بقلم د. ناصر السلاموني
إنها قريتى التى ولدت على أرضها ونشأت فيها وسرت في شوارعها ودروبها وتربيت مع أصدقائى متنقلا في منازلهم وهم فى منزلى .كان أبائهم أعماما لى وكذلك والدى لهم.
إنها درة القرى فى محافظتى بل اسمها فى خمس قرى فى محافظات مصر إنها سلامون طما سوهاج.
اتذكر طيبة ونقاء أهلها وخلو بالهم من الأحزان والهموم وخلو قلوبهم من العداء لبعض والحقد والكراهية بل امتازت سلامون بالهدوء وحسن الجوار والعائلات يجمعها النسب فتجدهم جسدا واحدا وإن اختلفت العائلات.
اتذكر جلسات جدى الشيخ محمد طه وهو بين أصدقائه في وقارهم وحبهم لبعض ووالدى وأصدقائه وحبهم له ومشاركته لهم فى أعمال تفيد القرية من ناد رياضى وجمعية تنمية المجتمع ومسجد الشهيد حسني بدوي اتذكر تفانيه فى عمله مديرا لمدرسة سلامون الإعدادية و كنت بها مدرسا وأختى طالبة.
اتذكر كيد أعدائه ومؤامراتهم له وهو بطل صامد.
اتذكر ارتباطى بنادى سلامون الرياضي ورسوماتى وأعمالى به وتشجيع مدير النادى الأستاذ عبد الرحيم علي عب العال.
اتذكر مدرستى الابتدائية ومعلمى المدرسة ومدى حبهم لمهنتهم وحبهم لتلاميذ البلده.
اتذكر مدى ترابط الطلاب والشباب خارج القرية وحبهم لبعض.
كانت قريتى صغيرة الرقعة تحيطها حدائق الرمان وكانت من أشهر القرى زراعة له وتحيطها الحقول وتزين جسورها الأشجار فتستيقظ فجرا إلى الحقول فتشم روائح الزهور وأوراق الكافور وترى بسمة الرضا على الوجوه بما قسم الله لهم من رزق وهم عائدون بماشيتهم وحصادهم مع غروب الشمس فتجد الجميع يسير محملين قلوبهم حبا واحتراما.
اتذكر تنافسنا على التفوق ونفرح بتفوق الآخرين ويتباهى أهل القرية بتفوق أبنائها ويبارك ويهنئ.
اتذكر مشاركة القرية بأسرها في الأحزان ومستحيل أن يعقد فرحا وأحد أفرادها متوفى.
اتذكر أفراحنا وبساطتها فى شوارع القرية والكل يحضر ويبارك ويجامل ويسعد بسعادة أهله.
اتذكر أن للقرية كبارا كان لهم ألف حساب ويحترمهم الجميع لمكانتهم ورجاحة عقلهم وحكمتهم.
اتذكرسوق القرية البسيط يوم الخميس وذبح الماشية مرة واحدة في الأسبوع فلا غش ولا زيادة ولا بخس فى الميزان.
اتذكر الأدب والحياء بين الكبير والصغير الاحترام متبادل بلا ألفاظ دون المستوى ولا سباب أو شتائم ولا حتى يجرؤ الصغير أن يرفع عينه فى الكبير.
اتذكر خوفنا من معلمنا أن يرانا فى الشارع فيظن أننا مقصرين فى مذاكرتنا فيغضب منا فنهرب ونختبئ منه.
اتذكر معايرتنا لمن كنا نعرف أنه يأخذ درسا خصوصيا لأنه يكون أقل تحصيلا منا.
اتذكر قريتى وأعلم أنها نموذجا لكل قرى مصر التى كان أهلها يحبون بعضهم ويشعرون بشعور بعضهم ويحترم كل منهم الآخر ويشاركون بعضهم الأفراح والأحزان ويقفون بجوار المظلوم فى وجه الظالم ويفرحون بالمتعلمين ويتباهون بهم حتى أن كانت القرية أخلاقا نفتخر بها كما افتخر بها الرئيس السادات.
ولكن هل قريتى وغيرها هى هى.
أصبحت قريتى كمدينة حيث تمددت كأخطبوط قبيح اكلت مبانيها القميئة حدائقها وحقولها.وانتحرت أشجار جسورها وماتت طيورها وهربت بلابلها.
وكثر أهلها وتناثروا فى أرجائها وتفاخروا بأنسابهم فتشاجروا وتباهوا بأموالهم فتكبروا وتلاهوا بما فى أيديهم من وسائل التواصل فضلوا بعدما ظلوا طوال الليل سهارى فناموا حتى العصر فضعفت أجسادهم وفترت عزيمتهم وساءت قدرتهم.
لم يعد بيننا سوى معرفة هلاميه ونظرات لاتدرى أهى نظرة انك تعيش معى فأعرفك أم نظرة يعتريها ألا مبالاة.
فقدنا أهم الروابط وهو الولاء للقرية النابع من الولاء للعائلة واحترام الكبير وتشجيع الصغير وفقدنا حبنا لقريتنا فلم نفكر كيف ننهض بها فأصبحنا مطمعا لكل من يريد أن يكون نائبا فى مجلس النواب وعندما أحب أحد أبناء القرية الترشح لم يشجعه بعض أهل القرية حقدا وغلطة .
فلتعد قريتى ولكن أظن كل الطرق مغلقة ولاتفتح إلا إذا فتحنا قلوبنا على حب الوطن والانتماء والتمسك به وهذا قمة الإيمان.

More Stories
بين سحر “زبيدة ثروت” وصوت المستقبل الفنانة سميرة محمد تستعد لإطلاق أولى أغنياتها وتُشعل منصات التواصل
المستشار الإعلامي محمود رضوان.. بصمة اقتصادية رائدة تُتوجه ضمن “أفضل 100 شخصية مؤثرة” لعام 2026 جريدة الحياة نيوز
صدور العدد السادس والخمسون مجلة البنفسج للثقافة والفنون