هناء محمود
إن مشكلة السمنة من المشاكل الصحية التى تؤرق الكثير من الناس بمختلف فئاتهم العمرية, وما زالت الأبحاث مستمرة فى هذا الشأن ومن أهم الدراسات التى أجريت فى هذا المجال: دراسة أجراها فريق بحثي من جامعة “بيرجن” النرويجية عن “السمنة وإرتباطها بالفئات العمرية” ,و أراد الباحثون في هذه الدراسة إستكشاف كيف تؤدي زيادة الوزن لدى البالغين (مؤشر كتلة الجسم فوق 25 وفق معايير منظمة الصحة العالمية)، أو السمنة (مؤشر كتلة الجسم أكثر من 30) إلى خطر الإصابة بأنواع مختلفة من السرطان.
وتقول الأستاذة/تون بيورجا ,بقسم الصحة العامة والرعاية الأولية بجامعة بيرجن، والباحثة الرئيسية في الدراسة- في تصريحاتها لـموقع مجلة “للعلم”: “إن السمنة تعتبر تحديًا رئيسيًّا للصحة العامة، وهي عامل خطر محدد لعدة أنواع من السرطان وقد إرتبطت زيادة الوزن لدى البالغين بزيادة خطر الإصابة بالسرطان، لكن الدراسات المتعلقة بتوقيت حدوث السمنة والمدة التي قضاها الفرد معانيًا من زيادة الوزن كانت نادرة نسبيًّا”.
وتضيف “بيورجا”: أجرينا الدراسة بالتعاون مع مشروع متلازمة التمثيل الغذائي والسرطان، حيث قمنا بتجميع بيانات ست مجموعات أوروبية من ثلاث دول (السويد، النرويج والنمسا)، ثم فحصنا تأثير مؤشر كتلة الجسم وتغيرات الوزن مع مرور الوقت، وكذلك المدة التي قضاها أفراد العينة معانين من وزن زائد، على تزايُد احتمالات الإصابة بالسرطان. وتلك الدراسات لها أهميتها حيث يشير تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية في عام 2018 إلى أن معدل السمنة زاد حوالي ثلاثة أضعاف منذ عام 1975، وأن 39٪ من البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 سنة وأكثر عانوا من زيادة الوزن في عام 2016، في حين بلغت نسبة مَن يعانون من السمنة 13%”. وبلغ عدد الأطفال دون سن الخامسة الذين يعانون من زيادة الوزن/أو السمنة 41 مليون طفل، وأن أكثر من 340 مليون طفل ومراهق تتراوح أعمارهم بين 5 أعوام و19 عامًا عانوا من زيادة الوزن أو السمنة، وفق التقرير ذاته.
وتشير خريطة البدانة حول العالم إلى تربُّع دولة “ناورو” على قائمة أكثر بلدان العالم معاناةً من السمنة المفرطة، بنسبة بلغت 61٪ من سكانها، واحتلت الكويت المركز الرابع على مستوى العالم، متصدرةً قائمة الدول العربية من حيث البدانة، أما مصر فقد بلغت نسبة البدانة فيها 32.10% وفق تقديرات منظمة “ورلد بوبيليشن ريفيو” (WPR).
وتضيف “بيورجا”: أخضعنا حوالي 220 ألف فرد للدراسة، إذ أجرينا قياسات الطول والوزن ومؤشر كتلة الجسم لأفراد العينة كل ثلاث سنوات, وتم تشخيص إصابة 27.881 ألف شخص بالسرطان في أثناء المتابعة، منهم 9761 (35%) كانوا يعانون من السمنة، وذلك بإستخدام أحد النماذج الإحصائية لتقييم التدابير المختلفة لخطر الإصابة بالسرطان.
ويقول عماد الدين فهمي ,إستشاري التغذية العلاجية, في تصريحاته لـ”للعلم”: “إن هناك عدة عوامل تسببها السمنة قد تؤدي إلى خطر الإصابة بالسرطان، منها : وجود علاقة بين كثرة الدهون في الجسم وإرتفاع مستويات الإنسولين وهرمونات النمو؛ إذ يؤدي هذا الإرتفاع إلى تحفيز الخلايا على الإنقسام بشكل أكبر، وهناك أيضًا موت الخلايا الدهنية الموجودة بكثرة في الجسم؛ إذ يرسل الجسم خلايا مناعية لإزالة الخلايا الميتة، مما يسبب حدوث الإلتهابات التي بدورها تزيد من سرعة إنقسام الخلايا وبالتالي زيادة خطر الإصابة بالسرطان. كما تقوم الخلايا الدهنية بدورها بتصنيع وإنتاج وتخزين هرمون “الإستراديول “وهو الشكل الأكثر شيوعًا من الهرمون المعروف باسم الإستروجين، ويزداد هذا التصنيع بعد بلوغ مرحلة إنقطاع الطمث؛ إذ يعتبر الإستروجين من أهم العوامل التي تحفز إنقسام الخلايا بشكل سريع، خاصةً في منطقة الثدي والرحم، مما يسبب حدوث سرطاني الثدي والرحم”.
