بمستشفى الأمراض النفسية والعقلية يوجد الطبيب والمريض والممرض والأمور تسير داخل المستشفى طبيعية على نمط واحد ولا يوجد بها أي تغييرات بمعنى مثلها مثل غيرها من حيثيات العلاج وخلافه إلا أنه دخل المستشفى مقيم جديد في العقد الخامس من العمر وتغيرت الأحوال مع أول جلسة بينه وبين الطبيب فأراد التحدث مع المريض مثلما يفعل مع باقي المرضى للاطلاع على حالته وتقييمها عن طريق إخراج ما به من مشاعر مختزنة في عقله الباطني والتي من الممكن أن تكون قد قادته إلى الحالة التي عليها الآن ودار الحوار والنقاش كالآتي بين المريض والطبيب.
كيف حالك وما هو اسمك والمريض لا يجيب بل يكتفي بنظرات بها سخط وسخرية للطبيب من سؤلأته والتي كان لها رد فعل من الطبيب بأن استشاط غضباً قائلاً للمريض ألم سائلك فأجاب المريض سؤال غير منطقي وموضوعي فأجاب الطبيب لما قال المريض لأنه من المفترض أنت من يُقيم حالتي وليس أنا وبالتالي الجواب لديك أنت وليس أنا وهنا نهض الطبيب من على كرسيه واقفاً مستغرباً ومذهولاً من إجابة المريض مما أثار عقله من طرح تساؤل كيف لمريض أن يرد بمثل هذا الرد عميق المغزى مما دعاه سؤال كيف أقوم بعملية التقييم واتخاذ إجراءات العلاج وأنت لم تتحدث معي حتى يتثنى لي التشخيص المناسب لحالتك فقال المريض من خلال كثرة التجربة وما هو وارد عليك في حقلك الطبي وبدت الردود سريعه بين الطبيب والمريض والطبيب مذهول من ذهن المريض الحاضر والجاهز للأسئله والتي لاتصدر من احد عاقل وانما من شخص شديد الذكاء وانتهت الجلسه الاولى مع تحفز الطبيب عن كتابة اى شئ في تقرير التقييم الخاص بحالة المريض.
وفي الجلسة الثانية دخل الطبيب مبتسماً بشوش الوجه بغرض تلطيف جو الجلسة بينه وبين المريض فقال الطبيب على سبيل المزاح صحيح خذ الحكمة من أفواه المجانين إلا أنه فوجئ بجواب نزل عليه كالصاعقة من المريض فقال أيها الطبيب كيف يذهب الله بعقل المجنون ونحن نأخذ منه الحكمة أليس بفقدانه للعقل أصبح فاقد الأهلية وغير مُكلف فصمت الطبيب إلا أنه المريض ما زال في استمرار للكلام قائلاً وكيف يقول الله تعالى (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتي الحكة فقد أوتي خيراً كثيراً) ونحن نأخذها من المجنون وهنا أصاب الطبيب الارتباك ولم يكن أمامه سوى الهروب من أمام أسئلة المريض والتي مثل صاعقة رعد وبرق وأنهى الطبيب ورديته وذهب إلى بيته ولكن كل ما يدور بعقله ويجول بخاطره حالة المريض التي استحوذت على فكره ووجدانه وكيف لمثل هذا المريض بهذه الاسئله والتي من شانها ان تضع الانسان امام جدار مسدود ليست به نافذه للخروج ولا مفر من اسئلته سوى الصمت او الخروج خارج الغرفه مما زاد من رغبة الطبيب في معرفة المزيد عن حالة المريض وفي اليوم التالي دخل الطبيب وملامح وجهه يبدوا عليها الهزيمة والانكسار مع غياب ابتسامة المره الماضيه الا ان المريض بادره بالابتسامه مما ادخل في وجدان الطبيب الطمأنيه والارتياح بأنه اصبح وجوده مقبولاً ومرغوباً به فقال الطبيب للمريض لماذا تبتسم فقال المريض ولماذ ابتسامتك غائبة وليست حاضرة مما جعل الطبيب