كتب عمرو الجندى
في زمنٍ طغت فيه السطحية على المشهد الإعلامي، برز أحمد المسلماني كحالة استثنائية تعيد للاعتدال وقاره وللثقافة هيبتها. هو الرجل الذي جعل من “الخريطة” كتاباً مفتوحاً، ومن “التاريخ” مرآةً يرى فيها المشاهد العربي مستقبله قبل أن يحدث.
اشتهر المسلماني ببرنامجه الرائد “طبعة القاهرة”، الذي لم يكن مجرد عرض للصحافة، بل كان “جامعة مفتوحة”. استطاع من خلاله أن ينقل الجيوسياسة من أروقة مراكز الأبحاث المغلقة إلى المقاهي والبيوت. لقد جعل من مصطلحات مثل “الأحادية القطبية”، “صعود الصين”، و”توازن الرعب” كلمات دارجة يفهمها غير المتخصصين، دون أن يفقد المحتوى دسمه العلم
تتميز كتابات المسلماني في الصحف الكبرى، مثل “الأهرام” و”المصري اليوم”، بأنها بناء معرفي تراكمي. هو لا يكتب تحت ضغط “التريند”، بل يكتب بمنطق المؤرخ المعاصر.
الربط الزماني: يربط بين سقوط الإمبراطوريات القديمة وصراعات الغاز والتكنولوجيا اليوم.
الاستشراف: يمتلك قدرة فائقة على قراءة مقدمات الأحداث، مما جعل تحليلاته في كثير من الأحيان تبدو وكأنها “نبوءات سياسية” تحققت مع مرور الوقت.
لم تكن تجربة المسلماني كمستشار لرئيس الجمهورية مجرد منصب سياسي، بل كانت امتداداً لدوره كمثقف وطني. حافظ دائماً على مسافة ثابتة من الصراعات الحزبية الضيقة، منحازاً فقط لمفهوم “الدولة الوطنية” ولأهمية العلم في نهضة الأمم. كتبه مثل “هندوس وعالم” و”أمة في خطر” تعكس انشغاله الدائم بموقع العرب في خارطة القوى العالمية الجديدة
ما يميز المسلماني ككاتب هو “عفة اللسان” وأناقة العبارة. في عالم مليء بالضجيج والصراخ الإعلامي، يبرز صوته الهادئ وقلمه المتزن كواحة للمنطق. هو لا يهاجم الأشخاص، بل ينتقد الأفكار، ولا يبيع الأوهام، بل يقدم الحقائق مجردة من العواطف الزائفة.
أحمد المسلماني هو النموذج المثالي لـ “الصحفي المثقف” الذي نحتاجه في هذا العصر؛ ذلك الذي لا يكتفي بإخبارك بما حدث، بل يشرح لك لماذا حدث، وماذا سيحدث بعد ذلك. إنه حارس حقيقي للوعي العربي، استطاع أن يثبت أن “الكلمة الرصينة” لا تزال هي الأقوى والأبقى.

More Stories
شيف ليبية نجوي المجبري تتوج بالمركز الأول في مسابقة الصندوق المغلق وتحقق المركز الثاني ضمن منافسات الفريق الليبي
هاني شكري عزيز يراهن على الشراكة المصرية الأوروبية لدعم الاستثمار