بقلم: أحمد محمود شرقاوي
قولت الجملة دي بخجل وهدوء بعد ما البنت اللي جمبي تقريبا في الميكروباص بقت قريبة مني جدا، لقيتها ابتسمت ابتسامة غامضة وبعدت شوية، في اللحظة دي عنيا وقعت على عنيها، كان شكلها غريب جدا، كأنها مركبة ماسك وإن وشها ده مش هو الحقيقي، بس بعدت نفسي عنها وسرحت وانا باصص من الشباك..
بس غصب عني مقدرتش اشيلها من تفكيري، لأنها كانت مركزة معايا شوية، كنت لامح نظراتها ليا وتركيزها الغريب معايا، حاولت اتجاهلها عشان اركز في رحلتي الصعبة دي، لسة واخد سكن جديد عشان شغلي في محافظة بعيدة، ورهبة البُعد لأول مرة لسة ملازماني، وصلت للمكان اللي اتوصف ليا ونزلت من العربية..
وفوجئت بالبنت بتنزل معايا، بصتلها بصة استغراب وسبتها ومشيت، فتحت موبايلي عشان امشي على اللوكيشن اللي اداهوني السمسار، مشيت مسافة ١٠ دقايق ومن ورايا سامع إيقاع الخطوات، وكل ما كنت ابص الاقي نفس البنت ماشية ورايا..
قلقت تكون تبع عصابة او عايزة مني حاجة، بس افتكرت اني راجل، معقول هخاف من واحدة مهما كانت مين، في الوقت ده كنت وصلت للمكان، وزي الوصف بالظبط، عمارة رقم ٦ الدور الرابع الشقة اللي على السلم، وكان معايا مفتاحها..
بس قبل ما ادخل العمارة بصيت ناحية البنت ولقيتها واقفة بتبص عليا، تأملتها لحظات، كانت لابسة فستان لونه اصفر ونحيفة شوية، عنيها خضرا وواسعة بطريقة غريبة، وبشرتها تحس انها باهتة شوية، في اللحظة دي دخلت للعمارة اللي قصادي، وخدت نفس عميق وابتسمت على سذاجتي، مجرد صدفة مش اكتر ويمكن البنت معجبة بيا، ولو اني مش عارف هي ممكن تعجب بيا علي ايه أصلا..
طلعت الشقة ومن كتر التعب رميت الشنطة واترميت على السرير زي القتيل عشان انام شوية، كان نوم اسود من كتر التعب، كأنك غرقان في محيط اسود ويادوب بتتنفس، وعلى الساعة ١٠ بالليل صحيت فايق شوية، قلت اقوم ارص حاجتي في الدولاب وابص على الشقة اللي انا لسة مشوفتهاش..
تأملت الشقة شوية لقيتها كويسة، طلعت شركة محترمة وبتجيب سكن محترم لموظفينها، وقلت الحق استمتع بالشقة قبل ما يجي اللي بعدي والاقيها اتملت، لانه استحالة الشركة تجبلي شقة لوحدي..
دخلت عملت أكل وبعدها رصيت حاجتي وخدت دش عشان افوق من تعب السفر، وبعدها عملت شاي وطلعت أقف في البلكونة شوية، تأملت المنطقة اللي انا فيها، هادية نوعا ما وده المطلوب، في اللحظة دي اتفتحت البلكونة اللي قصادي ولمحتها..
هي نفس البنت اللي كانت جمبي في العربية، بنفس الشكل الغامض والغريب، أول ما شافتني لمحت على وشها علامات التعجب والفرحة، ابتسمت من فرحتها وقلت في نفسي
“شكلك هتقع في قصة حب قريب ياض يا فارس”
كانت مبتسمة ووشها زي البدر، رغم انها غريبة بس كانت فيه جاذبية مريبة حوليها، حاولت ابعد عنيا عنها بس كنت برجع ابصلها تاني وتالت وعاشر، بس جالي هاجس ان ممكن حد من أهلها يشوفنا واتسبب في مشكلة انا في غنى عنها، لسة أول يوم في السكن ومش عايز مشاكل..
دخلت جوة وقفلت البلكونة وحاولت انام عشان بكرة هروح الموقع، بس فضلت كتير اوي لحد ما نمت، كنت بفكر فيها بطريقة غريبة، بتخيل نفسي وانا بقابل والدها وبخطبها منه، وليه لا، دي تبقا حكاية تنفع لأحلى فيلم رومانسي، بس رجعت افتكر قلة حيائها وجرئتها معايا،. ده غير محبوب اطلاقا عند الرجالة، دايما مهما نعمل فاحنا منديش الأمان غير للمحترمة اللي عندها حياء، دي فطرة مزروعة جوة أي راجل، وطبعا بستثني الذكور من المعادلة دي..
صحيت تاني يوم، كلمت سواق الموقع وجالي مكاني وخدني للموقع، وطبعا لأن الموقع لسة جديد فمكملناش اربع ساعات ورجعنا تاني، نزلت عند العمارة تاني وقلت الف شوية واستكشف المنطقة..
