كيف أصبحت إسرائيل قوة تكنولوجية؟
“تعلمت درساً من خصمى باق في ذاكرتى”
بقلم الأستاذ الدكتور/ جمال شحاتة
عميد كلية التجارة – جامعة القاهرة
قديما قالوا “إنك إذا عرفت أعداءك وعرفت نفسك فلن تتعرض للخطر حتى في مائة معركة. أما إذا كنت تعرف نفسك فقط، وليس خصمك، فقد تربح أو تخسر. وأخيراً إذا كنت لا تعرف نفسك ولا تعرف عدوك، فستعرض نفسك دائمًا للخطر. في مقالة اليوم احاول تطبيق هذه المقولة من خلال عرض قضية التطور التكنولوجي البارز لإسرائيل ككيان صغير ولكنه مؤثر تكنولوجيا علي المستوى العالمي وكيف نستقى علما نافعا من هذه التجرية ومن منظور إداري بحت لا يخضع للهوى أو التفسير الشخصى المتحيز.
في البداية علينا أن نعلم أن إسرائيل كسبت سمعة طيبة في السنوات الأخيرة كقوة تكنولوجية قوية. فلديها ثاني أعلى تركيز لشركات التكنولوجيا الفائقة في العالم بعد وادي السيليكون الأمريكى ولديها أيضا أكبر عدد من الشركات الناشئة لكل فرد في العالم start-ups per capita in the world. .
ولكن السؤال الأهم هو كيف أصبحت دولة صغيرة كإسرائيل بحجم ولاية مثل نيوجيرسي يبلغ عدد سكانها تسعة ملايين نسمة عملاقا تكنولوجيا ووجهة مفضلة لشركات التكنولوجيا متعددة الجنسيات؟
نركز في هذه المقالة علي فهم التطور التكنولوجى الحادث في الكيان الإسرائيلى لنستقى منه الدروس والعبر التي تساعدنا في فهم وتفسير هذه الظاهرة والتعامل معها من منظور علمي بحت بعيدا عن السياسية واشكالياتها.
لفهم مكانة إسرائيل كرائدة في مجال التكنولوجيا، من الضروري النظر إلى تاريخ دولة كيان إسرائيل والأولوية التي تمنحها للتعليم العالي والبحث المدعوم من الدولة. قبل أكثر من ثلاثة عقود من وجود كيان إسرائيل في عام 1948، أسس المهاجرون اليهود الأوروبيون أول جامعة في البلاد أطلق عليها أسم Technion أو معهد إسرائيل للتكنولوجيا.
ركز دافيد بن غوريون، كأول رئيس وزراء لكيان إسرائيل وأحد مؤسسي هذا الكيان، بشكل كبير على العلم والتكنولوجيا كمحركين للمشروع القومي الصهيوني. لقد كان مفتونًا بتكنولوجيا القرن العشرين، و علي الباحثين مراجعة المراسلات المكتوبة من الخمسينيات والتي تكشف عن اهتمام هذا الرجل بمجالات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي الناشئة آنذاك.
ومن هذه الأدلة ما قاله حرفيا البروفيسور إسحاق بن إسرائيل، عضو البرلمان الإسرائيلي السابق ورئيس وكالة الفضاء الإسرائيلية ورئيس المجلس الوطني الإسرائيلي للبحث والتطوير.: “منذ اليوم الأول ، قرر آباؤنا المؤسسون أننا يجب أن نركز بشكل أكبر على” عامل الجودة “أكثر من” عامل الكمية “. حيث كان اعتقاد بن غوريون أنه إذا كان على إسرائيل البقاء على قيد الحياة في منطقة محاطة بأعداء (علي حد تعبيره) تجاوزوها بشكل كبير من حيث الناس والحجم، فإن علي إسرائيل التركيز على تطوير المهارات، لا سيما تلك التي تنطوي على التكنولوجيا.
“عندما قالوا [مؤسسو كيان إسرائيل] عن الجودة، فإنهم يقصدون شيئين: (1) جودة الناس، والتي تتحقق إلى حد كبير [من خلال] التعليم، (2) وجودة العلم والتكنولوجيا. وتستمر الدولة العبرية على هذا المنوال حتى اليوم “كما قال نصا البروفيسور اليهودى إسحاق بن إسرائيل.
