سبتمبر 10, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

د. نادر الصيرفي يُسقط مشروع الترقيع الطائفي نجاح ساحق لـ«قضيتي» في موسمه الأول… والصيرفي: «لقد استعادت اللائحة الجريحة شرفها»

اختتم اليوم الموسم الأول من برنامج «قضيتي»، الذي يقدمه المحامي والباحث القانوني الدكتور نادر الصيرفي، بعد موسم نجح في اقتحام أخطر الملفات القانونية المتعلقة بمشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، وكشف ما يتضمنه المشروع من تناقضات دستورية واضطراب في الصياغة وخلط بين المفاهيم القانونية المستقرة.

وحلّت الأستاذة كريستين عطية، المحامية بالاستئناف، ضيفةً على الحلقة الختامية، التي جاءت بحق «مسك الختام»؛ إذ أدار الصيرفي الحوار باحترافية قانونية لافتة، وطرح على ضيفته أسئلة دقيقة وضعت نصوص المشروع أمام اختبار قانوني ودستوري صعب، بعيدًا عن الشعارات الدينية أو المجاملات الطائفية.

ولم تكن الحلقة مجرد حوار تلفزيوني، بل بدت كمرافعة قانونية علنية كشفت أن مشروع القانون، الذي قُدِّم باعتباره حلًّا لمشكلات الأحوال الشخصية للمسيحيين، لم ينهِ التنازع، وإنما أعاد إنتاجه داخل غلاف تشريعي واحد.

البطلان المطلق لا تصححه «ورقة موافقة»

أكدت كريستين عطية أن لائحة 1938 كانت أكثر دقة وانضباطًا من المشروع الحالي؛ إذ فرّقت بوضوح بين موانع الزواج التي يترتب عليها البطلان المطلق ولا يجوز تصحيحها، وبين حالات البطلان النسبي التي تقبل الإجازة والتصحيح.

وأوضحت أن اشتراط توقيع الزوج أو الزوجة على موافقة كتابية لإتمام الزواج رغم وجود مانع مطلق يمثل خلطًا جسيمًا بين نوعي البطلان؛ لأن الرضا لا يصحح ما لا يقبل التصحيح، والموافقة الكتابية لا تحول المانع المتعلق بالنظام العام إلى مانع نسبي يمكن النزول عنه.

وطرحت الضيفة سؤالًا دستوريًا بالغ الخطورة: إذا كانت طائفة الروم الأرثوذكس تجيز التطليق للعجز الجنسي وبعض الأمراض، فلماذا تُعامل الزوجة القبطية الأرثوذكسية معاملة مختلفة رغم تماثل مركزها القانوني والإنساني مع الزوجة الرومية الأرثوذكسية؟
وهنا لا يكون الخلاف مجرد اختلاف طائفي مشروع، بل تفاوتًا تشريعيًا بين أصحاب مراكز قانونية متماثلة، بما يثير شبهة الإخلال بالمساواة ومخالفة المادة الثالثة من الدستور.

«شريعة العقد»… قاعدة تنازع لا تقدم حلًّا

وشنّ الصيرفي هجومًا قانونيًا حادًا على ما يسمى «شريعة العقد»، مؤكدًا أنها ليست قاعدة موضوعية تحل النزاع، وإنما قاعدة إسناد مستعارة من القانون الدولي الخاص، وظيفتها تحديد القانون الواجب التطبيق عند تنازع القوانين.

وقال إن المشروع صنع بيده قوانين طائفية متعددة، ثم استعان بقاعدة إسناد لإدارة التنازع بينها، وكأن الشرائع الوطنية للطوائف المسيحية قوانين أجنبية تتنازع داخل الدولة الواحدة.

وأضاف أن هذا المنهج لا يوحّد مبادئ الشريعة المسيحية، بل يفككها، ويتعارض مع الغاية الدستورية للمادة الثالثة التي جعلت مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، ولم تجعل لكل طائفة دولة قانونية مستقلة داخل الدولة.

وأوضح الصيرفي أنه إذا كانت شريعة كنيسة الزواج تستطيع، في بعض الصور، تقييد تطبيق الشريعة الإسلامية في مسائل الطلاق، فإن هذه المشكلة كانت ستنتفي أصلًا لو وضع المشروع قواعد موضوعية عامة وموحدة تطبق على المسيحيين، مع احترام الخصوصيات العقائدية الحقيقية لكل طائفة.

