حياتنا وماراثون الإنجازات
الحياة ..حلقة الماراثون المفرغة
ما الجدوى فيما نفعل في حياتنا؟ ما الجدوى فيما أنجزنا؟ وما الضير فيما لم نتحصله ما أهمية أن أنجح ولم كل هذا المعاناة؟
أسئلة وجودية لابد لنا أن نمر بها في مرحلة ما حين نلتفت إلى الخلف، ونقيم ما أنجزناه، وما فاتنا من أجل ما ظنناه الأجدى، حين ترصد لك المرآة عدد السنين التي مرت وتطالبك بأن تقدم ما أنجزت طوال هذه الفترة وهل أنت أضعت ما أضعت من العمر فيما يستحق.
اللحاق بالطابور.. وما الحياة إلا طوابير متلاحقة
حياتنا التى بدأت في طابور المدرسة، و ظننا أنه آخر عهدنا مع الطابور، لنكتشف أننا نمضي حياتنا كلها نحجز الدور في طابور ما، وقيل لنا أننا لابد أن نقف وننتظر مهما طال الانتظار ولابد أن نصل لنهايته بسلام.
قيل لنا أيضا إن الحياة لن تستقيم مالم ننجز هذا الطابور ونتخطى وقفته الحتمية لنصل لنهايته بدءا من طابور الشهادة الجامعية ومرورا بطابور العمل والزواج والأولاد والويل كل الويل لمن يفوته واحد من تلك الطوابير برغبته أو رغما عنه.
أمور ظنناها نجيب عن جدوى الحياة.
متعة الحياة في الرحلة أم الوصول
جدل كبير واقع بين من يرى أن الإنسان جبل على السعي وأن الوصول يعني النهاية و البعض الآخر يري أنها متعة الوصول وأنه لابد أن يشهد الإنسان نتاج جهده لكي يواصل السعي.
من المؤكد أن الرحلة لها متعتها والاستمتاع بتفاصيلها، ولكن هل تستطيع أن تنكر بهجة وفرح الوصول .والأمل في الوصول هو ما يعطي الرحلة متعتها ،ونشوة الفوز هو ما يتوج لحظة الوصول.
ومابين الحيرة من الاختيار تزداد ضخامة السؤال عن جدوى الحياة
الحياة بين شقي الرحى
شاهدنا كثير من حالات الإحباط التي قد تؤدي للانتحار، حين تجتهد في سعيك وتظن أنك فائز لا محالة، ولكن يقع المحظور الذي لم يدر في خلدك، ويأتي من يخطف منك اللحظة، ويتمتع دونك بزهوة الوصول،كأنها حالة اقتناص الفوز في الدقيقة الأخيرة.
وصلنا حكايات مأساوية عن آباء وأمهات، أنفقوا عمرهم، وحرموا أنفسهم متعة العيش والتقاط الأنفاس، رغبة في تربية أبنائهم في مستوى يليق بهم، ويبعد عنهم قسوة الحرمان، فيأتي وقت الحصاد ليجدوا أنفسهم وقد ضاعت أعمارهم هباء وماحصدوا إلا النكران والعقوق.
إذن ما جدوى الرحلة أيا كانت متعتها حين يصيبنا الخذلان عند الوصول، ناهيك أن الرحلة غالبا لاتكون ممتعة حين تعول على الوصول أملا في بهجة الفوز.
في هذه اللحظة التي يخفق فيها الهدف ننظر لأنفسنا ربما نعرف في داخلنا جدوى الحياة.
سيدنا يونس بين السعي وإدراك النجاح
كلنا نذكر أمر نبي الله يونس مع قومه، حيث بُعث عليه السلام إلى قومٍ يعبدون الأصنام، وظل يدعوهم لعبادة الله لكنهم كذّبوه، وأصرّوا على عبادة أصنامهم، قيل إنّ دعوة يونس -عليه السلام- لقومه استمرت ثلاثاً وثلاثين سنة، لم يؤمن معه سوى رجلين.
عندها شعر يونس -عليه السلام- باليأس من قومه، تركهم وخرج من البلدة، وظنّ أنّ الله -تعالى- لن يؤاخذه بهذا الخروج؛ لأنّه قدّم كلّ ما عليه في سبيل دعوة قومه، ولم يستجب أحد.