والمصدر الآخر لتطوير التكنولوجيا الفائقة يأتي من الجيش الإسرائيلي، كما يطلق عليه جيش الدفاع الإسرائيلي، وهو مؤسسة محورية في دولة تنفق 5.3 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع – وهو من بين أعلى المعدلات على مستوى العالم – حيث يتطلب تطوير التكنولوجيا والمعدات العسكرية فائقة التطورة حصة كبيرة من موارد الكيان الصهيونى.
من بين الأمثلة على تطوير تكنولوجيا جيش الدفاع الإسرائيلي هو إبرام عقدًا بقيمة 100 مليون دولار تم توقيعه في عام 2014 بين وزارة الدفاع وموتورولا لتصنيع جيل جديد من الهواتف الذكية العسكرية، وأجهزة بحجم كرة التنس مزودة بكاميرات وأشعة تحت الحمراء تسمح برؤية عن بعد بزاوية 360 درجة، وتطوير طائرات بدون طيار تعمل بشكل متصل لمدة 36 ساعة و قادرة على تنفيذ مهام بعيدة المدى.
في هذا الصدد نريد الإشارة إلي أن الجيش الصهيونى يعمل كحاضنة ومُسرِّع لبدء الأعمال، وليس من غير المعتاد أن يؤسس مسؤولو الجيش السابق أعمالهم عند عودتهم إلى الحياة المدنية. الأمن السيبراني أو Cybersecurity، وهو موضوع يعد جزءًا من مناهج المدارس الثانوية في إسرائيل ويحتل جزءًا كبيرًا من استراتيجية جيش الدفاع الإسرائيلي، والذي وجد طريقه إلى القطاع التجاري المدنى.
يقول أيضا إسحاق بن إسرائيل ما نصه “لم نكن أول من اخترع أو استخدم تكنولوجيا الإنترنت لأغراض الاستخبارات؛ فالعديد من البلدان لديها بالفعل 30 عامًا على الأقل من الخبرة. لكننا كنا أول من “أخرجها من الخزانة”، لجعلها موضوعًا شرعيًا للصناعة والاقتصاد والبحث الأكاديمي … وليس فقط للاستخبارات و المهمات الأمنية. فهو يعتقد أن التقدم في المجال التكنولوجي والحصول علي المركز الأول ، يجعل المحافظة على الميزة التنافسية لسنوات عديدة أمرا سهلا”.
وعلينا ان نذكر هنا ايضا أن الكيان الصهيونى يستخدم التكنولوجيا العسكرية في السيطرة الأمنية علي الضفة الغربية المحتلة وجماعات معينة داخل إسرائيل وهذا يثير الجدل حول العالم. فتقول الجمعية العالمية للاتصالات المسيحية The World Association for Christian Communication ( WACC)، وهي منظمة غير حكومية لحقوق الاتصالات تتمتع بمركز استشاري لدى منظمة الأمم المتحدة، إن سيطرة إسرائيل على البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الفلسطينية (ICT) قد سمحت بمراقبة جماعية للفلسطينيين وفرض قيود على الحقوق المدنية.
ونسرد هنا بإيجاز محورين اعتمد عليهما الكيان الصهيوني في بناء دولة متطورة تكنولوجيا وبحثيا.
أولاً: إسرائيل كيان يعتمد إعتمادا جذريا علي الشركات الناشئة Start-Up
إن سمعة إسرائيل باعتبارها “دولة ناشئة” لها ما يبررها؛ فلديها أكبر عدد من الشركات الناشئة لكل فرد في جميع أنحاء العالم (حيث ان المعدل حوالي شركة ناشئة واحدة لكل 1400 نسمة) كما أنها تحتل المرتبة الأولى بين البلدان من حيث نصيب الفرد من براءات الاختراع.
