مجازية؛ وهي أن يكون لهم عدوًّا وحزنًا، فلام التعليل هنا هي موضع الاستعارة؛ وفي الاستعارة إيجاز واضح؛ إذ الأصل أن يقال: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم قرة عين ينفعهم أو يتخذوه ولدًا فآلت عاقبته إلى أن كان لهم عدوًّا وحزنًا، وقد صرحت امرأة فرعون بالعلة الحقيقية للالتقاط فيما حكاه القرآن عنها: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِى وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ والاستعارة تدل على أن العداوة والحزن كانا سبب الالتقاط، وكأن ما كان عند التقاطه من فرح توارى خلف هذه العلة وتنوسي، كأن لم يكن في موسى شيء من ذلك ألبتة؛ لأن العاقبة التى آل إليها أمره وهي زلزلة ألوهية فرعون وإبطالها إبطالًا، بل أن يكون هلاك فرعون على يديه؛ كل ذلك أَنْسَى أُنْسَ الالتقاط وحلاوة الأمل المرجو عنده، وأَنْسَى ما كان منه رضيعا وطفلا صغيرا ينشأ في حِجْر فرعون وامرأته يؤنسهما ويكون فرحًا وسرورًا لهما برؤيته وحركته وكلمته وفعله، الاستعارة طوت ذلك كله، وقصدت إلى العاقبـة والخاتمة قصدا، وطَوَّحت بما دون ذلك في واد سحيق، وهذا الطيّ مقصود في القرآن الكريم الذي لم يذكر عن نشأة موسى في حِجْر فرعون كلمة، واكتفى في ذلك بما امتن به فرعون على موسى حين ذكَّره بهذه المرحلة من عمـره في قوله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ (الشعراء 18)،
هذه اللام كأنما طُوِي بها الزمن طيًّا، وكأن العداوة والحزن هما كلُّ ما كان في موسى عند التقاطه، بل هما كالعلة الحقيقية لالتقاطه، وكأن آل فرعون كانوا يبحثون عن عدو وحزن لا عن ولد وقرة عين، فاللام تبين التضاد الظاهر والتناقض التام بين العاقبتين: العاقبة المرجوة والعاقبة الواقعة الحاصلة، ويا بُعْدَ ما بينهما! وهكذا إذا انكشفت الحجب وعُرِفَتِ العواقب قد تبدو الأشياء التى نرجوها ونؤمِّل فيها الخير هي أسباب المعاطب والمهالك، كما قد تبدو الأشياء التى نحذرها ونخشاها هي أسباب النجاة والسعادة، قال البحترى :
وَلَوَ أَنَّني أُعطي التَجارِبَ حَقَّها فيما أَرَت لَرَجَوتُ ما أَخشاهُ
وَالشَيءُ تُمنَعُهُ يَكـــــونُ بِفَـــوتِهِ أَجدى مِنَ الشَىءِ الَّذي تُعطاهُ
وفي الاستعارة معنى آخر جليل ومهم في سياقه، وهو الذي أعنيه هنا، وهو الجهل بعاقبة الأمر، والجاهل بعواقب الأمور لا يكون إلها؛ ففيها تكذيب لفرعون وإبطال لادعائه الألوهية؛ لأن الإله لا يكون جاهلًا بالعواقب؛ ولذا ختمت الآية بقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ بوضع الظاهر موضع الضمير، فلم يقل : إنهم كانوا خاطئين، يعنى آل فرعون الذين التقطوا موسى -عليه السلام؛ احتراسًا من دخول امرأة فرعون في زمرة الخاطئين، وهي التي ضربها الله -جل جلاله- مثلا للذين آمنوا .
إن السلام العالمي يعني بمنطوقه أن يعم السلام أرجاء العالم؛ فلا نرى حربًا ولا قتالًا، ولا نرى أبواقًا تعمل جادة ليلها ونهارها لإيقاد نار الحرب؛ وهؤلاء هم النعارون في الفتن، المرجفون في كل زمان ومكان، وهم إن لم يحملوا السلاح فقد كانوا السبب في حمله، وإن لم يدخلوا الحرب فقد كانوا طبولها وأبواقها، وقديما قال الشاعر :
فإن لا تكونوا قاتليه فإنه سواء علينا ممسكاه وضاربه
فالكلمة التي تشعل الحرب حرب، والكلمة التي تبعث السلام سلام، إن الحروب المشتعلة في بلاد متفرقة من العالم، سواء في دول العالم الأول أو دول العالم الثاني أو دول العالم الثالث، قاطعةٌ كلُّها بأن مصطلح «السلام العالمي» لا يزال حلمًا يراود العقول؛ ولا يزال كالمدينة الفاضلة التي كان يحلم بها أفلاطون، فهل نعيش لنراه بعيوننا واقعًا يتحقق في عالم يسعى إليه ويحفد، وتقوم به مؤتمراته وتقعد، وتنحل به المجالس وتعقد، وتنصرف إليه الهمم والعزائم والآمال كما تنصرف عنه، ويشدو به الفقير في كوخه، والغني في قصره، والفلاح في حقله، والصانع في مصنعه، هل نعيش لنراه بعيوننا أم أنه طيف خيال؟!
