إبراهيم عمار
كثير من الناس يطلب ممن يتولى القضاء أو الحكم بين الناس بتطبيق العدالة .
– فهل يمكن للقاضي أو غيره أن يحقق العدل المطلق ؟
– للإجابة على هذا السؤال علينا أن نبحث عن الأدوات التى تساعد على إقامة العدل .
– فالقاضى أو الحاكم يرتكز على وسائل لتمكينه من الحكم العادل مثل الشهود وقد يكون بينهم من يكذب ، أو الاستماع لأطراف النزاع وقد يكون أحدهما ألحن بحجتة من أخيه ، أو يحكم بعلمه وهذا لايجوز ، أو يستعين بالأيمان ، (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر) ، وقد يحلف أحد الخصوم بالكذب .
– وفى هذه الأحوال يستحيل على الحاكم أن يحكم بالعدل ، لأنه يستعين بالوسائل البشرية التى قد تضلله ثم تتهمه بعدم العدالة ، وتنسى أنه لن يحاسب على حكمه وأنها هى التى ستحمل الوزر كاملا .
*** ومن هنا جاءت التوجيهات الدينية للبشر وليس للقاضى .
— فبخصوص الشهادة نجد :
– ألا وشهادة الزور (الحديث)
– ولاتكتموا الشهادة (البقرة 283 )
– ولايضار كاتب ولاشهيد (البقرة 282)
— وبخصوص التحذير من اللحن فى القول جاء فى الحديث :
– لعل أحدكم ألحن بحجته من أخيه فأقضى له ، فمن قضيت له بشىء من ذلك فقد قضيت له بقطعة من النار فليأخذها أويتركها .
ولعلك تلاحظ أنه صلى الله عليه وسلم قد نسب الكلام لنفسه على أنه القاضى ، وهو الذي ينزل عليه الوحى ، ولربما أخبره الله بكذب الملحن ، لذلك فمن المؤكد أنه قصد بكلامه كل من يتعرض للحكم بين الناس ، وأراد أن يبرئه إذا حكم بالخطأ لصالح الملحن ،
وألصق التهمة كلها بالملحن ، وحذره بأن ماسيحصل عليه باللحن هو قطعة من النار ، لعله يفيق ويترك ماليس له بحق .
– ولايجوز للقاضى أن يحكم بعلمه فى حال رؤيته لأحداث القضية التى يحكم فيها .
وقد يلجأ القاضى إلى استخدام الحلف على من أنكر لإظهار الحق ، فى حالة عجز المدعى أن يأتى بالبينة ، وقد يقوم المنكر بالحلف كذبا فيقضى له القاضى .
*** ومن هنا وبعد هذا العرض يتضح أن تحقيق العدل مرتبط بتصرفات الناس من حيث الاعتدال ، والتمسك بدينهم ، وصحوة الضمير ، والصدق ، وليس للقاضى أو الحاكم فيه أى مسئولية ، وليس عليه حساب عند الله سبحانه ، فهو بشر يستعين بأدوات مشروعة لتحقيق العدل ، فإذا كانت هذه الأدوات خادعة فمن أين يأتى العدل .
– إذا فالمشكلة كلها تكمن فينا ، فإذا أردنا تحقيق العدل ، علينا أن نطهر أنفسنا من الكذب والخداع والغش ، وأن نقتنع بأنه ليس هناك عدل مطلق ، فالقاضى أو الحاكم من البشر ، وجميع البشر يخطئ ويصيب ، ولانملك إلا نساندهم بالدعاء ، دون أن نثور ونشتم ونهدم .
*** ةلقد ورد فى البخارى ومسلم عن أبى هريرة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذى نفسى بيده ، ليوشكن أن ينزل عليكم ابن مريم حكما عدلا (الحديث )
وما أعتقده أن أدوات تحقيق العدل حين نزوله عليه السلام ستختلف ، ولن يكون الاعتماد على تحقيقه مرتبطا بالإنسان الذى قد يشهد زورا ، أو يلحن ، أو يحلف كذبا للحصول على ماليس له بحق ، وأرى أن أدوات تحقيق العدل عندها ستكون بتسخير أدوات تبتعد عن الإنسان ، كما كان لسليمان عليه السلام ، حينما سخر له الله الريح ، وعلمه منطق الطير ، وآتاه من كل شىء ، وسخر له الجن ، وأسال له النحاس ، وكان جيشه مكونا من البشر والجن والطيور .
وبدون هذا فإن أمر العدالة سيتباين بين كل من يتولى الحكم فى أمر أو القضاء بين الناس ، فإذا كان الأمر كذلك ، فعلينا أن نلجأ بالدعاء لهم ، للوصول بأمر العدالة إلى أقصى مايحققها .
*** اللهم طهر ألسنتنا من الغش والخداع والكذب ، وطهر قلوبنا من النفاق ، ووفق ولاة أمورنا للعمل بمافيه خير العباد والبلاد .

More Stories
جابر بغدادي: الإساءة للنبي توقظ الأمة وتزيدها حبًا وصلاةً عليه
دولة التلاوة”.. مصر تثبّت ريادتها وتقدّم أضخم منصة لإحياء فن التلاوة وأصوات القرآن الكريم
الراجحي: تقديم تجربة حج ميسّرة وآمنة المصريين بالتنسيق التام مع لجان الوزارة والغرفة