فبراير 14, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

فـــن “الإقناع” بقلــم الأديب د. طـارق رضـــوان

“الدبلوماسي الذكي هو الذي إذا قال نعم فهو يعني ربما، وإذا قال ربما فهو يعني لا، ولكنه لا يقول لا” … (وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر)
إن الجذر اللغوي لمفردة «سياسة» يتكئ على الفعل «يسوس» بما ينطوي عليه من تبعات القيادة واستلام زمام الأمور، وتدبير الشؤون بين السائس والمسوس، بما يحقق قيم التوافق على الإنقياد والطاعة. ولعل أكثر التعريفات التي اكتسبت صيتًا وذيوعًا ما ذهب إليه الواقعيون بقولهم إن”السياسة فن الممكن”، على اعتبار أن هذا «الممكن» يتعامل مع الواقع بموضوعية تتيح دراسة الحالات ووضع الحلول المناسبة بما يحقق الغاية، ويبلّغ المراد، ولا يعني بالضرورة الخضوع إلى الواقع والركون إلى معطياته. وتبعًا لهذا التعريف فإن السياسة بحاجة إلى ملكات عالية، وقدرات مميزة، بخاصة إذا كان الظرف المحيط بالسياسي بالغ التعقيد، وتكتنفه الكثير من المطبات,
إن أتقنت فن الإقناع؛ فستجعل من حولك يعملون بحماس وجدية، وستتمكن من إيصال أفكارك كما تريد، وبطريقة جذابة. يُقصد بالإقناع أن يصبح السامع لك وقد اقتنع بفكرتك، لا باعتبارها فكرتك أنت، بل فكرته الخاصة به، التي انبثقت من داخل نفسه.
مجالات الاقناع إن تاريخ استخدام الإقناع قديم جدا، ويعود إلى عهد أرسطو وأفلاطون، وكان يستخدم في مجال الخطابة، وذلك عن طريق الفصاحة، العبارات، اللغة والرموز، وعن طريق حماسة الخطيب، كل هذه الأمور تجعله يؤثر في المتلقين.
ولكن نبحث هنا جانباً أدبياً وهو ما تهدف إليه دراستى المختصرة من خلال هذه التساؤلات: فمنْ الذى كان يكتب خُطب الحاكم؟ وما طقوس كتابتها؟ وما أشكال الجدل الذى كان يوجد بين أفكار هؤلاء الكتَّاب ومعتقداتهم ومصالحهم وأفكار الحاكم ومعتقداته ومصالحه؟ كيف استطاعت خطب السادات أن تلعب دورا محوريًا فى الحياة السياسية فى مصر والعالم العربى بل وفى العالم أجمع؟ كيف تمكن من توظيف تعبيرات شائعة فى الريف المصرى مثل كبير العائلة ورب الأسرة فى حشد التأييد الشعبى لقراراته السياسية الشائكة، وفى تقليص شعبية معارضيه السياسيين؟ وما طبيعة العلاقة التى كانت تسعى خطبه لترسيخها بين الحاكم والمحكومين؟ لماذا حرص السادات على صياغة هوية إسلامية لخطابه السياسي؟ وما الآثار التى ترتبت على استغلاله للخطاب الدينى وقودًا لعربة السياسة حتى وقتنا الراهن؟.
علينا بداية أن نحدد معايير تمييز النص السياسي عن النص غير السياسي.الخطاب السياسي كما يعرفه د. مازن الوعر: “هو تركيب من الجمل موجه عن قصد إلى المتلقي بقصد التأثير فيه وإقناعه بمضمون الخطاب، عن طريق الشرح والتحليل والإثارة، ويتضمن هذا المضمون أفكارًا سياسيةً. وليكون الخطاب السياسي فعالاً لابد أن يغرس في وجدان جماهيره اليقين بالقدرة على التغيير وضرورة الصبر في السعي إليه، حتى تظل الجماهير ملتفة حول المقاومة ولا تمل من تأخر التغيير وصعوبته فتعرض عن الخطاب.
حتى في عالم الحيوان نجد خاصية الإقناع، حيث نجد سرب الطيور في السماء يكون بشكل مثلث، مما يؤكد وجود قائد للسرب (قمة الثلث)، وتتبعه الطيور الأخرى التي تسمى الأتباع. ويتبع الاسلوب نفسه في الحملات السياسية وحملات جمع الأموال والعلاقات العامة والإجراءات القانونية وغيرها من المجالات.
