بقلم د.محمد عبد العزيز
كاتب وباحث اقتصادي ومتخصص في الشئون الافريقية
شهدت شاشات التلفزيون العربية في الآونة الأخيرة حلقات نقاش محتدمة بين الخبراء والباحثين حول مقارنة الأديان بعضهم يهدف لمعرفة الحقيقة وطرح الأسئلة لإنارة العقول وقبول الآخر دون تعصب وبعضهم يسعى لخدمة أفكار أيديولوجية خاصة ومما لاشك فيه أن التاريخ يُعد ملكا خالصا للإنسانية فهو تراث الإنسان في كل زمان ومكان وليس من حق أحد تشويه التاريخ لأسباب أيدولوجية أو حذف أو إضافة قصص للتاريخ ليست قصصا حقيقية ومن المؤسف أن يكون على مدار التاريخ الإنساني هناك أكثر من رواية تناقض الحقيقة تلاحق التاريخ تشوه ذكرى هذا وترفع قدر أخر وتعطي هذا حقوقا وتسلب أخر حقوقا لأسباب أيدولوجية وأخرى للمبالغة السياسية والدينية وعليه يرى كثير من الباحثين أن التاريخ بعيدا عن السرد القصصي بما له وما عليه لم يصبح علما فعليا إلا في القرن التاسع عشر بعد أن أصبح خاضعا للنقد والفحص بمنهجية علمية بعيدا عن السرد القصصي المعتاد دون نقد القصة الواردة على لسان من ذكرها كما كان الحال من قبل فأضحت مراجعة الزمان والمكان في القصة ومراجعة الأشخاص المعاصرين للقصة وترتيب الأحداث في القصة معيارا جديدا في تحكيم العقل بمنهجية علمية لقبول أو رفض أي قصة تاريخية وعليه يمكن بناء أراء وتحليلات وأستنتاجات كثيرة حول تاريخ الأمم والحضارات السابقة ويعد منهج مقارنة الأديان مع السرد التاريخي وفي ضوء ما لدينا من أثار ونقوش ونصوص أثرية من الحضارات القديمة منهجا مثيرا للأهتمام والمخاوف أيضا فمقارنة الأديان لا تتم بشكل حاسم قاطع لنصبح جميعا من أتباع عقيدة واحدة دون غيرها ولو أراد الله عز وجل أن نصبح جميعا أصحاب عقيدة واحدة لما جعل هذا الأمر خاضع للإجتهاد البشري الذي يصيب ويخطأ فيه بنو الإنسان فضلا عن أن عدم وجود أثار أو نصوص تؤكد ذكر ووجود بعض الأنبياء في تاريخ الحضارات القديمة لا ينفي واقعية القصص الديني بل على العكس يؤكد رؤية الأديان السماوية المعروفة لنا من أن المؤمنون دائما كانوا قلة يبتعدوا عن مظاهر المشاركة الإجتماعية التي قد تمكن غير المؤمنين من البطش بهم وكان المؤمنون يتعمدوا إخفاء نصوصهم ومعتقداتهم وبعد فترات زمنية ليست بالقصيرة يتم تحريف تلك المعتقدات أيضا مما يزيد الأمر تعقيدا في عملية البحث والتحقيق والمقارنة بين ما لدينا من أثار ونصوص للحضارات القديمة وبين ما لدينا من نصوص دينية مختلفة لمختلف الأديان بل أيضا يمكن الإشارة إلى أن ما يتبناه بعض الباحثين حول أن الديانات السماوية أقتبست من الديانات الوضعية أو هي مرحلة من مراحل التطور للديانات والمعتقدات على سطح الأرض ما هو إلا لي لذراع الحقيقة بأسم العلم لأن الديانات السماوية المعروفة لنا الأن وهي اليهودية والمسيحية والأسلام تعترف بوجود أنبياء كُثر قديما جدا لكن البشر كانوا دائما يغيروا كلام الخالق ويضعوا كلام البشر مع كلام الرب وهذا يدفع بالقول أن أي أوجه تشابه بين أي أديان سماوية وبعضها البعض أو بينها وبين أي أديان وضعية أو بينها وبين أي معتقدات لدى حضارات قديمة مندثرة مثل الحضارة السومرية أو الحضارة المصرية القديمة إنما هو نتيجة تحريف حادث للمعتقدات لدى الحضارات القديمة والديانات الوضعية وليس لأن الديانات السماوية تطورت من خلال معتقدات الحضارات القديمة والديانات الوضعية وبالإضافة لذلك فان علم الأثار والكشف بالكربون المشع قد يساعد على التحقق من بعض الأمور لكن لا يساعد في أمور أخرى خاصة عندما يكون مدى الزمن المُعطى بالكربون