طفل صغير تقريبا عنده تسع سنين قاعد بيبكي في الشارع وجسمه ملطخ بالدم, عنيه تايهة, شارد وخايف كأنه شاف الجحيم على وجه الأرض, وقفت جمبه بكل لُطف وسألته عن سبب بكائه, الغريب اني سمعت منه بعدها أعجب حكاية ممكن أسمعها في حياتي..
صفحة الكاتب على فيس بوك: أحمد محمود شرقاوي
…………………..
كان متوتر, خايف, حاول يبعد عني وانكمش بجسمه, مكنتش هقدر أتجاهل موقف زي ده, الرحمة شيء إلهي ربنا زرعه في القلوب, وانا كان ليا نصيب كبير منها, قعدت جمبه على الرصيف وبابتسامة رقيقة سألته وقلت:
– ممكن تحكيلي بتبكي ليه وانا هساعدك
بصلي بصة خوف وقلق وفضل صامت مبيتكلمش, اتكلمت بلطف اكتر وقلت:
– طيب ايه رأيك نتعرف انا وانت, انا اسمي راندا وانت
بدأ يتهته بالكلام ويترعش وبعدها أتكلم وقال:
– انا اسمي ربيع
– عندك كام سنة يا ربيع
– عندي تمانية
– طيب ايه رأيك نفطر سوا وتحكيلي بتعيط ليه, مش انت جعان برضه
لقيته هز راسه بلهفة وابتسم ابتسامة خفيفة, خدته على مطعم واشترينا كام ساندويتش وقعدنا مع بعض على كافيه بسيط, طلبت شاي وطلبتله شاي بلبن وطلبت منه يحكيلي بقا..
في البداية كان متلعثم, مش عارف يعبر, بس انا كنت خبيرة, وعارفة ازاي اخلي اللي قدامي يتكلم, وهقولك في أخر الحكاية السبب, وبعد ساعتين من الكلام والنقاش سمعت اللي خلى دموعي تنزل بغزارة, ومسكت موبايلي وعملت مكالمة مهمة, مكالمة حاولت فيها بقدر الإمكان اني اساعد الطفل ده..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
………………………..
كل حاجة كانت كويسة, بابا بيسافر ويرجع كل شهر بيجبلي حاجات حلوة معاه, وماما بتهتم بيا وبتوديني كل يوم المدرسة وترجع تاخدني منها بعد الضهر, برجع أتغدى مع ماما وانزل ألعب مع اصحابي في الشارع لحد ما ماما تتخانق معايا وتطلعني عشان أكتب الواجب وانام عشان المدرسة, مكنتش أعرف ان الدنيا دي وحشة أوي كدا غير لما ظهر الراجل ده في حياتنا..
في يوم سمعت أمي بتتكلم بصوت عالي في التليفون وبتشتم واحدة وبتقولها “انتي كذابة” وراحت قفلت التليفون بكل عصبية, سمعتها بتتكلم مع نفسها بكل ثورة وبتقول
“بقا تتجوز عليا انا يا حقير”
كل اللي فهمته من كلامها ان بابا اتجوز واحدة تانية في السفر هناك, وان فيه حد كلم ماما وقالها, فضلت واقف أراقب ماما وانا خايف لحد ما جه الليل ونسيت كل حاجة, وبعد كام يوم لقيت ماما بتقولي اننا هنروح مشوار وخوفتني اني أفتن وأقول احنا رايحين فين..
ركبت معاها في المواصلات لحد ما وصلنا لشقة في مكان بعيد عننا, دخلنا الشقة لقينا واحدة ست قاعدة, ماما دفعتلها فلوس وطلبت منها حجز عشان تدخل للشيخ, بعد شوية فعلا دخلنا انا وهي لراجل لابس جلبية بيضا وماسك سبحة في ايده, الاوضة كانت سودة كلها, حتى الكراسي اللي قعدنا عليها, طلب من ماما تتكلم, لقيتها بتقوله:
– فيه حد كلمني وقالي ان جوزي اتجوز عليا وانا عاوزاه يطلقها ويرجعلي انا
– طيب وانتي متأكدة انه اتجوز عليكي
– عاوزاك تتأكدلي
– انا مش هتأكدلك, انا هخليه يفضل تحت رجليكي العمر كله, سواء كان اتجوز غيرك أو لا
– وانا تحت أمرك يا شيخ
شوفته بيتكلم بكلام مش مفهوم وبعدها رسم شوية رسومات على ورقة صفرا ومسك صباع ماما عوره بدبوس وخد منه دم حطه على الورقة, وطبقها اوي وقام حاططها في قماشة بيضا واداها لماما وطلب منها تحطها تحت المرتبة اللي بتنام عليها..
ومشينا من المكان كله, وقتها ماما خوفتني اني منطقش بأي كلمة شوفتها أو سمعتها, وانا مكنتش عاوز أتكلم, لأني مش عايز افتكر نظرات الراجل ده المخيفة لأمي, ولا عاوز افتكر ريحة الدخان الوحشة خالص..
