سبتمبر 25, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

ميلاد في المقبرة.. بقلم أحمد محمود شرقاوي

ابني الصغير اتولد جوة القبر بعد دفن جثمان أمه بعشر ساعات تقريبا، كان شيء اعجازي وغير مفهوم بالمرة، ابني اللي استنيته كتير اوي واتمنيت انه يخرج للنور، وبدل ما يخرج من ظلمات الرحم خرج من ظلمات القبر، خرج يبكي بطريقة مروعة كأنه طفل من أطفال الجن..
مش عارف انا ممكن اقول ايه بس كل اللي اقدر اقوله اني استنيت خروج ابني للنور وقت طويل اوي، لاكتر من سنتين بنحاول انا ومراتي عشان يحصل حمل، وعشان نشيل اولادنا بعد ما كتير من الدكاترة أجزموا بصعوبة الحمل..
لحد ما كانت المفاجآة الغير متوقعة لما عرفت ان مراتي حامل، حسيت وقتها ان اخيرا بدأت الحياة تضحكلي وتديني حاجة زي الناس، عشت في خيالاتي أحلام وردية لمدة تمن شهور كاملين، تمن شهور مستني خروج ابني للنور عشان احس بمعنى السعادة..
بس زي ما كل حاجة بدأت انتهت في ليلة واحدة، ليلة صعبة تعبت فيها مراتي مرة واحدة وفضلت تشتكي من انها مش قادرة تتنفس، وجريت بيها على طوارئ مستشفى من المستشفيات، بس للأسف ساعات قليلة وخرج الدكتور يقولي
“البقاء لله”
مراتي ماتت، طيب والجنين، الجنين مات في بطنها أكيد، وقتها وقعت على الأرض، فضلت الدنيا ضبابية، مش عارف اشوف قدامي وكأني فقدت حاسة البصر تماما..
وبدأت ادخل في دايرة قاسية اوي، هنحضر القبر عشان ندفن زوجتي، وندفن ابني، وفي ليلة كل حاجة ضاعت، يومها بكيت، بكيت كتير اوي، حسيت ان روحي اتشرخت من جوة شرخ استحالة يتداوى للأبد..
وحطيت جثمان زوجتي في التراب وكشفت عن وشها للمرة الأخيرة، بوست على راسها وتوسلت لربنا انه يرحمها ويرحم ابني وقفلت باب القبر، قفلت باب القبر عشان افقد بريق الحياة للأبد..
وفضلت ساعات تايه، شارد، عقلي واقف عن التفكير، باخد العزاء وانا مش مستوعب ان ده عزاء مراتي وابني، ووسط الشرود والتوهان اللي انا فيه حسيت بهرج ومرج حوليا..
ناس بيجروا عليا وبيقولولي ابنك عايش، ابنك عايش، الكل بدأ يحوقل وجرينا ناحية المقابر لقينا غدير التربي لافف طفل صغير في بطانية وجسمه كله بيترعش..
قالنا انه كان بيتفقد المقابر لحد ما سمع صوت طفل بيبكي جوة القبر بتاع زوجتي، ولما فتح لقى الطفل جمب جثمان زوجتي والحبل السري مقطوع كأن فيه حد قام بعملية الولادة جوة القبر المُظلم..
معرفش ليه وقتها خفت، خفت من الطفل الصغير اللي بدل ما يجيلي من مستشفى الولادة جايلي من عالم الأموات، من قلب القبور، جاي يدمر قواعد العلم اللي بيقول ان مفيش طفل هيعيش الساعات دي كلها في جثمان ميت، بل وجزء جوايا تمنى موته للأبد..
وخدت الطفل للبيت، وفضلت يوم كامل مشلول عن التفكير، مش عارف أفكر، ولا اتكلم، الكل بدأ يتحاشاني مفيش غير اختي اللي اشترت لبن صناعي وبدأت تعتني بالطفل من وقت للتاني، الطفل اللي اتعلق بيها يوم بعد يوم، وحتى انا بدأت اكسر حواجز الرهبة والخوف واتعامل مع ابني انه طفل طبيعي رغم ولادته دي..
وبدأ ابني يكبر يوم بعد يوم، وبدأت احس بشعور غريب كل ما كان ابني بيكبر، شعور ان فيه حد معانا في البيت، كل ما ادخل احس وكأن كان فيه حد في البيت، احساس غريب حاولت اتجاهله، ٤ سنين كاملين عدوا والأمور كانت طبيعية نوعا ما..
لحد ما في ليلة صحيت بعد نص الليل وخرجت للصالة عشان اتفاجئ بدون مقدمات بواحدة ست واقفة ومعاها طفل وبنت صغيرة وكلهم مديني ضهرهم، فضلت مكاني بحاول استوعب انا بحلم ولا دي حقيقة، وقبل ما اهمس بكلمة اتحركوا كلهم ودخلوا اوضة ابني، وقفت مكاني زي المشلول لدقيقة كاملة..
بس خوفي على ابني حركني اني اجري ناحية الاوضة، ولما فتحتها ملقتش أي حد، ابني نايم وبس، حاولت أوهم نفسي ان كل ده كان مجرد تخيلات..
بس من يومها والموضوع اتغير بطريقة مخيفة، بقيت بشوف ابني بيلعب في البيت كل شوية ويجري من كائن خفي، بل وبيتكلم وبيتعامل كأن فيه حد بيلعب معاه، لدرجة انه قدام عنيا في مرة طلع على الكرسي ووقع من فوقه بس فيه حاجة ثبتته في الهوا عشان ينزل بهدوء بدون ما يتصاب، كنت هتجنن، مش فاهم ايه اللي بيحصل ده..