ينظر الى تحت قدميه هرباً من نظرة المريض الا انه فوجئ بجواب المريض قائلاً لقد رأيت بعينك روح الهزيمه وتملكها منك مما ادى الى اختفاء ابتسامتك وتحويلها الى نهش وعض وهنا استشاظ الطبيب غيظاً كيف لمجنون مثلك ان يتفوه بمثل هذه الكلمات فقال المريض وماذا يعني المجنون بالنسبة اليك فقال الطبيب لسنا بوضعية تسمح كمُعلم ومتعلم ولكننا بوضعية طبيب ومريض فقال المريض وما ادراك انني مريض قال الطبيب بمجرد دخولك من باب المصحة فانت مريض فقال المريض للطبيب اذاً بمجرد زيارتك للمقابر فأنت مقبور وهنا الطبيب اصابه الصمت وكأنه المريض صفعه على وجه بقدمه وليس بيده مما دعاه الى الانصراف مسرعاً الى غرفته في حيرة من امر هذا المريض والتي تستهوي نفسه معرفة حقيقته مما جعله يقوم بعمليه اعداد للاسئله والدخول على المريض وهذه المره تناسى انه طبيب فلما اقترب من المريض هَم المريض بمد يده لمصافحة الطبيب وهذه كانت المرة الاولى مما جعل لسان الطبيب سابقاً بسؤاله لماذا هذه المرة صافحتني فقال له المريض لقد رأيت بعينك لمعه الصديق وبأبتسامتك زوال صفتك المهنيه فعلمت انك صديق وهكذا تعامل الاصدقاء فقال الطبيب ايها الرجل من انت وما حكايتك فقال الرجل دعني اقوم بدور السائل هذه المره ايها الطبيب هل الصمت لغة العظماء فقال الطبيب هذا ماسمعناه وما نشأنا عليه فقال المريض ايها الطبيب لو كان كذالك ما كان وصلنا شئ من عظمتهم وحكمتهم وهنا اصاب الطبيب الدوار وشعر بانه هو في وضع معكوس بحيث اصبح هو المريض والمريض الطبيب فقال الطبيب مالذي وراؤك وما دمت انت كذالك لماذا اتيت الى هنا قال المريض خرجت عن المعتاد والمألوف والمتعارف عليه لدى قومي فصرت مجنوناً بنظرهم قال له الطبيب وماذا فعلت قال المريض دعوة بعوده ونهوض مافقدناه من عادات وتقاليد من تحت الركام ونفض الغبار من عليها مما يجعلها تحث على محاسن الاخلاق والعمل بها فقالوا انك سبباً من اسباب التأخر أو كما نقول بالعامية دقه قديمة.
قال له الطبيب وماذا أيضا قال المريض أردت أن تكون الأخلاق هي جوهر وقيمة الإنسان في حين أن التفاهة أصبحت ثقافة يروج لها مما يفقد الإنسان ويخنق قدرته الإبداعية وروحه الخلابة وقدرته على التغيير نحو الأفضل من مدخل حب الغير والمجتمع والمصنوع داخل إطار البقاء للإنسانية والأخلاق وليس لغيرهما فهما النور الذي بهديه
تبني المجتمعات الأمر الذي جعل امرهما مرهون بمدى تمسك المجتمع بالمنظومه الاخلاقيه ويجعلها السمه الغالبه مما يجعل من حالة الفصام والتفاهه والتي نراها في ارقى كياناتنا تنخفض.
فقال الطبيب كم نحن بحاجه الى عقول راشده لتأخذ بيدنا الى بر الامان ولاسبيل لذالك سوى الحوار المحك الذي يظهر من العاقل من المجنون الذكي من المُتذاكي.

More Stories
الشيف الصغيرة فريدة سعيد.. موهبة استثنائية تحصد المركز الأول في 3 مسابقات وتخطف الأنظار في عالم الطهي
استجابة رسمية.. هيئة الدواء المصرية تتحرك بعد ما أثارته الإعلامية الدكتورة هبة يوسف
إستراتيجية إدارة المورد البشري واستدامته: هندسة الملاكات الوظيفية وربط الاحتياجات بالخطة الاستراتيجية العامة