أكتوبر 18, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

بين صناعة المحتوى وقدسية العبادة.. هل أصبح كل شيء مادة للتصوير؟

بقلم الكاتبة الإعلامية /. زيزي أحمد

في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لصناعة المحتوى، بات البعض يتعامل مع كل لحظة في حياته باعتبارها فرصة للتصوير والمشاهدات وجذب المتابعين، حتى اختلطت أحيانًا الحدود بين ما يستحق أن يُشارك مع الناس، وما ينبغي أن يبقى لحظة خاصة لها قدسيتها وحرمتها.

لا شك أن محتوى الطهي من أنواع المحتوى التي يحبها الجمهور، وأن تقديم الطعام وإعداد الوصفات فن له جمهوره ومحبوه، بل إن هناك أشخاصًا استطاعوا أن يحققوا نجاحًا حقيقيًا من خلاله. لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه هو: هل أصبح السعي وراء المشاهدات مبررًا لتصوير كل شيء، وفي كل مكان، وفي كل وقت؟

حين يذهب الإنسان إلى بيت الله الحرام لأداء العمرة، فهو يذهب طلبًا للسكينة والطمأنينة والتقرب إلى الله، في رحلة روحانية يفترض أن تمنحه فرصة لمراجعة النفس، واستشعار النعمة، والابتعاد قليلًا عن ضجيج الحياة ومشاغلها. فهل من الحكمة أن تتحول هذه الرحلة إلى بث متواصل للكاميرا، ومحتوى لا يتوقف، وكأن الإنسان مطالب بأن يوثق كل دقيقة حتى لا تفوته فرصة للنشر؟

المشكلة ليست في التصوير بحد ذاته، ولا في مشاركة الأهل والأصدقاء لحظات جميلة من رحلة إيمانية، وإنما في غياب التوازن، حين تطغى الكاميرا على لحظة العبادة، ويصبح الاهتمام بكيفية ظهور المشهد أمام المتابعين أكبر من الاهتمام بمعايشة اللحظة نفسها.

والأمر لا يتعلق بصناعة محتوى الطعام وحده، بل بثقافة عامة تحتاج إلى مراجعة؛ ثقافة جعلت بعض الناس يشعرون بأن اللحظة لا قيمة لها ما لم تُصوَّر، وأن التجربة لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون، وأن النجاح يُقاس بعدد المشاهدات، حتى لو كان ذلك على حساب الخصوصية أو احترام المكان أو مشاعر الآخرين.

إننا لا نحاكم النيات، فالله وحده يعلم ما في القلوب، ولا نملك أن نحكم على قبول عبادة أحد أو إخلاصه. لكن من حقنا أن نتساءل عن السلوك العام، وأن ندعو إلى احترام قدسية الأماكن الدينية، ومراعاة خصوصية الآخرين، وإعادة ترتيب أولوياتنا في عصر أصبحت فيه الشهرة هدفًا يسعى إليه البعض بأي وسيلة.

ليس كل ما نعيشه يجب أن يتحول إلى محتوى، وليس كل ما تستطيع الكاميرا تسجيله يستحق النشر. فهناك لحظات قيمتها في أن نعيشها بقلوبنا، لا أن ننشغل بتوثيقها بعدساتنا. وهناك أماكن تستحق منا أن نحضر فيها بأرواحنا قبل هواتفنا، وأن نمنحها من الاحترام والسكينة ما يليق بمكانتها.

وفي النهاية، تظل صناعة المحتوى مسؤولية قبل أن تكون شهرة، ورسالة قبل أن تكون مشاهدات، وأخلاقًا قبل أن تكون أرقامًا. فالنجاح الحقيقي ليس أن يراك الجميع في كل لحظة، بل أن تترك أثرًا طيبًا، وأن تعرف متى تتحدث، ومتى تصمت، ومتى تضع هاتفك جانبًا لتعيش اللحظة كما ينبغي.

فليست كل لحظة في الحياة بحاجة إلى كاميرا، وليست كل رحلة إلى بيت الله بحاجة إلى جمهور؛ فبعض الرحلات خُلقت لتكون بين العبد وربه، بعيدًا عن ضجيج العالم.