في محيط وادي السيليكون Silicon Wadi، هي منطقة السهل الساحلي حيث توجد معظم شركات التكنولوجيا الفائقة في إسرائيل، تأتي في المرتبة الثانية بعد وادي السيليكون من حيث عدد الشركات الناشئة. حيث يوجد مقر لكل شركة تقنية كبرى هناك وتواصل شركات التكنولوجيا العالية مرحلة الازدهار نتيجة الحوافز والسياسات الحكومية ورأس المال الاستثماري (Venture Capital or VC). و بالإضافة إلى عقلية وثقافة المشاريع الإسرائيلية، تلعب الشركات متعددة الجنسيات التي تنشئ مراكز بحث وتطوير دورًا مهمًا في النظام البيئي للشركات الناشئة، هكذا تقول فيونا دارمون ، الشريك العام في VC وشركة الأسهم الخاصة Jerusalem) Venture Partners JVP).
وتمتلك إسرائيل أكثر من 300 مركز للبحث والتطوير وفي عام 2018 استثمرت في البحث والتطوير أكثر من أي دولة أخرى (حوالى 4.95 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي وفقًا لمراجع المنتدى الاقتصادي العالمي.)، ذهب معظم الاستثمار إلى أنظمة الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي والبحوث الطبية والأمن السيبراني Cybersecurity. ويعتقد اليهود ان الاستثمار في البحث والتطوير من خلال الشركات الناشئة Start-Upله دور كبير في النظام البيئي لأنه لا يساعد فقط في اكتساب المعرفة والمهارات بل ايضا يثبت هذا التعليم وتلك المهارات. بإختصار من خلال تبني شركة ناشئة، فأنت تتبنى علاقة مع شركة متعددة الجنسيات أو تحصل علي رأس مال من شركة متعددة الجنسيات.
ثانياً: تعامل كيان إسرائيل مع القضايا الهيكلية Structural Issues
المشاهد من تجرية الكيان الصهيونى أن الجميع لم يستفد من نجاح المشهد التكنولوجي. فالمواطنون العرب (يفضل البعض تعريف أنفسهم على أنهم فلسطينيون أو إسرائيليون) تم استبعادهم تقليديًا نتيجة لما يسميه هانز شاكور ، مدير Tsofen، وهي منظمة غير ربحية تروج للتكنولوجيا المتقدمة داخل المجتمع العربي الإسرائيلي، لعدة أسباب منها ما هو شخصى ومنها ما هو موضوعوي واخيرا منها ما هو هيكلي”.
فبإستثناء الدروز، يُعفى المواطنون العرب في إسرائيل من الخدمة العسكرية الإجبارية. وهذا يترك المواطنين العرب في وضع غير مواتٍ لنظرائهم اليهود الذين يكتسبون مهارات تكنولوجية قيّمة في جيش الكيان الصهيونى. يوضح هانز شكور أنه في المجتمع المدني، لا يمكن للمواطنين العرب الوصول إلى برامج إحالة “أصدقاء يجلبون أصدقاء” أو شبكات تقنية من شأنها أن توفر لهم وظائف في هذا القطاع كما قال نصا باللغة الإنجليزية
Arabs cannot access referral “friends bringing friends” programmes or tech networks that would land them jobs in the sector.
لكن شركة تسوفين Tsofen حددت مثل هذه الثغرات وبدأت في تطوير المواهب التقنية العربية الإسرائيلية من خلال الاستثمار في التدريب والإرشاد وبناء الشبكات بين المرشحين العرب في مجال التكنولوجيا العالية. ومع ذلك، قال أن هذا لا يكفي لدمج المهندسين العرب في التكنولوجيا العالية الإسرائيلية – فمجموع المواهب يزداد حجمًا – وقال لقد حان الوقت للاستفادة من هذه المواهب لتساعد في جذب وجلب شركات التكنولوجيا الفائقة إلى المدن العربية [داخل إسرائيل] و يقول شكور: “هذا سوف يساعد في عملية تعهيد أو إسناد المشاريع للمدن العربية. بمعنى تشجيع تنمية المهندسين العرب للعمل داخل المناطق العربية كممثلين للشركات الصهيونية ولا يسمح لهم بالعمل داخل مشاريع الداخل الصهيونى.
