بقلم: محمد حسن
حين تتفتح الزهور رغم العواصف، تدرك أن الإرادة تسبق الحلم، وأن الإيمان بالذات أقوى من كل العثرات. الزهراء سيد عبدالفتاح، أو كما يُنادونها “زهرة”، لم تكن مجرد فتاة تحمل موهبة الرسم؛ بل كانت قصة حياة ترويها الألوان، وحكاية عزيمة ترسمها الخطوط.
منذ طفولتها، في مقاعد المدرسة، لاحظت معلمتها شيئًا مختلفًا في رسومها، شيئًا لم يكن تقليديًا ولا عابرًا. كانت تملك تلك اللمسة السحرية التي لا تُدرَّس في الكتب، بل تُولد مع الأرواح الطيبة. بين تصفيق المعلمين، وتشجيع الأهل، تفتحت موهبة زهرة، ولم تنتظر الظروف كي تمنحها لقب “فنانة”، بل صنعته بيديها، راسمَةً طريقها بألوان المثابرة والشغف.
لم تكتفِ الزهراء بالتصفيق العابر، بل شاركت في المسابقات المدرسية، وجعلت الفوز عادة من عاداتها. ثم خطت خطوة أبعد حين زارت قصر الثقافة، وهناك أدركت أن الفن ليس مجرد موهبة؛ بل رسالة تستحق أن تُعاش كل يوم.
ترى الزهراء نفسها في عالم موازٍ حين تمسك بالريشة. عالم يفرُّ فيه الواقع من أمام خيالها، ليصير كل شيء ممكنًا بالرسم. في كل لوحة تخلقها، تسكب شيئًا من روحها، فتصبح الرسمة أكثر من مجرد خطوط وألوان؛ تصبح نبضًا صادقًا يمكن أن يُحس ويُلمس.
ما يميز زهرة عن غيرها ليس مهارتها فقط، بل إحساسها العالي بما ترسم. ترسم بكل حواسها، بعينيها، بقلبها، بروحها. لا تنقل الصور كما هي، بل تضيف لها روحًا تجعلها تنبض بالحياة وكأنها تتنفس على الورق.

ومع ذلك، لم يكن الطريق مفروشًا بالزهور. صادفتها كلمات الإحباط، واستهزاء البعض بموهبتها، لكنها لم تسمح لتلك الأصوات أن تطفئ شعلتها. كانت كلمات والدتها “ركزي على هدفك” أشبه بمنارة أضاءت لها دربها، فأكملت المسير بثقة وثبات.
تعلمت الزهراء درسًا عميقًا: ليس كل من حولك سيرى نورك، ولكن المهم أن تؤمن بنفسك قبل أن ينتظر العالم أن يؤمن بك. لذلك لم تستسلم، حتى حين تداخلت دراستها في مجال التمريض مع شغفها بالرسم، بل حولت التحدي إلى فرصة، فرسمت رسومات طبية ساعدتها على الفهم والمذاكرة بطريقة فريدة.
أما عن إنجازاتها، فهي ليست فقط في اللوحات التي تزين جدران منزلها، ولا في المجات الزجاجية التي رسمتها بيديها، بل في مشروعها الصغير الذي أطلقته أونلاين، وفي كل لحظة تغلبت فيها على التعب والشكوك، وأثبتت لنفسها أن الحلم لا يموت ما دمت تتنفسه.
تحلم الزهراء بأن تصبح فنانة مشهورة، أن تطل على العالم عبر الشاشات، وأن تقابل الإعلامية الكبيرة منى الشاذلي يومًا، ليس كضيفة عابرة، بل كنموذج مشرف للفن الحقيقي والإصرار العظيم.
هي تعرف أن الطريق ما زال طويلًا، لكنها تمضي فيه بابتسامة، وثقة، ويد لا تترك الريشة أبدًا، وعقل يحلم بورشة فنية تحمل اسمها، تدرب فيها الأطفال والشباب، وتزرع الأمل كما زرعه الآخرون فيها يومًا.
تنصح زهرة كل موهوب بأن يتمسك بحلمه مهما بدا بعيدًا، وأن يصدح داخليًا: “أنا أستحق أن أنجح.” وتحذر من الاستسلام لكلمات المحبطين، لأن أعظم دعم يبدأ من الداخل.

ولو عاد بها الزمن، لكانت ستسارع إلى الورش والمعارض منذ نعومة أظافرها، لكنها في النهاية راضية، فخورة بنفسها، شاكرة لله على نعمة الموهبة، وشاكرة لقلبها الذي لم يخن حلمها أبدًا.
وفي النهاية، حين سُئلت: “لو لم تكوني رسامة، ماذا كنتِ ستفعلين؟” أجابت ضاحكة: “الرسم قدري، حتى وإن ابتعدت عنه، سأظل أرسم عالمي بطريقتي.”
فتحية كبيرة لزهرة لا تعرف الذبول، بل تزداد تألقًا مع كل شروق جديد..

More Stories
الدرس الكامن وراء الفرشاة: كيف قادت توجيهات معلمٍ حرفياً مصرياً إلى العالمية
أول مصريين أعضاء في مجلس إدارة نادي روتاري مونتريال
كريم عميرة ..وجه جديد بموهبه متميزة