أكتوبر 9, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

ظلال وذاكرة مقدسية وقراءة واقعية في شمولية المسرح في ندوة ثقافي كفرسوسة

محمد نذير جبر 
تصوير حسن عرسان
أقام المركز الثقافي العربي في كفرسوسة ندوة حول فن المسرح وتضمنت محاور عدة بمشاركة كلٍّ من السادة : أ. رضوان هلال فلاحة د. نجلاء الخضراء أ. فضيل حلمي العبد الله والفنان المُخايل علاء الشيخ. وقدمها المسرحي والشاعر سامر منصور بحضور كوكبة من النقاد والباحثين والمهتمين والسيدة نعيمة سليمان مديرة المركز.
جاء المحور الأول تحت عنوان ” قراءة واقعية في شمولية المسرح ” وتحدث خلاله الناقد رضوان هلال فلاحة عن مسائل عدّة على درجة من الأهمية قائلاً :
الفرضيّة الأقرب للعَنونة التي سأبني عليها مقولتي المقتضَبة، الواقعيّة في شموليّة المسرح، هي الحامل الأكثر استيعاباً للمُحقّقِ تعريفاً، المسرح هو الحياة، وانعكاسه التفاعليّ الحياة هي المسرح، وبجدليّتهما إذا ما تمكّنت الأولى من خلال لغتها التعبيريّة المسرحيّة من تقديم رؤيتها الجماليّة كمرتكز معرفيّ كشفيّ وبنائيّ لجهة النص، ببُعديه الإبداعيّ وتداعيات تخلّقه الفكريّ بمساحة تبنّيه للوعي النقديّ للمجتمع، وسويّات ذلك الوعي ومدى تبلوره قيمة فكريّة وفنيّة، والمُفضي إلى مديات العمل الرؤيويّ الإخراجيّ في تجسيدها ركحيّاً، بات المُمسك للعناصر الفنيّة بجملتها، إبداعاً وخلقاً، ممّا جعل النصّ الإبداعيّ المسرحيّ أمام اتجاهات الفراغات الرؤيويّة الّتي تُمليها العمليّة الإخراجيّة، من جهة، والانكفاء على كلاسيكيّات الأعمال المسرحيّة التي أفضى بها الاستجرار إلى الموات.. أو الارتكاز إلى العناصر البصريّة، ومن ضمنها الممثّل، كمادة استهلاكيّة فرضتها غائيّة الاستهلاك كمفهوم لا طبيعته المُبدِعة بالضرورة. وهنا، لا يسعنا أن نكون أمام حكم تقييميّ للفعل الدراماتوجي الركحيّ، إلّا أنّنا نُشير إلى ما أنتجه من تقويض ما اصطُلِح عليه نقداً سلطويّة النصّ الأدبيّ المسرحيّ، لتحلّ محلّها سلطويّة الإخراج. وهنا أرى تغييب مساحة التفاعل بين رؤيتَين للواقع الكتابيّ الإبداعيّ، والتجسيدي الركحيّ؛ لا نُلغي عن الأول العين الفنيّة للخشبة، ولا عن الثاني العين الأبجديّة لمنصّة القلم، بقدر ضرورة تكاملهما، مع احتفاظ كلّ منهما بقيمته المُضافة للمادة الإنسانيّة كمشكلة يؤسّس لها سؤالاهما الشموليّان، وبأدواتهما الإرساليّة الجماليّة بضوء الواقع وإشكالاته العصريّة: شموليّة النصّ بين الذات والموضوع، وشموليّة العرض بين الذات والموضوع. ولعلّ الفصل بين الذات والموضوع أحد أوجه إشكالات الدرس المسرحيّ والإخراجيّ بالتلقّي النقديّ لها، فمركزيّة الذات غير محقّقة طبيعيّاً خارج العناصر الموضوعيّة للمكوّن الاجتماعيّ، ولا يمكننا تجاوز المكوّن البيئيّ على أساس الجوهر الإنسانيّ لمشكلة الإنسان. فالمخاطَب، أو المتلقّي، العنصر الرئيسيّ لاستكمال الغائيّة المسرحيّة القيميّة في مفاعيل تجربة أكثر ضراوة من سابقاتها، بفعل التحوّلات الأيديولوجيّة والدراماتيكيّة الّتي أنتجت عبر عقود التجارب المسرحيّة نصّاً وعرضاً، بما حملته من ارتكاسات لتلك التحوّلات، كان المتلقّي وما زال في مقام الوعي الجمعيّ غائباً تماماً عن مفاعيل البناء لجماهيريّته التذوّقية من جهة، والبنائيّة من جهة أخرى. وفيما يشاكل الواقع المعاصر من تناقضات وتشظّي بيئويّ على غير مستوى، وأهمّها المعرفيّ، يضعُ المسرح أمام عتبات البناء من درجاته الأولى، تعليميّاً وتربوياً وتنويرياً.. خصوصاً بعد فورة ما اصطُلح عليه “صناعة الفرجة” بذهابها المُفرط إلى الإمتاع الاستهلاكيّ.