ومن الضرورى في ميدان السياسة أن نتروى ونفكر هل نبحث السياسة من خلال اللغة (أي أن أداة البحث هي اللغة ومادة البحث هي السياسة)، أم نبحث اللغة من خلال السياسة (وتصبح السياسة أداة البحث بينما اللغة مادته)، الأول يفترض أن للحرية معنى لغويا محددا، لكن السياسي يتلاعب بسياقات المفردة ليحصل على معانٍ مختلفة، والثاني كيف ينبش السياسي اللغة ليصل لمآربه؟ إنها تلك العلاقة بين المتنبي وسيف الدولة؟ فأيهما كان يستغل الآخر؟ فالأول يوظف اللغة ليحصل على السلطة، والثاني يوظفها لتعزيز سلطته.
والخطاب السياسي شيء والتحليل السياسي شيء آخر، فالخطاب السياسي يهدف إلى أن تستشعر مضمونه الجماهير، وذلك باستخدام اللغة القوية ذات الألفاظ الحاسمة، وبجمل بليغة ومبتكرة تؤثر في المستمعين وتحشدهم حول الأفكار.ويفقد الخطاب السياسي مصداقيته إذا تحدث بعيداً عن الواقع وبإمكانيات تفوق طاقته، فعندما تؤكد المقاومة الفلسطينية على إمكانية صمودها في وجه العدوان الصهيوني فهي تكتسب ثقة الشعوب، بخلاف لو تحدثت عن قدرتها الاسترداد الفوري لـ “تل أبيب” مثلاً. فيوجد فرق بين الأمنية والواقع الآني؛ فيُقدّم كل منهما في سياقه الموضوعي.
وأبرز ما استخدم في الإقناع في الحرب العالمية الثانية، حيث استخدمت النازية الأساليب الإقناعية في دعايتها، حيث كان لمستشار هتلر مقولته الشهيرة:«اكذب.. ثم اكذب.. ثم اكذب.. حتى تصدق كذبتك». ولا تزال الدعاية حتى الآن تستخدم الأساليب الإقناعية لتحقيق الهدف منها.
الإقناع مهارة يمكنك الحصول عليها ، يمكن بالتأكيد تحسين فن الإقناع (مثل المهارات الثابتة الملموسة) بالتدريب المناسب. ففن الإقناع قديم، وله مهارات كثيرة تطورت وتشكلت وفقا للمعطيات الحديثة، والعقل البشري يشتغل بطريقة معقدة احيانا، يرفع الحجج العقلية الى مرتبة المقدس، واحيانا يهوي بها لتحتل العاطفة محل البراهين العقلية، ولإقناع الناس يجب الإلمام بطرق اشتغال العقل. باختصار امتلاك قدرات البرهنة العلمية غير كاف للإقناع، ووفقا للدراسات الحديثة، هناك تكتيكات لكسب قلوب الناس، ثم كسب عقولهم. ويقول عالم النفس السياسي بيتر ديتو، من جامعة كاليفورنيا، لمجلة نيويورك: «اذا استطاع الانسان مد جسور العاطفة مع المتلقي يمكن لحظتها الانتقال الى البرهان العلمي القائم على المنطق.”
أولاً عليك احترام وجهات نظر الآخرين، مهما بدت سخيفة، فالشخص الذي يتمتع بقدر عال من الثقة بالنفس يكون أكثر تقبلاً للمعلومات التي تتحدى معتقداته. ويتم استخدم أساليب الإقناع في مجال الإرشاد والعلاج النفسي، لجعل المريض يشفى بطريقة غير مباشرة او لإقناعه بالعلاج الطبي أو النفسي. ويتبع أسلوب الإقناع نفسه في عمليات غسل المخ، بطرق أخرى تقنية، وبإشراف متخصصين، تؤدي إلى تغيير مواقفه واتجاهاته، عن طريق إلغاء معلومات في المخ، ويقوم بذلك عملاء المخابرات (إذا شكت المخابرات الأميركية بخيانة عنصر لها فيمكن أن تقوم بتصفية جسدية أو عملية غسل مخ، أي إزالة المعلومات التي يريدونها أو يقومون بتشويشها) يسمى هذا النوع بالإقناع الإكراهي.
إذا فشلت في إقناع الطرف الآخر بالبرهان فافهمه أولاً واقترب منه. الثقة بالنفس في دراسة أميركية ظهرت عام 2013، تبيّن ان الناس لا ينصتون الى الاذكياء، بل إلى الذين يؤمنون بما يقولون، ولديهم يقين انهم على حق
وختاماً، عليك إن كنت تريد أن تتقن فن الإقناع والتأثير في الآخرين أن تجعل هناك صلة بينك وبينهم متبادلة، فليس من المهم أن تكون أنت المتحدث الوحيد لهم، بل أنك لابد أن تستمع إليهم وبكل اهتمام.