وعدت الأيام ورجع بابا من السفر, سلمت عليه وحضنتنه بقوة بس حسيت ان هو متغير, انه غضبان, وعلى بالليل سمعت صوت عالي جاي من اوضته, كان بيتخانق هو وماما خناقة كبيرة, خناقة وصلت انه ضربها بالقلم, وقفت أبكي قدام الاوضة وانا خايف, أول ما شافني هدي شوية وساب البيت وخرج, ومن يومها, كل يوم خناقة كبيرة بتوصل للضرب والتكسير والزعيق..
كنت بدخل اوضتي ابكي واتغطى بالبطانية وانا بقول يارب يوقفوا خناق عشان تعبت, اسبوع صعب كرهت فيه بابا ووجوده معانا, بابا اللي اتغير وبقا بيكسر ويضرب بعد ما كان بيفسحني ويلعب معايا, وخلص الإسبوع ومشي بابا للسفر, ولقيت نفسي رايح مع ماما لنفس الراجل من تاني, أول ما عرفت بكيت وقولتلها “بلاش يا ماما انا مبحبش الراجل ده” بس اتعصبت عليا عشان منطقش بنص كلمة, وروحنا للراجل..
دخلنا الاوضة من تاني وانا بعد الثواني عشان نخرج منها, اوضة سودة, مخيفة, ريحتها غريبة, بس بدأت أسمع كلام غريب، كان بيقول لماما:
– هتسمعي كلامي هساعدك، هترفضي مش هخليكي تتهني في حياتك
ماما خدتني ومشينا، كانت بتترعش، أول مرة أشوفها خايفة كدا، شوفت في عنيها دموع كتيرة، رجعنا البيت لقيتها بتتكلم في التلفون بعصبية شديدة:
– انتي اللي عرفتيني على القذر ده، ودلوقتي بيطلب مني الحرام وإلا هيفرق بيني وبين جوزي
سكتت شوية واتكلمت تاني وقالت:
– وانا مش هعمل ده، كنت فكراكي صاحبتي طلعتي قذرة زيه
ولقيتها قفلت التليفون وانهارت في البكاء، كنت واقف حيران، قلقان، لحد ما دخلت اوضتي عشان انام، في الأول معرفتش أنام فقعدت جمب السرير وطلعت المسدس بتاعي وفضلت اتخيل اني نايم في الأرض وبضرب في الأعداء..
كنت مشغل المصباح الصغير والاضاءة هادية خالص، وفجأة وانا نايم تحت السرير وبلعب لمحت رجلين ضخمة برة السرير واقفة..
اتنفضت مكاني، حسيت كأني مش قادر اتحرك خالص، خوف رهيب مسك قلبي من جوة، الرجلين كانت سودة وضخمة، فضلت مكاني بنكمش على نفسي عشان العفريت ميشوفنيش..
وفي لحظة لقيت حد بيرفع الملاية وبيبصلي، كان راجل عينيه بيضا خالص، وشه كان أزرق ومنفوخ بطريقة مرعبة..
صرخت بأعلى صوت، بس هو ضحك، ضحك بصوت خشن عالي، في اللحظة دي أمي دخلت الاوضة تجري، وفوجئت بالراجل ده، وصرخت بأعلى صوتها ووقعت من طولها في الأرض..
في اللحظة دي شدني الراجل من رجلي بقوة، صرخت مرة تانية بأعلى صوت، كان قلبي بيدق بعنف وعمال اتشنج وبحاول اهرب منه، وقدرت اني افلت برجلي منه واهرب..
جريت على اوضة ماما وقفلت عليا الباب، ووقعت ورا الباب ونمت، صحيت على إيد ماما بتهزني بقوة، كنت تعبان اوي..
لقيتها حضنتني وبكت، جريت على سريرها خرجت اللفافة اللي كانت وخداها من الشيخ وحرقتها، وفضلنا طول اليوم جمب بعض، لحد ما جه الليل..
وحضر من تاني نفس الراجل المخيف، صحيت من نومي لقيت حد بيسحبني من رجلي وانا جمب ماما، حاولت اهرب بس مقدرتش، ووسط الضلمة شوفته تاني..
راجل وشه أزرق منفوخ وعنيه بيضا اوي، وصرخت بأعلى صوتي، وقامت ماما تصرخ وتشدني من بين ايديه، واختفى الراجل من قدام عنينا..
وفضلنا نبكي ونتنفض من الرعب لحد الصبح، وبدأ يتكرر الموضوع كل ليلة، لحد ما بقيت بستخبى في الدولاب من الرعب، أمي بقت بتلف بيا في الشارع طول الليل عشان خايفين نرجع الشقة..