***************
عقب ذلك الحديث عن مسرح خيال الظل حيث تناولت الباحثة الدكتورة نجلاء الخضراء تاريخ هذا المسرح ودوره الاجتماعي ومسائل أخرى عديدة تحت عنوان: ” ظلال وذاكرة مقدسية ” قائلةً :
تحمل ليالي القدس الرمضانية من الروعة والجلال مالا تحمله ليالي أي مدينة أخرى فكان أهالي الناس بعد أن يؤدون صلاة تراويحهم أحسن أداء وبعد أن تنتهي ألوان وأنواع أصوات المؤذنين التي تملاء سماء القدس يصدح صوت من نوع آخر ومن مكان بعيد عن تلك المآذن والقباب انه صوت المخايل يخرج من باب المقهى ليعلن عن بدء البابة ليتوجه أهالي الحي إلى المقهى حيث يجلس المخايل بمسرحه وشخوصه المثيرة وفصوله الساخرة وكلماته اللاذعة وجلساته التي تحمل المدح والذم والطرب والغناء والحزن والفرح وأحاديث الألم والكفاح والثورة والغضب التي تترك في نفوسهم الراحة والسلوان وتخفف من ضغوط الحياة وترسم البسمة على وجوههم وتدخل السرور إلى نفوسهم.
يعد مسرح خيال الظل أحد أرقى أنواع الفنون المسرحية إذ يمثل فنا متكاملا له القدرة على تقديم الخيال أو الظل بصورة رائعة وهو إضافة إلى ذلك فن شرقي أصيل.
مصطلح خيال الظل مصطلح عربي خالص إذ أن الخيال يعني التشبيه والتصوير والظل هو انعكاس للصورة والأصل في المصطلح ظل الخيال لكن الإضافة مقلوبة.
وردت أقدم الإشارات إلى وجود مسرح الدمى في سورية على شكل مخطوطة مؤرخة سنة 1308م الشمس الدين محمد بن إبراهيم الدمشقي وكذلك ذكره الشاعر أبو العلاء المعري (973-1057) في شعره بدون ذكر تفاصيل أو وقائع لذلك يعتقد أن مسرح الدمى عرف في سورية منذ العصر الذهبي لها كمركز للثقافة العربية والإسلامية في القرنين السابع والثامن الميلاديين.
لاقى مسرح الدمى أو مسرح خيال الظل ازدهاراً وانتشاراً لا مثيل له في القرن التاسع عشر
تميز الأثرياء أول الأمر باستقدام مسارح الدمى والمخايلين في الاحتفالات والليالي اللاهية كما كانوا يستقدمون المنشدين والمغنين. وبعدها كثر المخايلون في تلك الفترة وكثرت ألعابهم وفنونهم فما لبثوا أن أصبحوا يجولون القرى وأحياء المدن في مواليد الأولياء والقومية وحفلات الزواج والختان والمناسبات الدينية وخصوصا في رمضان. ويعرضون تمثيلياتهم الظلية في المقاهي والحانات والأسواق
لهذا السبب نجد أن مسرح خيال الظل قد ارتبط بالعادات والتقاليد الاجتماعية والمناسبات الدينية . وناقش الواقع والموضوعات الاجتماعية فكان مسرحا ساخرا فكاهيا استطاع أن يتحدث بلغة الشعوب وان يعبر عن معاناتهم ومتطلباتهم وان يكون قريبا من وجدانهم.
