مارس 9, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

لا اعترف بدور النشر تحت السلم بمعرض الكتاب

 

إبراهيم عطا الله

كنت قـد نشرتُ كلمة مساء الأربعاء وعدت بها أن أذكر كلّ شيءٍ بلا تمهُّلٍ لتفكُّرٍ ومن دون مراجعة أحـدٍ مخافة أن تكثر العداوات من حولي لأني بذلك أُهيّج بعض القوم كما قال بعضهم … لم أتمهّل ولم أراجع إذ كان حراك النشر في مصر إنما هو حالة من العبث تدور بين الكذب تارة ، والاستغلال أخرى ، والضعف المستتر ببهُرج اللفظ ثالثةً ، وها أنا أبدأ هذه المقالة التي انتظرها الأصحاب ليقف كلّ راغبٍ في نشر كتابٍ وفق أصولٍ صحيحةٍ على ما يجب فعلُه بهذا الصّدد .
اعلم أنّ طباعة 100 نسخة من كتابٍ صغيرٍ مقاسه 14 / 20 أو 21 بورقٍ أصفر لا تكلّف النسخة بمطابع الأوفسْت سوى 10 جنيهات ، وبمطابع الديجيتال ما يعادل 11 من الجنيهات المصرية فإنْ زادت النسخة هنا 50 قرشًا فلا بأس ، ولا يزيد الأمر عن ذلك .
فإن سألتني : فما هو الفارق بين طبعة الأوفسْت وطبعة الديجيتال ؟
أجبتك قائلاً : هما في نظرة العاميّ غير الخبير واحد ، غير أنهما يختلفان من دون ريبٍ ، فنسخة الأوفسْت أرخص وأقوى في آنٍ ، غير أنّ مطابعها من ذلك الطراز الكبير فهي تقضي في طباعة العمل ما بين العشرين يومًا إلَى شهرٍ إذ هذا النوع من المطابع مزدحمٌ عادةً ، وأما الديجيتال فالمراد به ما يطبع على تلك الماكينات الرخيصة التي تُشترى بستين ألفًا من الجنيهات ، وطباعة هذه الماكينة سريعة جـدًّا لأنّ حركة التجميع بها ليست مركّبة كحركة مطابع الأوفسْت ، ولذا فهي أغلى سعرًا م الأوفسْت بجنيهٍ أو اثنين ، لأننا نحتاج إليها في الظروف القاهرة حينما نريد أن نطبع 100 نسخة في يومٍ .
فسواء أطبع الناشر الكتاب هنا أو هنا فإنّ الأسعار بالأسواق حاليًا لا تجاوز ما قـد قـرّرتُ بحالٍ من الأحوال .
وهنا قـد يظهر ناشر ويقول لك : إنّ سعر النسخة في بعض المطابع لا يجاوز 8 جنيهات ، وأقول أنا : هذا صحيح ، غير أنها مطابع إخراجاتها لا تشرّف ، لا من جهة تماسك الغلاف وشدّته ، ولا من جهة تغليفه ـ إن وجـد ـ ، ولا تجـد به ( الريجا ) ، والريجا في غلاف الكتاب من أهمّ ميزات الإخراج .
وقـد اعتدنا أن نرى بعض الناشرين من المزيفين يتحدث بعد سعر النسخة ، وهو أعلى مما قلتُ كما يعلم الجميع ، عن تكلفة النقل من المطابع إلَى دار النشر ، ثم يضيف إلَى ذلك ثمن تغليف كلّ نسخة وهو ما يسمّى بـ ( الشرنك ) ، أي غلاف البلاستيك الذي يحفظ النسخة .
فاعلم أنّ كلّ هذا كـذبٌ ، فإنّ دار النشر التي تعرف معنى الاحترام لا تتحـدّث مع عميلٍ في تكلفة نقلٍ ، وأما عن تغليف النسخ فإنّ المطابع تفعل ذلك من داخل التكلفة التي ذكرتـُها ، وهذا متوفّر بمطابع الأوفست الضخمة وقلما تجـده بمطابع الديجيتال لأنّ الناشر لا يلجأ إليها إلا مضطرًّا في الأوقات العصيبة .
وأما عن سعر الغلاف ، فقد تعاملتُ مع أناس من المتقنين، فأقصى حـدٍّ للغلاف الشعبيّ 100 جنيه ، وأما أسعار المصممين المحترفين فتبدأ من 150 جنيهًا للتصميم الذي يصلح أن يكون غلافًا للعرض بدور النشر الكبيرة ، وهذه الأرقام لا بدّ أن ينتبه لها المؤلف سواء أتعامل من خارجٍ أو عن طريق دار النشر .
ثم اعلم أنّ الورق الأصفر ليس أعلى سعرًا من الأبيض ، فهما واحـدٌ ، وإنما يلجأ بعض الناشرين إلَى التفرقة لسببين … إما لإيهام المؤلف أنّ الأصفر أغلى ، وإما لأنّ مطابع النشر ضعيفة القدرات لا تمتلك كميّات من هذا النوع .
