يوليو 18, 2024

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

نوادر العميان في مجتمعنا الغفلان طارق حلمي الشناوي

ترقبوا حلقات حكايات من مواقف المكفوفين المختلفة التي تواجهم من خلال الاحتكاك بمجتمعنا وسنطلق عليها عنوان من العناوين التي كانت متبعة منذ زمن بعيد: نوادر العميان في مجتمعنا الغفلان, وذلك للحكي والمتعة والسخرية والتوعية والتعرف على فئة من فئات المجتمع المغلوب على أمرها نظرا لثقافة ووعي المجتمع الذي نعيش فيه والذي لا يهتم بأي فئة بالشكل الذي يقنعنا. وهذه أول الحلقات افتحوا لها قلوبكم وعقولكم نبدأ باسم الله.

تعارف الناس فيما بينهم أن العميان لا يمكنهم التعرف بشكل جيد المكان الذي يسيرون فيه, ويعتقدون أنهم يعدون الخطوات ويعتمدون على الشم والسمع فقط حتى يعلموا المحيط حولهم, وعندما يحدث أن أحد العميان يلقي السلام على شخص يعرفه أو يحدد مكان يسير فيه, يصاب رفيقه في السير بالاندهاش والاستغراب ويظل يسبح ويستغفر ويتعجب من خلق الله الذي عوض عباده بنعمة الإحساس لذلك وبدون إطالة.


كان صاحبنا يسير في الشارع الذي يسكن فيه ويحفظه عن ظهر قلب ويمكنه الحركة فيه لمعرفته جيدا ولكن يفعل ذلك عندما يكون الوقت مبكرا ويخلو من المارة وعربات اليد والتي جرها الحمير ويقصد صاحبوها الوقوف بمنتصف الشارع للبيع والنداء على بضائعهم, ودائما يدور بخلده الخوف والقلق من مفاجآت الحفر والبالوعات المفتوحة بغير سبب ولا موعد متفق عليه, لذلك يسير في حزر ليتجنب كل هذا, وأحيانا يتبرع أحد أصحاب المحال بالنداء لأحد المارة ليصطحب صاحبنا للمكان الذي يرغب في الوصول إليه, وكان بالمصادفة طفل لا يتعدى الثانية عشرة من عمره ولم يعترض وأمسك يد صاحبنا واستمرا في السير, وحتى لا يشعر الرفيق بالضيق كان يأخذ صاحبنا في المسامرة معه وكان يجيب باقطضاب وفي حزر وهو يتمنى انتهاء الرحلة في أقرب وقت ممكن, وأثناء الحكي والمسامرة وصل صاحبنا إلى مكان بالشارع به شارع ضيق يختصر الطريق إلى محطة الأتوبيس الذي يركبه للذهاب إلى عمله, وقال لرفيقه ادخل بنا من هنا, ولم يعترض, ولم يبدي أنه غير راضي على هذه الخطوة لما شاهده من أن الشارع ضيق ويبدو من آخره أنه مسدود نظرا لضيقه, ولم يعتقد صاحبنا أن رفيقه قد بدأ في الريبة والخوف والقلق من صاحبنا الذي لا يرى وقد عرف المكان ويطالبه بالعبور منه, فعندما تحولا من الشارع العمومي للدخول إلى الشارع الضيق وبعد خطوات قليلة, سحب رفيقنا يده بشئ من الرعب وأطلق قدميه للرياح دون مقدمات منطقية لسلوكه ولم يعقب, مما أثاء الضحك الهيستيري لدى صاحبنا وتوقف عن السير يفكر وهو مستمر في الضحك ليتخيل ما دار في رأس رفيقه وجعله يتصرف هاكذا, ثم أكمل سيره للمحطة بمفرده عقابا لإحساسه بالمكان ودرايته التي شككت الناس فيه.