لامس الناس وعبر عن حياتهم ومشاكلهم وآمالهم في مناسباتهم وأعيادهم الاجتماعية والدينية
ومن الملفت أنه في شهر رمضان وهو شهر الصوم عند المسلمين كانت تقام مباريات في المدن السورية الكبرى يشارك فيها مخايلون من القدس وبيروت وطرابلس وحلب ودمشق وهذا يعني أن سورية عرفت منذ ذلك الوقت ما يمكن أن نطلق عليه اسم مهرجان الدمى السوري.
المسرح عبارة عن قماش أبيض يوضع على إطار مقاسه متر ،60سم ومصباح يثبت ضوئه وراء القماش والمنضدة، أما طريقة التنفيذ توضع الستارة من القماش أمام المنضدة في مواجهة الجمهور يثبت من الأعلى ضوء موجه عليها ومن الاسفل يتم وضع الدمية بين الشاشة والضوء بحيث ترتكز على المنضدة ويتم البدء بالعمل المسرحي مع ملاحظة عدم ظهور يد الشخص الذي يقوم بتحريك الدمية .
تكون الدمى في مسرح خيال الظل دمى مسطحة أو مزودة بمفاصل لإظهار الحركة تتخللها ثقوب لإعطائها اللونين الأبيض والأسود على الشاشة وأحيانا تغطى هذه الثقوب بألوان شفافة تعكس ألوان وأضواء على الشاشة، ويتم تثبيت الدمى على الشاشة وتحريكها بواسطة العصى .
يطلق على محركي الدمى اسم المخايلين مفردها مخايل وهو يلعب الدور الأول والأخير في العمل فهو يرسم الشخصية ومن ثم يطبيقها على الجلد ثم ينتقل إلى مرحلة الفن المسرحي الذي يتمثل بحركات الرسوم وهم الشخوص او الدمى واشكال ظهورها على الشاشة ذلك ان لكل خيال شكلا مميزا في ظهوره فكركوز ينزل على الشاشة طبا، وعيواظ متلعثما والمدلل متدلعا بخفة ورشاقة وأبو الشباب مهمهما متبخترا والبنت مغناجة وهذا بالطبع يرتبط ببراعة المخايل وخفته ورشاقته وهو الذي سيسبغ على الدمى والشخوص تلك الصفات من خلال الأصوات التي يطلقها فلكل شخصية صوتها الخاص بها وأسلوبها وربما لهجتها في الكلام وبهذا يتكامل صوت المخايل مع حركة يده فيكون عرضا مميزا لهذا فإن المخايل يتميز بشخصية ذكية وقدرة على محاكاة اللهجات وحفظ أسماء المدن والأماكن وحفظ الكثير من الشعر والأغاني إضافة إلى سرعة البديهة والخبرة الفنية بالارتجال السريع أثناء مخاطبة الجمهور وموهبة خاصة في سرد الأحداث. لكل ما سبق فإن صانع مسرح خيال الظل (المخايل) كان عليه أن يكون لاعب وناقد وأديب حاضر النكتة ومن المخايلين من كان يستطيع أن يقلد أكثر من عشرة أصوات هي أصوات الشخوص التي تتوازع أدوار الفصل أو البابة ولعل أبرز من مارس هذا الفن آل حبيب في دمشق فقد استمر فيهم أربعة أجيال.
فكانت شخصيات خيال الظل شخصيات نمطية وشبه ثابته ولكنها شخصيات متخيلة . يقوم المخايل بتحريك الأشكال الكرتونية المرسومة، تعد كل الشخصيات المقدمة في هذا العمل الدرامي شخصيات مهمشة وكأنها جاءت من عوالم القص الشعبي بأسماء غير متعارف عليها في الواقع.