إن الأمم السعيدة الموفقة هي التي تطفىء نيران الحرب ولا تقحم نفسها فيها، وتدفع الشر بعود أو بعمود، كما قالت العرب في أمثالها القديمة وصدقت: «ادفع الشر بعود أو بعمود» إن ما يشهده العالم من طغيان القوي المتكبر على الضعيف العاجز، وما تعانيه الدول من ويلات هذا الطغيان في كساد اقتصادها وغلاء معيشتها – قاطعٌ بأن السلام العالمي لا يزال حلمًا كحلم أفلاطون بالمدينة الفاضلة.
إن سيدنا أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- علمنا البداية بالضعيف في قوله: «الضَّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيٌّ عِنْدِي حَتَّى آخُذَ الحق لَهُ، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه»، علمنا أن الضعيف ينبغي أن يكون موضع العناية؛ وأن تكون لحقوقه الأولوية، فالضَّعِيفُ أميرُ الرَّكْبِ، كما عَلَّمَنا سيدُنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكل مسئولٍ ينبغي أن يبدأ بالضعيف؛ لأنه هو الجانب المكسور في الأمة، إنَّ أُمَّةً يتقدم ضعفاؤها الأولوية في التعليم والاقتصاد والصحة… إلخ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ .
إن عدوان الصهيونية العالمية على حق الشعب الفلسطيني ومقدسات المسلمين منذ ما يقرب من قرن من الزمان، وإن الحروب والصراعات والنزاعات في روسيا وأوكرانيا واليمن وسوريا وليبيا وهلم جرًّا؛ كل ذلك قاطعٌ بأن السلام العالمي لا يزال حلمًا كحلم أفلاطون بالمدينة الفاضلة، ولا يزال أملا يراود النفوس ويعانق الأحلام، ومع ذلك يبقى السعي نحو تحقيق السلام العالمي ضرورة يوجبها الشرع والعقل، ويتفق على أهميتها كل ذي عقل سليم معافى من داء الهوى والغفلة؛ حتى لا تشتعل حروب مدمرة تقضي على الأخضر واليابس، وتُهلك الحرث والنسل، والكبير والصغير، والغني والفقير، والقوي والضعيف .
وإذا كانت الدعوة إلى الحرب دعوةً إلى الدمار والموت؛ فإن الدعوة إلى السلم والهدى والعدل دعوة إلى الحياة؛ إن القرآن الكريم جعل نعمة الهدى تعدل نعمة الحياة، فقال الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ (الأنفال 24) إن الدعوة إلى الله تعالى قول وعمل، بل عمل وقول؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين﴾ (فصلت 33) ولاحظ ترتيب الأفعال الثلاثة: (دعا – وعمل – وقال) ولاحظ تقديم العمل على القول في قوله: ﴿وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ﴾ وهذا دال على ضرورة أن يسبق عمل الداعي قوله، وأن يكون هاديا بعمله قبل أن يكون هاديا بقوله .
وأختم كلمتي بِحَثِّ الدعاة على الإصرار على الدعوة وعدم اليأس مما يواجَهون به من الإعراض والتكبر والفرار، فلنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- لم يثنه عن الاستمرار في دعوته أكثر من عشرين سنة إعراضُ المعرضين ولا تكذيب المكذبين، بل ما زاده ذلك إلا عزيمة على الرشد وحرصًا على الدعوة، ولنا في سيدنا نوح -عليه السلام- مثل وقدوة في إصراره على الدعوة على الرغم مما لقي من إعراض وتكبر وفرار، قال الله جل وعلا: ﴿قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا، ثم إني دعوتهم جهارا، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا﴾ (نوح 5 – 9).
إن وضوح الهدف أمام الداعية واقتناعه وإيمانه به هو سبيل النجاح؛ قال الله جل وعلا: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾( يوسف 108 )، وتأمل اسم الإشارة في قوله: ﴿هذه سبيلي﴾ وما وراءه من دلالة على وضوح هذه السبيل وضوحًا يشار إليه، وتأمل إضافة السبيل إلى ضمير المتكلم: ﴿سبيلي﴾ وما يطوي وراءه من اعتزاز بها وحب وقناعة ورضا ودفاع وتضحية، أسأل الله للمؤتمر التوفيق والنجاح، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.