المشع أكبر بكثير من فترة تحقق وجود أحد الأنبياء في زمان ما أو وقوع حدث تاريخي أو كوني في زمان ما كما أننا لم نكتشف كل أثار الحضارات القديمة بعد وما تم إكتشافه هو النذر القليل جدا جدا فقد نكتشف في ما بعد مايؤكد صدق القصص الديني ولا يتعارض مع تاريخ وأثار الحضارات القديمة وحتى وجود بعض التعارض ظاهريا الأن ليس مجرد أو منزه من تدخل العنصر البشري في تسجيل أثار الحضارات القديمة لإنجازات الملوك والأباطرة المنتصرين ومعتقدات الغالبية من الناس حينها وإهمال أو تشويه لكل مهزوم وإغفال ذكر الأقليات الدينية كل ذلك إلى جانب التحريفات التي تعرضت لها الأديان السماوية ذاتها وتعدد مذاهبها مع مرور الوقت وإتهام كل مذهب لبقية المذاهب الأخرى بالخروج عن صحيح الدين وذلك الأمر تكرر داخل كل دين سماوي لذلك فأنه لا يجب إطلاق أحكام عامة في مجال الأبحاث المتعلقة بمنهجية مقارنة الأديان من خلال تاريخ وأثار الحضارات القديمة لأن هذا الأمر شائك جدا وقد يؤدي لإستنتاجات خاطئة تماما ليس من شأنها أي تقدم أنساني ولكن قد تورد الناس موارد الهلاك والإلحاد والبعد عن الإحتياج الفطري لما هو مقدس وأعلى وأرقى وأسمى من تلك الحياة الدنيا وهو ما تؤكد عليه الأديان السماوية ذاتها حيث أكدت جميعها أنه رغم الإنحراف والتحريف يظل دائما الإنسان في حاجة للدين وللصلة بالسماء وبالخالق فكان قديما يقوم الناس بالتحريف لخدمة مصالح الملوك والأباطرة أما الأن فإن البحث غير الدقيق وفقا لمنهجية علمية منقوصة قد يقود الشباب إلى الإلحاد دون وعي وإدراك كامل وشامل بكيفية وماهية الأدوات اللازمة للأبحاث المتعلقة بمقارنة الأديان في ضؤ تاريخ وأثار الحضارات القديمة أما بالنسبة لأكتشاف رفاة وآثار الإنسان العاقل الذي يعود لفترة ما قبل التاريخ ووجود مايؤكد وجود الإنسان قبل أكثر من 100 ألف عام فهناك أكثر من رأي في تفسير ذلك الأمر أبرز تلك الأراء أن كل بني أدم بشرا وليس كل البشر من بني أدم عليه السلام فقد يكون هناك سلالة بشر تشبه بني أدم وجدت على الأرض ولها الكثير من الأثار وأندثرت قبل ظهور أدم وبنيه على الأرض وبالنسبة لوجود معتقدات تقدس الأنثى والمرأة قديما جدا قبل تقديس الرجل والتحول إلى الألهة الذكور وفقا للباحثين في مقارنة الأديان فهذا أمر مرجعه لدى باحثين كُثر إلى أنقسام أبناء أدم قبل الطوفان إلى قسمين
منهم قسم يضم أبناء قابيل قاتل أخيه هابيل فلعل أبناء قابيل كانوا بعيدين عن المؤمنين من بقية أبناء أدم عليه السلام فذهب أبناء قابيل للتطور وحدهم في معتقدات تخصهم وحدهم إلى أن حدث الطوفان وبقيت بعد ذلك فرقة واحدة من المؤمنين ويفترض أن كل البشر الأن هم أحفاد للمؤمنين الناجون من الطوفان وبالرغم من ذلك تعددت الملل والنحل والمعتقدات بما لا يمكن حصره بما يؤكد على طبيعة البشر في الإنقسام والتعدد دائما ومنذ فجر التاريخ وحتى الآن وليس بالضرورة أن الأديان السماوية هي التي أقتبست مما سبقها من معتقدات ولكن قد تكون المعتقدات السابقة عليها هي التي أنحرفت عن تعاليم الخالق الحق وهذا ما يؤكده تاريخ البشر وحركة التاريخ الإنساني صعودا وهبوطا وكل ما سبق ذكره يؤكد ضرورة الحذر وعدم إطلاق أحكام عامة في مجال مقارنة الأديان من خلال أثار ونصوص الحضارات القديمة .

More Stories
استجابة رسمية.. هيئة الدواء المصرية تتحرك بعد ما أثارته الإعلامية الدكتورة هبة يوسف
إستراتيجية إدارة المورد البشري واستدامته: هندسة الملاكات الوظيفية وربط الاحتياجات بالخطة الاستراتيجية العامة
حين يكتب النفاق قصائده