وفي يوم قبل المغرب طلبت منها ننزل عشان العفريت، لقيتها بتبكي وبتقول:
– كل حاجة هتنتهي الليلة يا حبيبي متخافش
وفوجئت بالراجل اللي روحناله قبل كدا، جالنا شقتنا، شوفته وكرهته زي ما كرهته يوم ما شوفته، ماما طلبت مني ادخل اوضتي ومطلعش منها مهما حصل..
بس انا طلعت، وسمعتهم بيتكلموا جوة، كانت بتقوله:
– هما مرتين بس
– انا قولت ١٠ مرات، انا من يوم ما شوفتك وانا مسحور بيكي، ١٠ مرات ومش هتشوفي ضفر عفريت في شقتك
صحيت الصبح لقيته خارج من اوضة ماما وبصلي وابتسم ابتسامة مقززة، خرج من الشقة ودخلت لماما اسألها الراجل ده كان هنا بيعمل ايه، خدتني في حضنها وانهارت في البكاء..
واتكرر الموضوع، بقا بيجي كل شوية يبات في اوضة ماما، مكنتش فاهم ولا قادر أرفض الوضع ده، لحد ما جت ليلة امبارح صحيت مفزوع فيها على صراخ رهيب..
جريت على اوضة ماما لقيت بابا واقف وماسك سكينة ونازل ضرب بيها في ماما والراجل العجوز، عورهم لحد ما ماتوا، وشوفته بعنيا بيهرب من الشقة بعد ما جريت استخبى من الخوف، رجعت لماما حاولت اصحيها مصحيتش، كانت بتجيب دم كتير اوي..
نزلت جريت من البيت ابكي لحد ما قابلتك وحكيتلك على كل حاجة..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
……….
بكيت كتير اوي وانا بسمع حكايته، طول عمري بسمع حكايات من ضيوف برنامجي البالغين، أول مرة أسمع حكاية من ضيف صغير، طفل..
ايوة، انا المذيعة الشهيرة راندا الهواري صاحبة برنامج الحوادث الشهير، انا اللي القدر شاء اني أسمع بنفسي حكاية عجيبة، يمكن أعجب حكاية سمعتها في حياتي..
اتصلت بظابط صديق بلغته بالعنوان اللي فيه الجثث بعد ما قدرت أعرف عنوان ربيع، وفعلا الشرطة راحت لقت جثتين، الأم والشيخ النصاب..
الأب اتقبض عليه بعدها، واتضح ان الأب غير متزوج بزوجة تانية من الأساس، وان اللي كلمها كان قاصد يوقع بينها وبين جوزها..
وللأسف الزوجة اضطرت تمشي في طريق السحر والأعمال، فعجبت الدجال فقرر يأذيها هي وجوزها مش يساعدها عشان يقدر يأثر عليها ويختلي بيها، وسحرها بدمها اللي خده منها..
وده اللي بيبرر المشاكل اللي حصلت في الاسبوع اللي سافر فيه الزوج، وبعدها خضعت الزوجة للدجال اللي مارس معاها الفاحشة، مرة واتنين وخمسة، لحد ما يشاء القدر زوجها يشوفها ويقتلهم..
حتى لما تواصلت مع شيخ جليل في نقطة ان ازاي دجال بالقوة دي ميعرفش برجوع الزوج من الخدام بتوعه، عرفت ان الخدام في الأساس بيكرهوا الساحر لأنهم مجبرين على خدمته، وبيتمنوا له الشر والموت اكتر من أي حد، غير ان القدر نافذ فوق الجن والانس،. قدر الدجال ده يموت مقتول وهو بيزني مع امرأة..
بصيت للكاميرا وبكل حزن اتكلمت
“مكنتش أتخيل اني ممكن في يوم أجيب ضيف طفل صغير يحكي حكاية، ومكنتش أتخيل اني هصادف حكاية برة الكاميرا بتاعتي خالص، للأسف الطفل ده كان ضحية، ضحية زوجة جاهلة تجاهلت أمر ربنا وهو التبين من النبأ، ومشيت في طريق الكفر بالله وسمحت للساحر يدخل حياتها، دمرت كل حاجة..
الطفل هيرجع لوالده اللي خد براءة في استئناف امبارح، والده اللي وافق ان ابنه يبقا ضيف في حلقتي ويحكي، لعل الناس تتعظ من الحكاية دي”
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
…………..
ترقبوا أعمالي بمعرض القاهرة الدولي للكتاب ٢٠٢٢ ضمن اصدارات دار ببلومانيا للنشر والتوزيع..
رواية “إني رأيت”
سلسلة مائدة الفزع العدد الثالث “لعلهم يرجعون”

More Stories
وعن عمرٍ فيمَ أفناه ؟ خواطر أدبية ذات طابع وعظي
النائب العام الليبي: معرض الكتاب خطوة لمكافحة الجريمة ونشر الوعي بين الليبيين
دعوى التسليم والتمكين وما تستلزمه من إجراءات قانونية لقبولها شكلا.. بقلم الدكتور محمد عويان المحامي