ديسمبر 5, 2023

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

الجزء الرابع من رواية ” شمس الأصيلة” بقلم هالة عيسى

أفاقت شمس من غفوتها على صوت ” سنية” وهي تقول لها العجين خمر فأمرتها شمس بإشعال الفرن وصعدت شمس إلى سطح المنزل لإحضار الحطب ونظرت إلى السماء محلقة وهامت في واحة الذكريات مصوبة وجهها تجاه طريق منزل المهندس أكمل وزوجته ” فضيلة” مرت الأيام عند المهندس العطوف الذي كان يعطف على شمس ويعاملها برفق لأنها ترعى أطفاله الصغار نظرا لإنشغال أمهم سيدة المجتمع ” فضيلة هانم” التي تقضي معظم وقتها في العزف على البيانو وتبادل الزيارات مع صديقاتها،كانت شمس تعد لهن الطعام الطيب المزاق والحلوي الريفية التي كانت تحظى بإعجاب ” درية هانم” ذوجة حكمدار المركز التي كانت دائمة الزيارة لفضيلة هانم زوجة مهندس الري ” أكمل”وكانت تعطف على شمس من حين إلى الأخر.
أما ” زينب” إبنة شمس الكبرى كانت تعمل في شونة القطن مع ناظر العزبة” متولى” في الصيف والعطلات الرسمية لأنها كانت طالبة بدار المعلمات وكانت دائمة الغناء في العمل لتهونه على نفسها وزميلاتها ومرة من المرات كانت تنشد إنشودة القطن التي سبق ذكرها في الجزء السابق أمام ناظر العزبة ” متولى” وفي حضور صاحب العزبة فتضايق منها فقام ناظر العزبة متولي بصفعها علي وجهها الشامخ فشجت شفتيها وسال الدم على وجهها التي إختفت معالمه من أثر الصفعة الموجعة فأنهارت في البكاء ودخلت عليها حالة من الشجن تذكرها بمرارة اليتم وقسوة الأنام وأخفت نفسها وعادت إلى المنزل بخيبة الأمل بعدم تقاضي اليومية فشاهدها أخيها” محمد” في هذا الوضع المشين فتضايق وهاج وماج وولى مهرولا إلى منزل ناظر العزبة” ” متولى” وأخذ يوبخه وشيوخ الغفر تمنعه من الدخول وتطرحه أرضا ورد عليه ” ناظر العزبة” متولى” أختك ما لهاش عيش عندي.
مرت الأيام عليهم بمزاقها المرير حتى إلتقت مع صديقتيها ” رقية وخديجة”اللتان يعانا من الفقر بمقدار أقل من ” زينب” بالرغم من وجود أبا ئهم على قيد الحياة لأن الفقر هو السمة السائدة عند أهل القرية،أخذوا يفكروا سويا ماذا هن فاعلات لتوفير المال القليل فوجهوا شكواهم” للأستاذة” سمية” أستاذة التدبير المنزلي والتفصيل بدارالمعلمات التي كانت تعطي لهن دروسا في التطريز ولقد وجدت لهن مخرجا لتحصيل بعض النقود القليلة عن طريق القيام بتطريز مفارش عرائس عا ئلات البندر،فرحت ” زينب” بهذا الحل الذي يحفظ كرامتها وكبريا ئها ويرحمها من كرباج ” عبد الجبار” خولي حقول القطن ومن ضرب ” متولي” ناظر العزبة في شونة القطن.
أما محمد فظل يعمل مع البنائين تارة وفي السباق والرهان تارة أخرى وألعابه الجنونية التي لاتنتهي بل تذدا للأسوء وكان يذهب إلى المدرسة الثانوية التي تبعد عن القرية بحوالي ثلاثة كيلو مترات سيرا على الأقدام مع صديقيه” على وفريد” أصدقاء الشقاوة والشقاء وكان لايعتني بدراسته با لقدر المطلوب كطالب توجيهي.
أما ” سنية” الأخت الكبري لهم من الأب ” حسن” إحترفت الخبيز وكانت تخبز للجيران مقابل مكيال من القمح والذرة كمشاركة منها في تحمل العناء مع زوجة أبيها” شمس” أما الصغار إبراهيم ونعمة” وصلوا إلى المرحلة الإعدادية وكانوا يكدوا ويكدحوا من أجل النجاح والتفوق ليعفوا من مصاريف المدرسة من جهه ويفروا من الفقر المضجع من جهه أخرى وكانوا يتولون أعمال المنزل للتخفيف عن ” شمس وسنية من عبء العمل عند المهندس” أكمل” وأزرع ” سنية” التي أنهكت من مسك مطارح الخبيز.
كانت شمس في الأجاذة الصيفية تصطحب أبنا ئها الصغار ” إبراهيم ونعمة” للعب في حديقة المهندس ” أكمل” حيث الزهور والأشجار اليانعة والفناء المنمق وذات مرة كانوا يلعبون سويا مع أولاد المهندس” عمر وهند” في الحديقة بالكرة فدفع إبراهيم زجاج حجرة ” فضيلة هانم زوجة المهندس بالكرة فتحطم الزجاج فقامت” فضيلة هانم” بضربه وتوبيخه فبكى ” إبراهيم” بكاء شديدا وأخذت شمس في الإعتذار ومحاولة إرضاء فضيلة هانم بشتى السبل لحوجتها الشديدة للمال وما لبس أن أخذتها ” فضيلة هانم ذريعةلطرد” شمس” من العمل لأنها كانت تغار من جمال شمس ومعاملة المهندس” أكمل” لها.
أصبحت شمس بلا عمل وكذلك عمل ” زينب دخله مقسم بينها وبين” رقية وخديجة” في تطريز المفارش لعرائس عائلات المدن.
باتت شمس ليالي طوال تنظر وتحلق في السماء بألوانها السبعة التي كانت تلاحظ في كل لون طيفا من حياتها البائسة تناجي ربها بمخرج من هذاالمأذق .
وذات مرة كالعادة زارت ” درية” هانم زوجة حكمدار المركز” فضيلة” هانم زوجة المهندس وسألتها عن شمس فأخبرتها بطردها لها فأشارت عليها بأخذ شمس للعمل عندها لم تتمتع به” شمس” من مذاق طيب في الطعام وأسلوب منمق في إستقبال الضيوف فتضايقت ” فضيلة هانم” لأنها كانت تريد إبعادها عن نظر المهندس ” أكمل” الذي كان صديقا شخصيا لحكمدار المركز” صدقي بيه” لكنها أقنعتها بعدم رؤيتها له في صالون الإستقبال ونجحت في إقناع” فضيلة” هانم التي كانت تمتلك عقلا تافه وطبعا شاردا ومالبس أن خرجت” درية” هانم من زيارتها فأمرت سائق عربة الحنطور أن يتوجه بها إلى منزل” شمس” حيث كان يقوم بتوصيل ” شمس ” في الأوقات المتأخرة من الليل للعمل في عزائم عشاء ” فضيلة” هانم.نزل سائق الكلته ودق باب منزل ” شمس” ففزعت ” شمس وهرولت مسرعة عند باب المنزل فوجدت” درية” هانم فقالت لها شمس إتفضلي ولو أن البيت لايليق بيكي فإبتسمت” درية” هانم وردت عليها البيت بأصحابه وأخبرتها أنها تريد ها للعمل عندها في منزلها،دهشت ” شمس” في بادئ الأمر لأنها تعلم جيدا بمدى الصداقة التي تجمع ” دريةهانم” بفضيلة هانم” ولكنها أخبرتها بموافقة ورضا” فضيلة” هانم لهذا الأمر.
شعرت ” شمس” ببادرة أمل وشعاع جديد ينبثق من خلجات نفسها بالرضا والارتياح خاصة معاملة” درية” هانم لها التي كانت تتسم بالرفق والرحمة.
ذهبت إلى عملها في منزل حكمدار المركز” صدقي بيه” الذي يبعد عن القرية بثلاث كيلو مترات تسيرهم على الأقدام بحذاء رث قديم وهي مستبشرة خير في عملها الجديد
أما محمد كان يصل إلى المدرسة متأخرا دائما مما تسبب في غضب ناظر المدرسة الأستاذ ” عوني” وكان غليظ الطبع ضيق الأفق دائم التوبيخ للطلبة وكان محمد لايبالي ولايهتم ويسخر منه دائما ويصنع المقالب الساخرة به وذات مرة دخل معلم اللغة العربية عليهم في الفصل مهرولا وأخبرهم بوجود مفتش الوزارة الذي كان يرتعد منه الجميع نظرا لشدته وحسمه في منح التقارير السرية لأداء المعلم داخل الفصل.
دخل المفتش والناظر على فصل التوجيهي وصوب نظره على محد الذي كان يرتعد وخفقان صدره يجعل قميصه البالي يتحرك من شدة الزعر وجاءت اللحظة الحاسمة التي غيرت فكر محمد وطريق مستقبله طلب المفتش من محمد قراءة بيت من الشعر في قصيدة رثاء حاكم وجاء بيت القصيد أقرأ يامحمد هذا البيت