اتغديت في مطعم قريب ورجعت للشقة قلت اريح شوية، وفعلا رجعت خدت دش ونمت تاني، وعلى بالليل صحيت وعملت الشاي وطلعت البلكونة من تاني، وفوجئت بيها قاعدة مكانها وأول ما شافتني كانت هتنط من الفرحة، في اللحظة دي حسيت بحاجة بتتحرك جوايا..
اتأكدت ان مشاعري هتروح ناحيتها لو استمر الوضع يومين كمان، وبقيت محتار، اكلمها واديها فرصة تقرب مني، ولا اقفل الباب خالص، بس مقدرتش ادخل جوة المرة دي، وقعدت اتأمل فيها وابتسم لها..
في اللحظة دي شاورتلي، وغصب عني ابتسمت وشاورتلها، لقيتها بتشاور عشان تجيلي، اتخضيت من طلبها الفج وهزيت راسي بسرعة وروحت داخل وقافل باب البلكونة، تجيلي فين المجنونة دي، الله يخربيت هبل البنات، في اللحظة دي بس سمعت صوت حاجة بتقع في المطبخ، اتخضيت من الصوت، ودخلت بسرعة ادور بس ملقتش أي حاجة..
حاولت اتجاهل الموضوع وقبل ما اتحرك من مكاني قطع نور الشقة كله، فضلت ادور على التليفون عشان انور الكشاف بتاعه بس مقدرتش أوصل له، وقبل ما اخود أي قرار سمعت صوت خربشة غريب في الصالة، كأن فيه حد بيخربش في السجاد، بصيت ناحية مكان الصوت واتخشب جسمي كله من الصدمة..
انا شوفت قطة صغيرة سودة، رغم الضلمة شوفتها بسبب عينيها اللي كانت بتلمع بنور أحمر مرعب، ووشها كان محروق، متفحم، كان واضح اوي من شكل وشها البشع، ولقيتها عمالة تخربش في السجاد بكل عنف، وأول ما بصتلها بصتلي وظهر في عنيها الغضب الشديد..
وقبل ما اتحرك أو اهمس اتكلمت، اتكلمت بصوت بنت وقالت:
– وحشتني
وقتها من الصدمة والرعب وقعت في الأرض، بس مفقدتش الوعي، قلبي كان بيترج مكانه وجسمي كله عرق وبقيت بترعش بطريقة رهيبة، لقيتها بتموء بصوت خشن، مخيف جدا، وكانت بتقرب من جسمي، فضل جسمي يترعش زي اللي بيتكهرب وأنفاسي تخرج بصعوبة..
كنت حاسس بثقل رهيب على جسمي، كأني مشلول، أو كأن حاجة مكتفاني بقوة رهيبة، وقتها لمحت وش القطة قدام عنيا، وش مسلوخ حرفيا والعنين بارزة منه بطريقة مخيفة، كل اللي رابط العين بمكانها مجرد عرق اسود رفيع، والقرنية نفسها مش مستقرة مكانها وبتتحرك..
في اللحظة دي طلعت لسانها، لسان اسود ضخم، لسان اطول من جسم القطة كله، ولقيتها بتحط لسانها على وشي، وبالأخص فوق مناخيري، المرعب ان لسانها كان تقيل كأنه جبل، وكان كاتم نفسي، كنت بموت، ومش قادر احرك ايدي حتى عشان ابعدها..
وقتها دعيت ربنا ينجيني، مش قادر اخود نفسي، بموت، وبكل رغبة مني في الحياة ضربت القطة بإيدي لقيتها صرخت بصوت واحدة، بس انا مستنتش وجريت على باب الشقة، حاولت افتحه بكل قوتي بس كان عامل زي لوح الخرسانة مبيتحركش..
ولمحت القطة بتنط ناحيتي تاني وبتزوم، جريت بسرعة وملقتش قدامي غير البلكونة، فتحت الشيش بتاعها ودخلت وروحت قافل بابها بسرعة، وسمعت خبطات هيستيرية على الشيش من برة، كنت بتنفض، جسمي كله بيعرق، مكنش عندي أي مانع انط من البلكونة عشان أهرب من الفزع ده..
في اللحظة دي لمحت البنت، كانت واقفة في بلكونتها حزينة، أول ما شافتني اتنفضت من مكانها، كنت بلهث مش قادر انطق، فضلت باصة ناحيتي بتركيز شديد وفجأة سمعت منها صرخة عالية وراحت داخلة جوة..
هو انا ناقص جنان، يارب استرها معايا انا غلبان، وقتها كانت لسة الخبطات على الشيش وانا قافله بجسمي عشان ميفتحش، ثواني بس ووقفت الخبطات، حاولت اتمالك نفسي شوية واتنفس، انا اتجننت ولا الشقة دي مسكونة..
وفجأة سمعت صوت صراخ برة، كأن فيه اتنين ستات بيتخانقوا وبيموتوا بعض، الصوت كان في شقتي انا، واتنفضت مرة واتنين وانا بستعيذ بالله من الشياطين، وغصب عني وانا مرعوب فتحت البلكونة، وشوفت اللي خلع قلبي من مكانه..