بس كل ده بدأ يدخل جوايا احساس الخوف الشديد على ابني، وقررت اراقبه كل ليلة، وصحيت في ليلة أطمن عليه، وأول ما قربت من اوضته سمعت صوت ضحكة غريبة، كأن فيه حد معاه في الاوضة، طفلة صغيرة..
فتحت الباب بسرعة وانا قلبي هيخرج من مكانه عشان اتفاجئ بطفلة بتجري وبتنزل تحت السرير، قلبي اتنفض مكانه وجريت على السرير ورفعت الملاية، وشوفت بنت متكومة على نفسها وعمالة تبص ناحيتي وتزوم زي الحيوان..
من خوفي ورعبي شديت ابني ومسكت عصاية ضخمة وبدأت احاول اضربها بيها، كانت عاملة زي المسخ المشوه، شكلها مرعب، ابني صرخ فيا وبدأ يقف بيني وبينها عشان مأذيهاش، وفي النهاية خرجت وهربت من باب الاوضة واختفت، قلبت عليها البيت كله ملقتهاش..
بس ليلتها شوفت الجحيم على الأرض، نور البيت كله قطع، وشوفت باب اوضتي بيتفتح بهدوء وواحدة ست بتدخل منه، عنيها كانت بتلمع في الظلام وعمالة تهمهم بهمهمات غريبة، وقتها بس شعر جسمي كله وقف واتشليت مكاني..
ووسط فزعي عنيها حرفيا نورت زي النار، وشوفت عيون مشقوقة بالطول زي عيون التعابين، وفي ايديها شوفت عصاية من نار وبتهدد بيها ناحيتي، ملحقنيش من الموقف غير ابني اللي دخل من جمبها وقال بصوت طفولي
“مش هيعمل حاجة تانية لناحورة يا ماما”
وقتها خرجت الست ورجع النور من تاني، وكان واضح، واضح انه تهديد شديد اللهجة، ومن يومها بقيت كل ليلة اشوف قدام اوضة ابني، الست دي ومعاها الطفلة ناحورة وطفل كمان، واتعلمت رغم الفزع اني اتجاهل كل اللي بشوفه ده، طالما محدش بيأذيني أو بيأذي ابني فخلاص..
ومهما كانوا فهما مجرد زوار، وعدت الايام وكبر ابني اكتر، وبقيت اسمع حاجات تشيب من الناس عنه، الكل بقا بيهابه، محدش زعله او كسر بخاطره في مرة، طفل كان او كبير الا واتأذى، وكان دايما محمي، مهما يتهور مكنش حتى بيتخدش زي اي طفل شقي، وشاع في البلد كلها انه طفل شيطاني، الأطفال كانوا بيخافوا منه، وهو نوعا ما حب العزلة واكتفى بيها..
لحد ما صحيت في ليلة ملقتوش، ملقتوش في البيت كله، قلبت عليه الدنيا بس ابني كان اختفى تماما، خرجت اصيح في الشارع والناس بدأوا يبحثوا عنه معايا بحذر، بس برضه كان اختفى تماما..
قلبي اتفطر عليه، وفضلت تلت أيام مش لاقيه، لحد ما في اليوم الرابع سمعنا صياح رهيب من ناحية بيت في آخر البلد..
جرينا نشوف فيه ايه وفوجئنا بحفرة كبيرة منهارة وواحدة ست بتصرخ بفزع، من النظرة الاولى فهمنا انهم بينبشوا عن آثار، بس اللي محدش قدر يستوعبه انه قدام عيونا شوفنا..
شوفنا ابني خارج من تحت الردم كأنه خارج من تحت البطانية، خارج بكل براءة الدنيا، الكل بدأ يخاف وانا حضنته وفضلت أبكي، ولما الشرطة جت واستجوبوا الست ومن رعبها اعترفت انهم خطفوا ابني لأنه مشهور عنه انه زوهري، وان دمه مطلوب كقربان للرصد عشان يفتح المقبرة، بس واضح ان اللي معاه قدر يحميه من الرصد ومن الناس دول، وواضح كمان ان الانهيار ده حصل عشان محدش يقرب منه..
ورجعت بابني من تاني، بيعت البيت وروحت مكان محدش يعرفنا فيه، دعيت ربنا كتير يلهمني الصواب، لحد ما تجلت رحمة ربنا في صورة شيخ وقور اتعرفت عليه وحكتله قصة ابني..
ووصلني بشخص بدأ يرقي ابني يوميا لحد ما قلت الزيارات تماما بل وشبه اختفت بعد ست شهور كاملين، وبدأ ابني نوعا ما يبقا طفل طبيعي تماما، يمكن التجربة كانت قاسية، ويمكن دي عيلة من الجن صاحبوا ابني من يوم ولادته وساعدوه وخرجوه، محدش عارف أقدار ربنا وحكمته واصلة لحد فين..
بس كل اللي بقيت متأكد منه ان اللي بيتقي الله وبيصبر ربنا بيجازيه خير، مهما كان حجم البلاء، وان اللي بيجزع ويخاف ويظن في الله الظنون بيخسر خسران مبين، ربنا وحكمته والتعلق بالله أحسن الف مرة من التعلق بأي كيان تاني، والصبر والاستعانة بالله دايما هما النجاة دايما، انا حاليا مبسوط، وعايش حياتي واتجوزت تاني، وبعد ما كنت بتمنى موت ابني مع امه زمان دلوقتي بقيت فخور بيه وبكل انجازاته، والحمد لله دايما..
(إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين)
بقلم:أحمد محمود شرقاوي