اما العروض فهي مقسمة لعدة بابات تعني المشاهد، فتبدأ القصة في الشارع مثلا وعند الانتقال إلى مكان آخر ينتهي الباب ليبدأ بابا جديدا فإن كان الانتقال على الحمام مثلا يمكن أن يوضع جرنا على المسرح أو يدخل المخايل المكيس ويخرجه حتى ينتهي هذا الباب. وعادة كركوز وعواظ هم الذين يفتتحون المسرحية وهم من يختمون العرض الذي لا يخلو من السخرية ونقض الواقع والفكاهة التي كانت سمة لمسرح خيال الظل.
كانت تصاحب الفنان المسرحي جوقة وتتصدر المكان إلى جانب المسرح وتتكون من صوّيت (مغني)، ورقّجي (طبال)، وقانونجي (عازف قانون) ولاعب قصب (نافخ ناي) وتعمل الجوقة بإمرة المخايل أو صاحب المسرح وحسب طبيعة المشهد وشخوصه . ومن مهامها الاخبار عما مضى، تمهد الجوقة كما أسلفنا للحوادث وتعلق عليها وتشارك بالأحداث بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، وهي تنقد المواقف وأحداث والشخصيات، وتقدم النصح والإرشاد لتمنع تكرار الخطأ أو قبوله كمسلمات، وهي تتنبأ بالحوادث وتحكم عليها، وتقوم بتلخيص الأمور العامة عن العصر بطريقة رمزية وكان صانع المسرح يلجأ إليها بسبب قلة عدد الممثلين في مسارح الدمى .
من أشهر المخايلين في القدس محمود الكراكوزاتي من اهل طرابلس الشام وكان يزور القدس وقد فضلها عن سائر البلاد الأخرى كان يبدا فصله أو بابه في الساعة الواحدة عربي أي بعد الإفطار بساعة واحدة كان يلف في يوم الخميس مقاهي المدينة فيبدأ أولا من مقهى خليل نجم وهو فصل لمدة ساعة للأولاد كي يتمكنوا من ترفيه نفوسهم قبل النوم فيعرضون مشاهد من قصص الفروسية لعنترة بن شداد وأبو زيد الهلالي وغيرهم فيشاهد الأطفال الشجاعة والفروسية عند العرب وينقسمون إلى قسمين قسم مع عنترة وقسم مع أبو زيد الهلالي ثم ينتقل إلى محلة باب حطة ليقدم الفصل الثاني للأولاد أيضا اما الفصل الثالث يكون في مقهى محلة الهاوس بيس والفصل الرابع اما في مقهى محلة خان الزيت أو محلة النصارى إلى ان يحين موعد الفصل الخامس والأخير وهو الفصل الأخير والأهم لما فيه من أدب وشعر ومغذى فريد ونقد لاذع فيكون المشاهدين لهذا الفصل من خيار الشعب الأدباء والأساتذة والمثقفين فترى الجميع وكان على رؤوسهم الطير يستمعون ويتجلقون بكل انتباه لهذه الخيالات.
كان الحاج محمود ذكيا موهوبا حتى قيل فيه أنه يحتفظ في ذهنه ما ينوف عن عشرة آلاف بيت من الشعر على مختلف انواعه وكان بديهي النكتة بشوش الوجه خفيف الروح ذكي لامع متواضع حتى انه اكتسب محبة الناس. رافق الحاج محمود رجل يدعى عبد السلام الأقرع يضرب الرق ويغني بصوته قسما من التواشيح فمثلا عندما يبدأ الفصل يغني ( ياهلالا غاب عني واحتجب)فينزل خيال كراكوز على أنغامه.