الزواج المختلط يكشف انهيار الفكرة

وتتجلى خطورة «شريعة العقد» بصورة أوضح في الزواج المختلط؛ إذ أجاز المشروع الزواج المختلط لدى أربع طوائف هي الروم الأرثوذكس والسريان الأرثوذكس والإنجيليون والكاثوليك.
وهذا الزواج، بطبيعته، لا يكون بين متحدي الملة والطائفة حتى يقال بتطبيق شريعة العقد عليه باعتبارها شريعة الطرفين.

ويؤكد ذلك أن المشروع نفسه قصر الزواج بين متحدي الملة والطائفة على القبطية الأرثوذكسية والأرمنية الأرثوذكسية، واشترط في الزواج المختلط تقديم شهادة خلو موانع من طائفة الزوج الذي لا ينعقد الزواج في كنيسته.

وضرب الصيرفي مثالًا كاشفًا: إذا تزوجت كاثوليكية من إنجيلي، فقد يصبح الانحلال المدني ممكنًا إذا انعقد الزواج في الكنيسة الإنجيلية، بينما يمتنع إذا انعقد في الكنيسة الكاثوليكية.

وهكذا لا يعود المركز القانوني للزوجين محكومًا بطبيعة العلاقة أو بسبب الانحلال، وإنما بالمكان الذي أُجريت فيه مراسم الزواج. وهو تفاوت لا يستقيم مع المساواة، ولا مع وحدة مبادئ الشريعة المسيحية، ولا حتى مع منطق التشريع الرشيد؛ فالحق في الانحلال لا يجوز أن يتغير بتغير الباب الذي دخل منه الزوجان إلى الكنيسة.

الانحلال المدني بلا خطأ… مكافأة تشريعية لمن يهجر أسرته

وانتقد الصيرفي بشدة تنظيم المشروع للانحلال المدني دون اشتراط خطأ من طالب الانحلال، مؤكدًا أن هذا النظام لم تعرفه الخلاصة القانونية الصادرة سنة 1896، ولم تقرره لائحة 1938 بهذه الصورة.

وتساءل: ما ذنب الزوجة التي يهجرها زوجها سنوات، ثم يعود ليقيم دعوى الانحلال المدني مستفيدًا من الهجر الذي صنعه بإرادته؟
وأكد أن الإحالة إلى المسؤولية التقصيرية لا تقدم حلًّا حقيقيًا؛ لأن المحكمة قد ترى أن الزوج استعمل حقًا منحه له القانون، فينهار ركن الخطأ الذي تقوم عليه المسؤولية.

وتزداد الأزمة إذا كان الانحلال مترتبًا على الانضمام إلى طائفة خارج نطاق المشروع؛ إذ قد يتمسك الزوج بحرية العقيدة، بما يصعّب تأسيس التعويض على خطأ تقصيري.

وبذلك يصبح النص، في حقيقته، رسالة تشريعية خطيرة مضمونها: اهجر زوجتك، واصنع استحالة العشرة، ثم اطلب الانحلال، واترك لها مطاردة تعويض قد تحصل عليه وقد لا تحصل.

الزواج الثاني بين حجية الحكم وسلطة الكنيسة

وشهدت الحلقة حوارًا ساخنًا حول موانع التصريح بالزواج الثاني، بعدما حصرها المشروع في حالات معينة، من بينها الطلاق للزنا أو تغيير الدين أو الانضمام إلى طائفة خارج نطاق المشروع.

وتظهر المشكلة بوضوح إذا صدر حكم نهائي بالانحلال المدني بسبب الهجر، ثم أُحيل الأمر إلى الكنيسة لأخذ رأيها في التصريح بالزواج الثاني.

فهل يجوز للكنيسة أن تعيد توصيف سبب الحكم من «الهجر» إلى «الزنا»، ثم ترفض التصريح؟ وهل تتحول الجهة الدينية إلى درجة طعن جديدة على حكم قضائي نهائي؟

أكد الصيرفي أن الكنيسة لا يجوز لها تغيير السبب الذي حسمه الحكم القضائي؛ لأن حجية الأمر المقضي تشمل المسألة الأساسية التي فصل فيها الحكم وكان الفصل فيها ضروريًا لمنطوقه. فإذا كان الحكم قد قرر أن الانحلال وقع للهجر، فلا يجوز استبدال الزنا بهذا السبب بقرار لاحق.