وبعد أن خرج بدأ يحلّ على قومه بوادر العذاب الذي توعّدهم به الله و أيقن قوم يونس أنّ عذاب الله آتٍ لا مفرّ منه، فخافوا وصدقوا يونس وبحثوا عنه وكان ماعلمنا من أمره في السفينة حتى ألقوه في البحر فالتقمه الحوت.
إن الذنب الذي اقترفه يونس عليه السلام هو تعجله النتيجة ويأسه من الوصول، فلم يكن صبوراً في دعوته ليصل إلى غايته العظيمة.
ذنبه أنه تحسس النتيجة وعظمت عنده الحاجة لمشاهدة لحظة الحصاد متجاهلا أهمية السعي دون كلل.
عبرة وخطوة نحو المعرفة وإجابة شافية عن جدوى الحياة
.
هاجر قصة سعي وتفجر ينابيع الوصول
حين أتأمل قصة السيدة هاجر وكيف أنها صارت نفس الطريق سبع مرات ذهابا وإيابا وظني أنها كانت مستعدة لأن تنهي حياتها على هذا الحال دون لحظة يأس، سبع مرات هرولة على أرض وعرة أملا في شربة ماء لرضيعها.
مجرد شعورها بأن الله معها جنبها عناء أن ينتابها الإحباط وبأنها لن تصل مبتغاها،صدقت بأن الله لن يضيعها ولكن لم يمنعها يقين رحمته من السعي وفي المقابل حال دونها ودون اليأس.
لحظة فارقة تحسم النزاع عن جدوى الحياة .
قارون وصاحب الجنتين
قصتان لرجلين ظنا أنهما وصلا لغايتهما من العيش وغرتهم حالة الاستغناء وطغت على تفكيرهم ولكنها كانت الهاوية.
فلا تأمنّ مكر الله ولا تغرنك لحظة الفوز وتظن أنها ملكت جنتك و أنها لن تبيد أبدا فتصبح بأمر الله في لمح البصر “صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا”
لحظة الوصول لماهية الحياة
ولعل أبلغ ما قيل في ذلك قول د/مصطفى محمود
في كتاب / رحلتي من الشك إلى الإيمان
” اللحظة الأخرى الصادقة هي لحظة الخلوة مع النفس حينما يبدأ ذلك الحديث السري .. ذلك الحوار الداخلي….تلك المكالمة الانفرادية حيث يصغي الواحد إلى نفسه دون أن يخشى أذناً أخرى تتلصص على الخط..
ذلك الإفضاء و الإفشاء و الإعتراف و الطرح الصريح من الأعماق إلى سطح الوعي في محاولة مخلصة للفهم..
و هي لحظة من أثمن اللحظات..
إن الحياة تتوقف في هذة اللحظه لتبوح بحكمتها..
و الزمن يتوقف ليعطي ذلك الشعور المديد بالحضور .. حيث نحن في حضرة الحق .. و حيث لا يجوز الكذب و الخداع و التزييف .. كما لا يجوز لحظة الموت و لحظة الحشرجة..
إننا نكتشف ساعتها أننا عشنا عمرنا من أجل هذه اللحظة و أننا تألمنا و تعذبنا من أجل أن نصل إلى هذه المعرفة الثمينة عن نفوسنا..
و قد تأتي تلك اللحظة في العمر مرة فتكون قيمتها بالعمر كله ..
أما إذا تأخرت و لم تأت إلا ساعة الموت .. فقد ضاع العمر دون معنى و دون حكمة .. و أكلته الأكاذيب .. و جاءت الصحوة بعد فوات الأوان..”
فما جدوي الوصول بعد فوات الأوان.
عن عمره فيما أفناه
في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ “.
لم يذكر الحديث أننا نحاسب على لحظة الوصول، بينما تفاصيل الرحلة تهم، فالقانون الأول في الحياة عليك السعي وليس إدراك النجاح.
الحياة ومقصد وجه الله
غاية أملنا مخافة أن نكون في سعينا ممن ذكرهم الله في كتابه الكريم ” الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا” صدق الله العظيم
فاحرص أن تتحصن طوال طريقك بمؤن تقيم روحك وتمنعك اليأس فالله لايضيع أجر من أحسن عملا.

More Stories
استجابة رسمية.. هيئة الدواء المصرية تتحرك بعد ما أثارته الإعلامية الدكتورة هبة يوسف
إستراتيجية إدارة المورد البشري واستدامته: هندسة الملاكات الوظيفية وربط الاحتياجات بالخطة الاستراتيجية العامة
حين يكتب النفاق قصائده