يقام هذا الفصل بمقهى واسع يعرف بمقهى علي زحيمان والعم زهدي وفي فصل الصيف كان يقام على سطح المقهى المسقوف بالحصر. ومن ثم اتخذ الحاج محمود مقهى النابلسي مقابل باب العامود وكان اكثر ادباء القدس يزورون هذا المقهى أمثال الشيخ محمد الصالح والأستاذ نخلة زريق والشيخ علي الريماوي والأستاذ خليل السكاكيني والأستاذ اسعاف النشاشيبي وغيرهم وأما ليلة الأحد فهي تضم المسيحيين من خيار اعيان الطوائف.
وأبرز من مارس هذا الدور عبدالنبي حسين الحكواتي الدمشقي عام 1799 وسيد جودت الحلي الذي عمل في مقهى بمحلة باب حطة في أواخر العهد العثماني وذلك بحسب الباحث في تاريخ مدينة القدس زوبين أبو شمسية
ولكن تدهور وضع هذا المسرح فيما بعد إذ جنح بعض الكراكوزاتية إلى الاسفاف والسوقية في الفترة المتأخرة إلا أن من سبقهم ترفع عن ذلك.
وبسبب المستوى الأخلاقي الذي بات يقدمه مسرح خيال الظل بدأ المخايلون يرفضون الاستمرار في هذا النوع من الآداء حتى اختفى هذا الفن واختفى معه مسرح الظل وشخصياته وسهراته ووضع التلفاز مكانه بعد عام 1960م
ولكن تدهور وضع هذا المسرح فيما بعد بسبب الاحتلال الصهيوني الذي عطل حركة المسارح بالكامل عام 1948 ليبدأ ظهوره من جديد سنة 1981 بعرض مسرحي على المسرح الوطني الفلسطيني (كيس رصاص) وكان لخيال الظل أهمية بالغة فقد ذكر لنا ابن عربي شيخ الصوفية في الفتوحات المكية: ومن أراد أن يعرف حقيقة ما أومأنا إليه فلينظر في خيال الستارة وصورها ومن الناطق ها فالصغار يفرحون ويطربون والغافلون يتخذونه لهوا والعباد والعلماء يعتبرون ويعلمون أن الله ما نصب هذا إلا مثلا)
تختلف تقنيات مسارح الظل نوعا ما عن تقنيات مسارح الدمى الأخرى . يقول منير الكيال في كتاب يا شام: تصنع رسوم الشخوص والمناظر من جلد الجمال والأبقار والجواميس والسوائم يعتبر جلد عنق الجمل أجودها لشفافيته ويمكن أن يقوم مقامه جلد البقر عدا جلد الظهر أما جلود السوائم فسيستفاد منها في تصنيع أحذية الخيالات وأشكال الحيوانات لسماكتها واسودادها. يتراوح تصنيع القطعة أو الدمية بعد تجهيز الجلد من سنة إلى 3 سنوات بحسب حجمها وتخريماتها وتعدد ألوانها، فهي تمر بمرحلة الرسم والنقل على الجلد والتلوين ثم التجميع.
أما التقانات الضوئية فقد استخدم المخايل أو المحرك قبل الكهرباء سراجا يوضع على رف خشبي (الفندي) وراء شاشة العرض بحيث يسمح لإبراز خيال القطع فقط مصنوع من الفخار المشوي أومن صفائح الحديد (التنك وهو ما يطلق عليه العامة اسم الضواية وذلك النوع من الانارة كان يبعث برائحة الزيت المحترق ويضر بعيني المخايل وصدره، وما لبث أن استعيض عنه بالكاز (الكيروسين) ثم بالكهرباء.
يبتدئ عرض خيال الظل بثلاث نقرات من عصى يحملها المخايل يعلن فيها عن بدء العرض بتقنية صوتية بسيطة المسرحي لتدخل بعدها الشخصية الأولى على الشاشة مصحوبة بطرقات من كعب خشبي موضوع في أسفل القدم اليمنى للمخايل تتناسب طرقاتها مع خطوات الشخصية على الشاشة ولا ريب أن طرقات العصي وصوت الكعب هي جزء من الموسيقى المصاحبة للعرض.