فإذا مُنح التصريح رغم أن الانحلال لم يقع للزنا، انهارت عمليًا مقولة «لا طلاق إلا لعلة الزنا». وإذا رُفض التصريح، أُهدرت الحجية الإيجابية للحكم القضائي، وفُتح الباب على مصراعيه لمنازعات جديدة أمام محاكم مجلس الدولة.

وكانت لائحة 1938 أكثر حسمًا؛ إذ جعلت حكم الطلاق ذاته هو الذي يحدد المانع من الزواج الثاني، ولم تترك المركز القانوني للزوجين معلقًا بين حكم قضائي نهائي وسلطة تقديرية لاحقة.

التحريض على الزنا ليس زنا… والمشروع يهدم شعاره بنفسه
وانتقد الصيرفي أيضًا اعتبار التحريض على الزنا أو الفجور سببًا للطلاق مع الاستمرار في ترديد مقولة «لا طلاق إلا لعلة الزنا».

فالتحريض على الزنا ليس زنا؛ لأن الفعل لم يقع أصلًا. كما أن التحريض على الفجور والفجور ذاته يندرجان، من الناحية القانونية، تحت سوء السلوك، ولا يجوز تغيير طبيعتهما لمجرد إقحامهما في نصوص الطلاق.

وأشار إلى أن المشروع عاقب على التحريض على الفجور، بينما أغفل الفجور نفسه، وهو تناقض يكشف غياب التصور التشريعي المتكامل.
وكان الأجدر بالمشروع أن ينظم الهجر الإرادي باعتباره صورة من صور التحريض على الزنا، وأن يفرق بينه وبين الهجر غير الإرادي، كالهجر الناتج عن السجن أو القوة القاهرة، وأن ينظم سوء السلوك كسبب مستقل بدلًا من تحميل مفهوم الزنا ما لا يحتمله.

لائحة 1938 تنتصر… والمشروع لا يصلح للترقيع

وخلصت مناقشات الموسم الأول وضيوفه إلى أن لائحة 1938، رغم كل ما تعرضت له من هجوم وتشويه، كانت أكثر إحكامًا واتساقًا وعبقرية من المشروع الحالي.

أما المشروع، فلم يشرّع قواعد عامة، ولم يقنن المبادئ المشتركة، وإنما جمع نصوصًا طائفية متعارضة داخل غلاف شكلي واحد، ثم ترك للمواطنين والمحاكم مهمة مواجهة التناقضات.

إنه مشروع لا يصلح للترقيع؛ لأن العيب ليس في مادة أو مادتين، وإنما في الفلسفة التي بُني عليها: تعدد القواعد، واضطراب المراكز القانونية، وخلط البطلان المطلق بالنسبي، واستعارة قواعد الإسناد، وترك حجية الأحكام القضائية في مواجهة فراغ تشريعي خطير.

لقد أثبت الموسم الأول من «قضيتي» أن صناعة التشريع لا تحتمل الهواة، وأن تجميع النصوص ليس تقنينًا، ووضع غلاف واحد على خمسة قوانين طائفية لا يصنع قانونًا موحدًا.

وفي تعليقه على ختام الموسم، قال الدكتور نادر الصيرفي:
«لقد استعادت اللائحة الجريحة شرفها.. فقد جعلها الأرشيدياكون حبيب جرجس مطابقة للإنجيل، وصاغها حبيب باشا المصري كنوتة موسيقية قانونية شديدة الاتساق. وبعد عشرات السنين، جاء مشروع غير المتخصصين ليكشف، من حيث لا يدري، عبقرية لائحة 1938».

وانتهى الموسم، لكن المحاكمة القانونية للمشروع لم تنتهِ. والسؤال لم يعد: هل يمكن إصلاح بعض مواده؟ بل أصبح: هل يجوز أصلًا الإبقاء على مشروع يفكك القواعد العامة والمجردة، ويقنن التنازع، ويهدد المساواة، ثم يقدَّم للمجتمع باعتباره قانونًا موحدًا؟

لقد سقط المشروع في اختبار «قضيتي»… أما لائحة 1938، فقد استعادت شرفها.