سبتمبر 17, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

الدبلوماسية المصرية آمن قومى . بقلم أشرف شبانة

الدولة في زمن الأزمات.. لماذا تصبح الدبلوماسية المصرية جزءًا من حماية الأمن القومي؟

بقلم: المستشار / أشرف شبانة 

في أوقات الاستقرار، قد تبدو التحركات الدبلوماسية للدولة بعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، لكن عندما تموج المنطقة بالأزمات والصراعات، تصبح السياسة الخارجية جزءًا مباشرًا من منظومة الأمن القومي، وتتحول العلاقات الدولية من مجرد لقاءات وبروتوكولات إلى أدوات لحماية المصالح المصرية وفتح مساحات جديدة للتعاون الاقتصادي والسياسي.

ولعل ما شهدته مصر خلال الأيام الماضية يقدم نموذجًا واضحًا لذلك.

ففي 11 سبتمبر 2026 توجه الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة الهندية نيودلهي للمشاركة في القمة الثامنة عشرة لتجمع بريكس، التي استضافتها الهند يومي 12 و13 سبتمبر، وهي مشاركة مصرية تأتي للعام الثالث على التوالي منذ انضمامها إلى التجمع في يناير 2024. كما تضمنت الزيارة لقاءات ثنائية مع عدد من قادة الدول المشاركة وكبار مسؤولي المنظمات الدولية.

وبعد أيام قليلة، استقبلت القاهرة ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، في زيارة عمل شهدت لقاءً ثنائيًا ومباحثات موسعة بين الجانبين. وأكدت الرئاسة المصرية في بيانها عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، وأهمية مواصلة التعاون بما يخدم المصالح المشتركة.

هذه التحركات لا ينبغي قراءتها باعتبارها أحداثًا منفصلة، وإنما في سياق أوسع يتعلق بموقع مصر ودورها وعلاقاتها الدولية والإقليمية في مرحلة شديدة التعقيد.

فالدولة لا تدير الأزمات من الداخل فقط.

هناك أمن قومي، واقتصاد، واستثمارات، وطاقة، وأمن غذائي، وسياحة، وعلاقات عربية ودولية، وكلها ملفات أصبحت مترابطة بصورة لم تعد تسمح بفصل السياسة الخارجية عن الواقع الداخلي.

ومن الطبيعي أن يعترف المواطن بوجود ضغوط اقتصادية واجتماعية حقيقية، وأن يطالب بتحسين مستوى المعيشة، ومواجهة ارتفاع الأسعار، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، ومعالجة أوجه القصور أينما وجدت.

لكن في المقابل، فإن وجود أزمات داخلية لا يعني أن الدولة يمكنها أن تنعزل عن محيطها أو تتراجع عن تحركاتها الخارجية.

بل ربما يكون العكس هو الصحيح.

كلما زادت الضغوط الإقليمية، زادت الحاجة إلى علاقات دولية متوازنة، وشراكات اقتصادية، وحوار سياسي، وحضور مصري فاعل.

ومن منظور قانوني ووطني، فإن الدولة ومؤسساتها تعمل في إطار مسؤولية متكاملة: حماية الإقليم، وصون المصالح العليا للدولة، والحفاظ على العلاقات الدولية، وفي الوقت نفسه معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي تمس المواطن بصورة مباشرة.

ولا تعني المساندة المؤسسية أن يتوقف النقد أو أن تختفي المساءلة.

على العكس، فالدولة القوية هي التي تستطيع أن تجمع بين الحفاظ على مؤسساتها، واحترام القانون، والاستماع إلى مطالب المواطنين، وتصحيح الأخطاء، ومواصلة العمل في الملفات الخارجية.

وهنا يجب أن نفرق بين أمرين:

النقد المسؤول للدولة، ومحاولة إضعاف الدولة.

الأول حق وضرورة في أي مجتمع يريد الإصلاح.

أما الثاني، فلا يخدم المواطن ولا يعالج أزمة اقتصادية ولا يحل مشكلة اجتماعية.

وفي هذه المرحلة تحديدًا، تحتاج مصر إلى خطاب عام أكثر هدوءًا ووعيًا؛ خطاب يدرك أن الخلاف في الرأي لا يجب أن يتحول إلى خصومة مع الدولة، وأن المطالبة بالإصلاح لا تعني بالضرورة هدم ما هو قائم، وأن دعم مؤسسات الدولة لا يعني إغلاق باب النقد والمحاسبة.

لقد شهدت الأيام الأخيرة اتصالات وتحركات مصرية مع أطراف دولية وإقليمية متعددة؛ ففي 3 سبتمبر أجرى الرئيس السيسي اتصالًا بولي العهد السعودي تناول العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون، ثم جاءت زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في 15 سبتمبر.

وفي الهند، لم تكن مشاركة مصر في بريكس مجرد حضور بروتوكولي، وإنما جاءت في إطار عضوية مصر في تجمع يضم قوى اقتصادية وسياسية كبرى، مع عقد لقاءات ثنائية على هامش القمة.

وهنا تكمن أهمية التحرك المصري: أن تكون مصر حاضرة عندما تُرسم ملامح التوازنات الجديدة، لا أن تنتظر نتائجها بعد أن تُحسم.

نحن أمام منطقة شديدة الحساسية، وأمام عالم يتغير بسرعة، وأمام تحديات اقتصادية واجتماعية لا يمكن إنكارها.

لذلك فإن المصلحة الوطنية تقتضي أن ننظر إلى الصورة كاملة.

ننتقد عندما يكون النقد ضروريًا، ونطالب بالإصلاح عندما يكون الإصلاح مطلوبًا، ونحاسب وفق القانون عندما تقع مخالفة، وفي الوقت نفسه ندرك أن الحفاظ على الدولة واستقرار مؤسساتها ومصالحها الخارجية مسؤولية مشتركة.

فمصر ليست مجرد حكومة تتغير أو سياسات تتبدل؛ مصر دولة باقية، ومؤسساتها ملك لشعبها، ومصالحها العليا مسؤولية لا تحتمل المزايدة.

وفي النهاية، قد نختلف حول بعض السياسات أو نختلف في تقييم بعض القرارات، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع.

لكن عندما يتعلق الأمر بأمن الدولة ومصالحها العليا وموقعها الإقليمي والدولي، فإن الوعي الوطني يفرض علينا أن نضع مصلحة مصر أولًا، وأن ندعم كل تحرك يخدم الدولة وفق ما تثبته النتائج والوقائع، مع بقاء حق المواطن في السؤال والنقد والمطالبة بالإصلاح كاملًا.

الدولة القوية لا تخشى النقد.. والمواطن الواعي لا يخلط بين نقد الأداء والحفاظ على الدولة.

أشرف شبانة