ومات الذي كان يحميها ويرعاها
قرأ محمد البيت بكسر الياء في كلمة” يحميها” فأختلف المعنى نها ئيا من الحماية إلى” النظافة والاستحمام فضرب المفتش ” محمد” على عنقه من الخلف وقال له يحميك الحانوتي فضحك الطلاب وسخروا من ” محمد” وإنهال الناظر ” عوني” والمعلم على محمد بالضرب والتوبيخ لأنهم يعلموا جيدا طبع المفتش وسوء التقارير الخاصة بهم التي تعد طوق نجاة في ذيادة المرتب والترقية

عاد ” محمد” إلى المنزل وهو حزينا على كرامته التى أنتهكت من قبل المدرسة بأثرها ومن هذا المنطلق أخذ القرار بترك المدرسة بالرغم من إلحاح ” علي وفريد” أصدقاء العمر على التنحى عن قراره لكنه شخص عنيد والفقر واليتم صنع منه كبرياء ليس له مثيل.
علمت شمس بما حدث أخذت تبكي بصوت جاهوري لأن محمد هو طوق النجاة لمساعدتها وكانت تأمل في الحصول على شهادة التوجيهي حتي يتمكن ” صدقي بيه حكمدار المركز من توظيفه.
مامصير ” محمد” بعد ترك المدرسة؟ وكيف إبتسم الحظ لزينب بعد طول إنتظار!؟
فكروا معي إلى اللقاء في الجزء الخامس.