ثم نأتي إلَى سعر الملازم ، فاعلم أنّ أوراق الملزمة الواحدة 16 صفحة ، وحسابات المطابع تكون كالآتي :
ـ كلّ 100 نسخة ، تشتمل النسخة على 112 صفحة ، أي 7 ملازم ، يتم التعامل معها بحساب النسخة ، أي سعر المائة في الأوفست تقريبًا 1000 جنيه ، بما في ذلك تغليف النسخ ، وفي الديجيتال 1100 ، أو 1130 ، وهذا بأسعار الوقت الحالي … فإذا زاد عدد الملازم ، فاعلم أنّ سعر الملزمة الواحدة بعد الصفحة 112 هو : 120 جنيهًا إلى 130 .
ونصل بعد كلّ هذا إلَى الكلام الأخير :
ـ لماذا تتفاوت الأسعار بين دار نشرٍ وأخرى ؟
على المؤلف قبل أن يبدأ في التعامل مع دور النشر أن يفهم طبيعة الفوارق بينها ، فدور النشر في مصر مجموعات ،
ـ مجموعة ( أ ) : كدار الشروق ، والمصرية اللبنانية ، ونهضة مصر ، ودار المعارف
فهذه الدور أملاكها وعقاراتها ضخمة ولذا فهي تمتلك خزانة متسعة ، وشُهرتها عريضة ، ولا ينشر بها إلا المشاهير بإطلاق ، فإذا أراد أحدهم أن ينشر بها فلا بدّ أن يدفع مبلغًا كبيرًا ، وهذا لا شيء فيها إذ اسم المؤسسة كفيلٌ بزحف اسم المؤلف لأبعد المناطق .
ـ مجموعة ( ب ) : كدار أطلس ، ومؤسسة طيبة ، ودار كنوز ، والمؤسسة العربية للعلوم والثقافة ، ودار البشير .
وكلّ دار أو مؤسسة تستطيع أن تخـرج إلَى أكثر من ستة معارض دولية وتشارك بأكثر من معرض داخليّ فهي تنتسب إلَى هذه المجموعة ، وإن كانت المعارض الدوليّة هي الأصل ، كما أنّ دور هذه المجموعة عقاراتها بالامتلاك ـ في الغالب ـ وليست بالإيجار ، مما يدلُّ على الثبات ، مع اختلاف درجات هذا الثبات ، وإذا استثنيناء مجموعة ( أ ) لأنها بالفعل استثناء ، فمجموعة ( ب ) هي دور النشر المعروفة بالحراك الواسع داخل مصر وخارجها ، مع تفاوت في الإمكانات والقدرات .
ـ مجموعة ( ج ) : وهي كلّ دار نشر حديثةٍ ، ليس بإمكانها أن تخـرج إلَى المعارض الدوليّة وليس لها من نشاط ملحوظٍ بالمعارض الداخلية ولا تتعامل مع مراكز توزيع تحترم منتجاتها ، فإنّ مراكز التوزيع الكبيرة تحتـرم في الأساس أفراد المجموعة ب ، وتنظر للمجموعة ج نظرة احتقارية ، كما أنّ مطبوعات هذه المجموعة الأخيرة أقلّ جودة ، أي أنها في الغالب لا تليق بالعرض بالمراكز الهامّة النشطة .
إذن … نسبة ربح الكتاب ، أي النسبة التي يضعها الناشر على المؤلف بعد خصم سعر التكلفة الأصليّ لا بدّ أن يتناسق مع تاريخ الدار ، وإمكاناتها ـ من حيث المعارض الدوليّة في الأساس لأنّ من امتلك القدرة على الدفع بالدولار والخروج للمعارض العربية فهو قادر على الكثير من بعد ذلك، وطبيعة المنتج ، وسُمعة الدار في التعامل لا سيّما بصدد عقود التوزيع .
وتبدأ الأرباح بالمجموعة ( ب ) من 500 جنيه فما فوق ، وهذا يعود إلَى أمور ، منها عدد المعارض التي تشارك بها الدار عربيًّا ، وعدد المعارض التي تشارك بها الدار داخل مصر ، ومراكز توزيعها ، ومدى شُهرتها بالمصداقية .
هذه هي خلاصة الحكاية ، أردتُ بها أن أُفهم المؤلفين كيف يكون الأمر من جهة المال ومن جهة الانتشار الصحيح للاسم ، وفي نهاية الأمر فالأسعار حرية شخصيّة ، إلاّ أنّ اللبيب هو من يدفع المبلغ الذي يتساوى مع قدرات الناشر ، وإياك إياك أن تغتر بـ ( سوف ) ، و ( أنت من رجالتنا ) ، و ( أنت من كتّاب الدار المميزين ) ، فهذا كلّه عبثٌ ، فإنّ العمل الجاد له شروط ، وقـد ذكرناها .
وقـد أعـود إلَى هذه المقالة لأزيد شيئًا … والله من وراء القصد .