وهناك أداة موسيقية مشاركة وهي الدف (دف الرش) وهو دف دائري مفرغ الوسط مركب عليه قطع نحاسية تصدر صوتا عندما يهز المخايل قدمه لأنه يضعه في القدم اليسرى.
ومن التقانات الصوتية أيضا الطويطة وكان المخايل يضعها بجانب صدره الأيمن وراء كوعه تصدر صوت طوط طوط عندما تبالغ احدى الشخصيات في كذبة ما أو عندما ترغب إحدى الشخصيات بإثارة رعب شخصية أخرى أو تستخدم من قبل المخايل لشد انتباه الجمهور واثارة استغرابه أو تستخدم لتغير الحديث.
أما الطقطيقة: فتصدر من فم المخايل بحسب مجريات الحديث وهو يعمل على تقليد أصوات الحيوانات أيضا .
– ماهي اهداف مسرح خيال الظل وهل اختلفت تلك الأهداف باختلاف الزمن؟
كان مسرح خيال الظل ملتقى اجتماعي للتسلية والترفيه والراحة وللتنفيس وتخفيف الضغوط النفسية بعد ساعات العمل الطويلة وفي ليالي رمضان، وكان أسلوبا لتعلم التاريخ العربي عن طريق الحكايات والقصص التاريخية وتعلم الدين والأخلاق والسلوكيات. في وقت عمد فيه الأتراك على نشر الأمية والتخلف وتغريب اللغة العربية ونشر اللغة التركية.
عمل خيال الظل في نقل المراسلات وكلمات السر التي كانت تقدم أثناء العرض للقيام بعمليات ضد الاحتلال العثماني والاستعمار ويتم نقلها إلى المناضلين وتوصيلها كمراسلات سرية ولهذا السبب كانت الكتابات على كراسات ودفاتر المخايلين مرمزة وغير مفهومة إلا للمختصين. كان الحاج محمود يدخل الدعاية للأصناف الواردة لتجار المدينة في المشهد فمثلا يقول: (أما يا أخي عيواظ شفتلك صنوبرات عند العطار الحاج خليل الداودي مثل الذهب دوبن وصلوا من الشام بقى روح اشتري منهم للكنافة وبسرعة لأنك لو تأخرت مارح تلاقي ولا حبة، اركض وخف رجلك) .
اليوم نحن بحاجة لمسرح خيال ظل يعمل لتحقيق أهداف تربوية تعليمية واجتماعية وسلوكية ترفيهية وعلاجية وتعويضية وينتشر في المراكز الثقافية والمسارح والمدارس والحدائق وعلى شاشات التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي، فمسرح خيال الظل مسرح يعالج المشكلات الاجتماعية والواقعية بأسلوب مضحك مريح للنفس ويعمل على تخفيف الضغوط وايصال الفكرة بطريقة بسيطة وسهلة لا تغادر الذاكرة.
************
ثم قدَّم الفنان المُخايل علاء الشيخ عرضاً لمسرح خيال الظل عبر شخصيتي كاراكوز وعواظ تطرق فيه إلى مسائل اجتماعية عدة كانعدام الأمانة من جهة عدم وفاء الدَين كما تطرق إلى تاريخ مسرح الظل في فلسطين.
كما بيَّن الأستاذ الباحث مُخلص المحمود في مداخلة قيمة نقتطف منها تنويهه إلى أن حرفة صناعة شخصيات خيال الظل بما في ذلك حُلتها ودقة تفاصيلها وآلية تحريكها ، تختلف من محافظة سورية إلى محافظةٍ أخرى.
ومن جهته اعتذر الباحث فضيل حلمي العبد الله عن تقديم محوره (نهوض المسرح الوطني الفلسطيني في عصر المقاومة) قائلاً: أنه بحثٌ يحتاجُ تقديمهُ وقتاً وأنه كان يجب أن يُقدَّمَ في بداية الندوة لا في ختامها ، وأنه يعتذر عن تقديم بحثه وفق هذا التسلسل الذي سارت الندوة وفقه.