د.محمد عبد العزيز
كاتب وباحث اقتصادي ومتخصص في الشئون الأفريقية
صرح الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” عن أمله في الانتهاء من خط الغاز الطبيعي الذي سينقل الغاز من روسيا إلى غرب أوروبا خط “نورد ستريم ٢” ، والجدير بالذكر أن الخط كان مقررا له العمل مطلع ٢٠٢٠ وصرحت المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” أن السبب الرئيسي للتأخير في بداية عمل خط الغاز الروسي الجديد لنقل الغاز إلى غرب أوروبا يرجع إلى العقوبات الاقتصادية الأمريكية على روسيا والتي تعتبر عقوبات عابرة للقارات ومعوقة للحياة والنشاط الاقتصادي خارج حدود الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها بشكل غير مقبول ، وبذلك يتضح تنامي وقوة علاقات روسيا مع دول غرب أوروبا وزيادة نفوذها من قبل بداية خط الغاز الجديد في العمل ، وهذا ما يقلق بعض الدول الأوروبية مثل أوكرانيا الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية حيث صرح مسئولين في أوكرانيا بأن خط الغاز الروسي الجديد الموجه لغرب أوروبا سوف يزيد من أوراق الضغط السياسي لدى روسيا على دول غرب أوروبا .
ومن الجدير بالذكر أن هناك إكتشافات للغاز الطبيعي في دول شرق البحر الأبيض المتوسط وسوف يوجد خط غاز لنقل الغاز من إسرائيل لأوروبا ومن الممكن أن تقوم مصر بالانضمام لذلك الخط في أقل من عام لقرب المسافة وتوفر البنية التحتية اللازمة للربط مع خط الغاز الموجه من إسرائيل لاوروبا ، لكن لدى مصر أكبر بنية تحتية في شرق البحر المتوسط لإسالة الغاز الطبيعي وبيعه مسال بميزة تنافسية وقيمة مضافة تفوق ضخ الغاز الطبيعي بصورته الغازية .
فهل مشاورات الرئيس بوتين مع أردوغان بعد إعلان أردوغان نيته لأرسال قوات تركية إلى ليبيا لها أهداف اقتصادية غير معلنة وهل لدى ميركل التي ستتولى عقد مؤتمر لحل الأزمة الليبية أهداف اقتصادية غير معلنة ، لقد أكد رئيس روسيا أن نقل جنود مرتزقة من سوريا إلى ليبيا أمرا مرفوضا لأن تركيا لن تقاتل في ليبيا بجهودها ولكن من خلال الميليشيات التابعة لها في سوريا وتريد نقلهم إلى ليبيا وكل ذلك بسبب رغبة أردوغان في قطع الطريق على أي إمدادات للغاز الطبيعي من دول شرق المتوسط إلى أوروبا لينال نصيبا من تلك الكعكة ، وبالطبع لن تعبأ به اسرائيل ولن يستطيع الرد عليها فلم يتبق له إلا دعم جماعة الإخوان المحظورة ونقل الإرهابيين من سوريا إلى ليبيا حتى يتخلص منهم .
ومن هنا يجب على مصر الحفاظ على أمنها الاقتصادي في حقول الغاز المصرية في البحر المتوسط والحفاظ على الأمن القومي المصري من خلال استقرار ليبيا وسلامة ووحدة ليبيا وخلوها من الإرهابيين ، وفي المقابل وفور قيام الولايات المتحدة الأمريكية بتصفية قائد فيلق القدس الإيراني قامت القوات الألمانية ضمن قوات التحالف الموجودة في العراق بالانسحاب من العراق تعبيرا عن رفض سياسة التصعيد الأمريكية في الشرق الأوسط وهناك اختلاف في التوجهات بين ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وهذا ما دفع أنجيلا ميركل للتعليق على العقوبات الاقتصادية الأمريكية على روسيا بأنها مُعطلة لخط الغاز الروسي الجديد وأنها عقوبات عابرة للقارات أي أن التقارب الروسي الأوروبي خاصة مع دول غرب أوروبا اصبح يتعارض مع التوجهات الأمريكية وقد يقوض النفوذ الأمريكي ليس في أوروبا وحدها ولكن في الشرق الأوسط أيضاً .
وقد يكون التقارب الروسي الأوروبي يهدف إلى حل الأزمة الليبية سياسيا ولكن خلال فترة زمنية تسمح بالانتهاء أولا من أعمال خط الغاز الروسي الجديد وقبل بداية عمل أي خط غاز من دول شرق المتوسط سواء من إسرائيل أو مصر ، فهل التقارب الروسي الأمريكي يهيمن على المصالح الاقتصادية المشتركة بين روسيا وأوروبا ويهيمن على أشكال توازن القوى في الشرق الأوسط والعالم ، هل رؤية المستقبل يمكن أن تتشكل بصورة أكبر من خلال الرؤية الروسية والرؤية الأوروبية المشتركة بصورة تفوق الرؤية الأمريكية ، هذا ما ستجيب عنه الأيام ؟ ، خاصة وأن روسيا فعليا لا تريد الحرب في ليبيا وتحتفظ بعلاقات طيبة مع كل الأطراف في مصر وتركيا لكن نقل المرتزقة من سوريا إلى ليبيا سوف يجعل روسيا تخسر كلا الجبهتين في ذات الوقت ، الأرجح من وجهة نظري أن وجهة النظر الروسية تجاه أي تسوية في سوريا هي تسوية لضمان بقاء روسيا في ميناء طرطوس في المياه الدافئة بالبحر الأبيض المتوسط وأي تسوية في ليبيا هي تسوية لضمان المصالح الاقتصادية لروسيا في تدفق الغاز الروسي لأوروبا قبل أي دولة أخرى يمكن أن تضخ الغاز لأوروبا .

More Stories
يوم اليتيم بآداب المنوفية… احتفالية إنسانية بروح العيد ترسم البهجة في قلوب الأطفال
مروة أبوسالم حين تتحول الإنسانية إلى رسالة والإعلام إلى نور يصنع الأمل
التطوع:صناعة البطل الحقيقي