شوفت البنت اللي بتقف في البلكونة ماسكة رقبة القطة وبتخنقها، والقطة كانت بتصرخ بين ايديها بصوت بنت تانية، مشهد مريب وغريب، كنت بتابعه بعيون زايغة، في النهاية لقيت البنت ضربت القطة وحدفتها بعيد ناحية باب الشقة اللي فوجئت بيه مفتوح..
القطة وقفت قدام الباب تبص بغضب وغل للبنت، ولقيت البنت بتشاور لها بغضب عشان تخرج وبتكلمها بلغة غريبة، كأنهم هنود أو افارقة انا مبقتش فاهم حاجة..
في النهاية خرجت القطة من المكان وجريت عليا البنت تطمن عليا، بعدت عنها برعب وانا بقيت واثق من جوايا ان البنت دي ساحرة، بل ويمكن هي اللي بعتت القطة دي، قالتلي بلهفة وتوتر:
– انت كويس
رديت عليها وجسمي لسة بيترعش:
– ابعدي عني وامشي من هنا
– انت متأكد انك مش عايزني
– ايوة مش عايزك وامشي من هنا انتي والقطة الملعونة دي
لقيتها بكل هدوء خرجت من المكان، وفضلت انا اتنفض للصبح من العجب اللي شوفته ده كله، وتاني يوم ومع شروق الشمس نزلت من الشقة، مكنتش طايق اقعد فيها لحظة، كان باقي حوالي نص ساعة على ما السواق يجي، وقف قدام عمارة البنت اتأملها بشرود، كنت بفكر وحاسس ان دماغي هتولع مني..
في اللحظة دي اتخضيت على صوت البواب وهو بيقول:
– عايز حد يا استاذ
اتوترت قدامه ومبقتش عارف هقول ايه، فكرت شوية وقولت:
– ممكن تقولي مين اللي ساكن في الرابع هنا
بصلي بشك وقال:
– مفيش حد ساكن في الرابع
– انت متأكد
– ايوة متأكد
– يعني الشقتين مش مسكونين
– العمارة هنا كل دور شقة واحدة
حسيت وقتها بالدنيا بتدور بيا من التوتر والاجهاد والخوف، لقيته سندني وقعدني على الكرسي بتاعه وقال:
– مالك يابني فيه ايه
– مفيش يا حاج
حاولت امشي مسكني من ايدي وقالي:
– يابني قولي يمكن اساعدك شكلك غريب عن هنا
– حاجات غريبة بتحصل معايا
– احكيلي
بصيت في عنيه شوفت صدق غريب، ولقيت نفسي بحكيله كل حاجة بالتفصيل لحد ما انتهيت، وقتها حسيت براحة كبيرة عشان يقول:
– انا شاكك في حاجة معينة
– ياريت تقول يمكن تريحني
– الشقة دي يابني فاضية فعلا ومحصلش فيها أي حاجة، وده بيودينا للاحتمال الوحيد اللي قدامنا
– واللي هو
– هوام الجن يايني
– انا مش فاهم حاجة خالص
– انا هفهمك، فيه يابني فصيل من الجن اسمه الهوام، دول متجسدين في صور بشر وعايشين في كل مكان حولينا، ودايما بيحبوا يلعبوا مع البشر، والبنت دي كانت من الهوام..
مشيت وراك لما عجبتها لحد ما استقرت في الشقة اللي قصادك، ومن صفات الهوام انه مبيدخلش بيتك غير لما يستأذن، وبيمشي لما تطلب منه يمشي، وفضلت معاك البنت، لحد ما جه عدو ليها من الهوام برضه، بس من الاشرار، دخل بيتك من غير استئذان وهاجمك، وحب يلعب معاك ويخوفك، نفس مبدأ ان فيه بنتين بيغيروا من بعض على شخص، ولما البنت عرفت جت تدافع عنك، ولما انت طلبت منها تمشي مشيت، بس هي مدافعتش عشان بتحبك، بل دافعت عشان تلعب هي بيك براحتها، لأن الهوام مبيحبش بشر..
مبقتش مستوعب كلامه عشان يأكد عليه ويقولي اني هتأكد لما يعدي كام يوم ومفيش حاجة هتحصل، لأن البنت مشيت، والقط وجوده كان بسببها عشان يضايقها فيا ويخوفني، ومبقاش فيه سبب لوجوده، والغريب فعلا ان الايام بعد كدا عدت كويسة، مكنتش فيه أي مشاكل اطلاقا.. وعدى أغرب وأصعب موقف في حياتي..
………..
لو خلصت القصة واستمتعت بيها متنساش ان من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كان مثل زبد البحر، متنساش 
………..
ومتنساش تترقب أعمالي بمعرض القاهرة الدولي للكتاب ٢٠٢٢ ضمن اصدارات دار ببلومانيا للنشر والتوزيع..
رواية “إني رأيت”
سلسلة مائدة الفزع العدد الثالث “لعلهم يرجعون”


More Stories
شفاء.. بقلم ولاء شهاب
حوار بين تائهٍ ومهزوم … بقلم ولاء شهاب
قدر .. بقلم ولاء شهاب