يقول هانز شكور إنه في عام 2008 كان هناك 350 مهندسًا عربيًا فقط في قطاع التكنولوجيا العالية الإسرائيلي (يمثلون أقل من 20 في المائة من الأشخاص ذوي الخلفية الأكاديمية المطلوبة للعمل في هذا القطاع). بحلول عام 2019 ، ارتفع هذا العدد إلى 6600. على الرغم من أن هذا تطور إيجابي، إلا أن 42 في المائة من الخريجين الحاصلين على المؤهلات المطلوبة لا يزالون لا يحصلون على عروض عمل في هذا القطاع.
ومع ذلك، فإن هانز شكور متفائل بشأن التقدم والإمكانيات التي يمكن أن يحققها سد هذه الفجوة. وهو يعتقد أيضًا أن تعزيز النظام البيئي التكنولوجي من خلال تكراره في المدن والمناطق ذات الأغلبية العربية، مثل المثلث (أو منطقة تركز البلدات والقرى الإسرائيلية العربية المجاورة للخط الأخضر) أو النقب، يمكن أن يجذب في البداية المشروعات الناشئة اليهودية والعربية والمهندسين ذوي الكفاءات والقدرات التقنية العالية. و يتساءل هانز شاكور “لماذا لا تستغل هذه الفرصة وتخلق واقعًا أفضل للجميع؟ ففي النهاية سيستفيد الاقتصاد من النمو وستكون هناك مستويات معيشية أفضل للجميع عربا ويهودا.
وخلاصة القول
علينا ان ندقق فيما يحدث حولنا من تطور وان نستقى الدروس والعبر التي تساعدنا في الفهم وحسن التصرف وفي صياغة سليمة لقرارتنا ورسماً عبقرياً لقدراتنا وتخطيطاً مستنيراً لمستقبلنا. وهنا نسرد مجموعة من الدروس المسنفادة من عرض موضوع اليوم.
الدرس الأول: ضرورة احترام الاخرين يسمح لنا بفرص أفضل للتعلم والفهم غير المتحيز
الدرس الثاني ليكن لدينا عقلاً مفتوحاً
الدرس الثالث: التفكير الهادئ يوجه بوصلة المستقبل
الدرس الرابع: نتعلم كيف نتغير بناء علي إرساء رؤية قومية واضحة قابلة للتنفيذ
الدرس الخامس: نتعلم طرقاً أفضل للجدل قوامها التفكير الموضوعى البناء المستند للحقائق والمعلومات وهذا سيجعلنا نتبنى حكماً موضوعياً للأمور.
الدرس السادس: علينا أن تعلم كيف نحافظ علي قواتنا بصورة مستمرة
الدرس السابع: علينا اعتبار التعليم المحور الجوهرى للنهوض بالأوطان
الدرس الثامن: قضيايا تطوير البحث العلمي والتدريب وتبنى التطوير التكنولوجى من الركائز الجوهرية في الحفاظ علي استدامة النجاح والتميز
الدرس التاسع: الإستثمار في البشر أهم أنواع الإستثمارات التي تحقق التميز القومي وتجعل لنا مكانا مرموقا بين الأمم.
الدرس العاشر: قضية التعليم والمعرفة يجب أن تستند للنخبة المتميزة علميا وفكريا وعلينا ان نكتشف اين يوجد هؤلاء وأن نبعد كل البعد عن تقريب السفهاء والجهلاء من هذا الأمر.
والدرس الأخير والأهم: هو ان تأهيل الشباب والإستثمار فيهم وتسهيل انشاء المشروعات الصغيرة الناشئة وتوفير التمويل الميسر لهم من الركائز الرئيسية في التجرية المشار إليها في مقالة اليوم.
خلاص الشكر
جمال شحاتة

More Stories
المستشار شريف الجعار مسيرة قانونية حافلة بالدفاع عن الحقوق وريادة اتحاد المستأجرين
رجل الأعمال أحمد المحمدي رئيس شركة الصخرة للحراسات ينعي ببالغ الأسى ضحايا حادث الدواويس الأليم ويقدم خالص التعازي والمواساة لأسرهم”
محامي مصر الأول: المشرع أباح الزواج المختلط ثم ترك الزوجين تائهين بين ثلاث شرائع