يونيو 23, 2024

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

“نوادر العميان في مجتمعنا الغفلان” بقلم طارق حلمي الشناوي

العصا المسحور.
عاش صاحبنا ذكريات مع أصدقائه الذين يحبهم, واستمتع كثيرا بكل لحظة قضاها معهم في مدرسته الداخلية التي ضمتهم في حياة واحدة تشابهت فيها كل الأشياء, ذكرى اللعب والمذاكرة ومجالس الحكي وغيرها, وم ن بين هذه الذكريات ما حدث في فصل الطفولة حيث حصة تسميع القرآن الذي كان يدرس لنا من شيخ جليل يسمى الشيخ سيد رحمه الله عليه, حيث كان شيخا طويل القامة ذو صوت جهوري, يرتدي دائما زي علماء الأزهر من جبة وقفطان وعمة, يمسك في يده عكازا غليظا وله فيه مآرب أخرى غير التوكأ عليها, حيث تمثل أداة تأديب وتهذيب وإصلاح لمن يقصر في الحفظ أو كسر القواعد والسلوك القويم, وكان يخشاه الجميع, وبالأصح يخشى سلاحه الذي يستخدمه دون تردد ويطلق له العنان ليصيب أي مكان في جسم أو رأس المغضوب عليهم, وكان صاحبنا كالأخرين يعمل ألف حساب للعصا الجبار وقائدها, فيعمل على تجنب الشر ويحفظ ما يطلب منه خوفا من العاقبة التي يرى أثرها على الأخرين من أصدقائه الذين لم يبالوا أو لا يقدرون للأشياء الهامة قدرها, فكان المقصرون الذين يمنون أنفسهم بالتسميع الجيد وهم داخل الفصل بأن يفتحون الكتاب ويقرأون منه دون أي اعتبار لشيخنا الجليل وسلاحه حيث كان ضريرا لا يبصر مثلهم, وكان هذا يضايق صاحبنا بعض الشيء لسببين أولهما أنه لا يصح أن يستعمى الأعمى مثيله, لأنه في النهاية لا يحب ذلك لنفسه, والأخرى أن صاحبنا يجتهد وغيره ينام ثم يقوم بالغش دون اهتمام ولا مبالة لمشاعر الأخرين, فأحب أن يلقن أصحابه درسا لم ولن ينسوه, فعندما حضر شيخنا بالفصل وسأل عن من حفظ ومن قصر, وأجاب الجميع بأنهم حفظوا وعلى استعداد تام للتسميع, وبدأ بالفعل فكان منهم الحافظ والمتردد قليلا الذي اكتفى شيخنا تعنيفه لفظيا فقط حيث اجتهد, وجاء الدور على أحد الأصدقاء الغشاشين الخائفين والمتوترين, ففتح الكتاب وبدأ في القراءة والشيخ يصحح له الأسلوب حتى جاء لآية يعلم ما في السماوات وما في الأرض, فقرأها جعلم ما في السماوات وما في الأرض, والشيخ يصحح له بقوله يعلم, ثم يعيدها القارئ في الكتاب جعلم, حتى ثار شيخنا قل يعلم, فرد القارئ بثقة وقوة أنها هاكذا في الكتاب, مما أثار ضحك الشيخ فضحك ضحكة رجت الفصل وكأنه مارد خرج من قمقمه ساخرا يتوعد من أخرجه بالويل, ونزل بعصاه على رأس القارئ الغشاش ليسكته حيث فضحه لسانه وسوء تصرفه, ثم جاء الدور على صديق أخر له جولات وصولات مع صاحبنا الذي كان يكن له كل محبة ورغبة في الخير وجاءت اللحظة ليلقنه درسا حفاظا على مصلحته, فبدأ في القراءة أيضا من الكتاب وكأنه يسمع من الذاكرة, وبعد دقيقة واحدة من القراءة مد صاحبنا يده ليضعها على يد القارئ وكأنه يثبت غشه بالدليل فيتوقف القارئ عن تسميعه ظنا منه أن الشيخ قد أمسك به متلبسا بالغش, فيسمع الشيخ من على منضدته يقول له أكمل لماذا توقفت, فيعيد القارئ الكارة وهو يفكر فيمن أمسك بيده, وهل هذه خدعة من الشيخ أم من أحد الحاقدين, وبعد برهة من الزمن يمد صاحبنا يده مرة أخرى ليمسك يد القارئ فيتوقف مرعوبا اعتقادا بأنه الشيخ, وعندئذ ثار الشيخ من بعيد وأقر بعدم حفظ القارئ الغشاش وجاء إليه ليعطيه نصيبه من كعكة العصا المسحورة التي أصابته بالمس فقرر ألا يغش مرة أخرى, وظل يبحث عن من عرضه لهذه الإهانة, هل هو أحد الأصدقاء أم عفريت من الجن قد سلطه الشيخ لمراقبة الغشاشين وكشفهم ليكونوا عبرة لمن يعتبر ومن بينهم صاحبنا العارف لقدر العصا المسحور.