ويضيف “فهمي” :أن “الأشخاص الذين يعانون من السمنة في عمر أصغر يكونون أكثر عرضةً للإصابة بمرض السرطان من الذين يزداد وزنهم في عمر أكبر؛ فعلى سبيل المثال نجد أن النساء اللاتي يعانين من السمنة في مرحلة المراهقة قبل سن البلوغ هن أكثر عرضةً للإصابة بالسرطان بعد سن انقطاع الطمث؛ وذلك لأن السمنة قبل سن البلوغ تؤدي إلى زيادة عدد الخلايا الدهنية ثم زيادة حجمها بعد انقطاع الطمث، أما السمنة التي تبدأ في سن متأخرة فتؤدي إلى زيادة حجم الخلايا الدهنية وليس عددها”.
ويقول “فهمي”: يؤدي إنزيم “أسيتيل كو إيه كربوكسيل 1” دورًا مهمًّا في مقاومة الخلايا السرطانية عن طريق تحفيز تكوين الأحماض الدهنية الجيدة، لكن وظيفة هذا الإنزيم تتعطل بفعل كلٍّ من سيتوكينات اللبتين وعامل النمو المحوّل بيتا (TGF-β)، وترتفع مستويات هذه المواد في الدم لدى أصحاب الوزن الزائد؛ إذ تؤدي السمنة إلى زيادة نسبة “سيتوكينات الليتين” في الدم، مما يجعل السرطان أكثر عدائية؛ إذ تؤدي السمنة إلى تثبيط عمل هذا الإنزيم وتمنعه من أداء وظيفته وعدم تكوين أحماض دهنية مفيدة للجسم، ويؤدي ذلك إلى تراكُم الأحماض الدهنية غير المُستقرة التي تُسمى “أسيتيل كوا إيه”، والتي تتغذى عليها الخلايا السرطانية، ما يجعلها أكثر عدائيةً وعنفًا”. ومما يزيد الأمر سوءًا أن البدانة قد تصبح السبب الأول الرئيسي للسرطان بعد 25 عامًا، وفق دراسة أجراها معهد أبحاث السرطان في بريطانيا عام 2018، محذرةً من أنه “بحلول عام 2035، سيكون 10٪ من أنواع السرطان لدى النساء ناتجًا عن استخدام السجائر، بينما تكون زيادة الوزن مسؤولة عن 9٪ من الإصابة بالسرطان. لكن في عام 2043، من المتوقع أن تتفوق السمنة على التدخين ضمن قائمة مسببات الإصابة بالسرطان.
النتائج السابقة دفعت “بيورجا” إلى دق ناقوس الخطر، محذرةً -في تصريحاتها لـ”للعلم”- من أن “زيادة الوزن لدى البالغين ارتبطت بزيادة خطر الإصابة بعدة أنواع من السرطانات الرئيسية، مثل سرطان بطانة الرحم وسرطان الثدي بعد انقطاع الطمث. كما أن درجة وتوقيت ومدة زيادة الوزن والسمنة قد تكون من العوامل المهمة في الإصابة بهذا المرض الخطير. فعلى سبيل المثال نجد أن زيادة الوزن قبل سن الأربعين زادت من خطر الإصابة بجميع أنواع السرطان المرتبطة بالسمنة بنسبة 15٪، مع زيادة المخاطر خاصةً بالنسبة لسرطانات بطانة الرحم والكلى والقولون”.
وتقول “بيورجا”: في المقابل، لم نتوصل في نتائج دراستنا إلى وجود أي إرتباط لأنواع السرطانات غير المرتبطة بالسمنة ,وتوصياتنا الرئيسية إذًا هي أن منع زيادة الوزن قد يكون إستراتيجية مهمة للصحة العامة؛ للحد من خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان.

More Stories
رابطة المرأة الفلسطينية تنظم البازار السنوي “تراثنا يجمعنا” بمشاركة خمسين عارضا من مصر وفلسطين والسودان*
نسرين رمزى فى ضيافة زينة طعم البيوت للحديث عن المشاركة الايجابية للانتخابات البرلمانية
الأكاديمية المصرية بروما تطلق “المسلات المصرية.. في روما”