كنت في سلطنة عمان ,و كنت أقيم في فيلا , استأجرتها سيدة تعمل بالتدريس بإحدى الجامعات , وكانت جنسيتها إنجليزية من أصل أفريقي , ويقيم معها ثلاث فتيات هن بناتها أكبرهم في عمر العشرين وأصغرهم في سن الثامنة .
وذات يوم وبينما أطالع الصحيفة ووجدت رقم هاتف عن مكان للإيجار بنفس العاصمة يبعد ليس كثيرا عن سكني.
و من باب الاستفسار ليس إلا .,أتصلت . ووجدت أنه يزيد عن سكني بفارق 50 ريالا . فقلت لن أستأجره ولكن طلبت رؤية المكان . وذهبت وأخبرت أصحاب السكن أنني استطيع دفع 20 ريالا فقط عن سكني وأنني بالفعل في سكن مريح . علي أمل أن يرفضوا . فأحيانا أنا عندما أكون مترددة في الاختيار أتمني عندما يتم رفض الشيء ألا يكون الرفض مني .
وبالفعل رفضوا . وبعد يومين اتصلت لأعرف هل مازال السكن خاليا . فوجدت الإجابة بأنهم موافقون علي المبلغ الذي عرضته . و قررت الذهاب ,والانتقال لهذا السكن الجديد .
و بينما أنا مشغولة في أخذ آخر أشيائي جاءتني جارتي البنت الكبرى , ذات العشرين عاما والتي تسكن مع امها , واخوتها بنفس المنزل . كانت إنسانه هادئة , سمراء اللون , جميلة الملامح , محبة لمساعدة الآخرين .
كان ما يميز تلك الأسرة أنهم يقدرون راحة من يسكن معهم , ولا يتدخلون في شئون الغير , ولا يتحدثون عن أحد , كنت أشعر بالراحة في التعامل معهم . وكنت ألتقي دائما بهذه الفتاة يوم الجمعة , بالمطبخ , كنا نتبادل الحديث , وعلمتها كيف تطهو الطعام المصري , وأحبت كثيرا من الأكلات المصرية .وعندما كنت أعمل المحشي كانوا كلهم يأتون إلى المطبخ علي رائحته ويحبون أن يأكلوه وكنت أشاركهم بعضا منه وكنت أيضا أشاركهم الاحتفال بعيدهم صباح العيد بتناول طعام الإفطار معهم . فعندما أرسلت أول مرة جارتي طبق به مالذ وطاب من الطعام , أخبرت أبنتها أنني سأنزل لتناول الطعام معهم . ونزلت ووجدتها تضايفني وكأنني أتيت لهم من خارج الدار فأخرجت الأطباق الجميلة والأكواب الغالية كانوا يذكرونني بالأفلام الأجنبية التي كنت أراها .
حيث يضعون في منتصف المنضدة الديك الرومي المحشو بالخضروات , ويضعون أنواعا كثيرة من الطعام , والشراب , وحتي بعد أن تركت السكني معهم كانوا يدعونني لمشاركتهم الاحتفال , بل وكان يأتي إليهم صديقات وقريبات من بلدهم ومن إنجلترا لحضور العيد معا .
وكانت تحب جارتي الجلوس معي والحديث . وكانت تستشيرني في بعض الأشياء , وتميل إلي ذوقي في ارتداء الملابس , كانت تحب تناسق الألوان فيما أرتدي .
وكانت أختها الصغرى , تضع الإيشارب فوق رأسها كغطاء مثلما أفعل بالضبط , ولكن الفارق أن ملابسها قصيرة وبدون أكمام . كانت أسرة جميلة , وعندما أتت لي تلك الجارة قالت لي شيئا جعلني أفكر فيه كثيرا .
فقد كنت الاحظ منذ ان عرفت اني سأترك السكن أنها غير سعيدة. وتتحاشي الحديث معي بل والنظر إلي ّ إلي ان جاءت و جلست وقالت لي وهي تبكي أنها حزينة لأني سأترك المنزل وأنني حسبما قالت بالحرف (you are Scand mother ).
( أنت أمي الثانية ) . وهذه العبارة كلما تذكرتها نزلت دموعي . ربما لأنني لم أتوقعها فقد قالتها لي الفتاة الكاثوليكية الديانة و الإ نجليزية الجنسية .
بالرغم اني لا اعطيها من وقتي ولا أعطيها من مالي ولا اهديها كما يهدي البعض للبعض . ولكن هذه الالفاظ اوقظت بداخلي انه لابد أن أتغير نعم انا احبها ولكن ربما ليس بنفس القدر .
استحييت من سلوكياتي التي تحكمها مشاعر ليست ناضجة , فدائما نقدم خدماتنا حسب الانتماء للمكان , واذكر ذلك عندما اتحدث عن البشر مع البشر الآخرين في المطلق وليس عن الأقارب أو ذوي صلات الدم فالوضع مختلف .
ولكنني أتحدث عن تصرفاتنا كبشر فمثلا ونحن في القاهرة نقدم خدماتنا بالأولوية لابنا محافظنا , ولأهل الصعيد عامة , ثم ونحن في بلد عربي نفضل ان نقدم خدماتنا لأبناء بلدنا المصريين قبل غيرهم من العرب .
ونساعد العرب قبل ان نساعد الأجانب . بل وأحيانا نفعل شيئا خطأ ظنا منا أنه هو الأصوب .
ومثال ذلك قد يكون أمامي بصفتي مسئول تعيين أحد المديرين وأمامي شخص من بلدي وشخص من بلد أخر فأختار ابن بلدي . او قد يكون شخص مسلم وشخص غير مسلم وقد يكون علي سبيل المثال الغير مسلم لديه كفاءه اكبر وانا اختار المسلم وانا واثق اني بهذا قد أرضيت ربي . ونسيت قوله سبحانه وتعالي يا عبادي أني حرمت الظلم علي نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا .
وانني قد أفعل ما حرم ربي ظنا مني انني أرضيه . فقد أظلم شخص وأقدم عليه شخص أقل منه , وفي يقيني أنني قد فعلت ما هو صح , ولكن للأسف نحن فعلا نتبع الهوى في كل شيء .
علمتني هذه الفتاة الصغيرة مالم تعلمه لي الكتب والأوراق , وربما قرأت كثيرا لكن ما وعيت في عقلي وذاكرتي لم يكن كثيرا مما قرأت .
تعلمت فعلا أن الحب لا يشترى وانها أحبتني بلا مقابل وبلا سبب . وعلمتني أن لا أميز في تعاملي مع الآخرين, وان اتعامل معهم من منطلق الإنسانية البحت .
كما قال الشاعر الغنائي عبد الرحيم منصور ( لا يهمني أصلك ولا يهمني العنوان يهمني الإنسان – أغنية حدوته مصرية ) .
وأذكر كذلك موقف حدث من عشرين سنه عندما قابلت زميلة لي كانت واختها التؤام معنا في الفصل الدراسي من اعدادي وحتي الثانوية العامة .
فسألتها عن أختها فقالت لي ( خلاص أترسمت راهبة ) فاستوقفني اللفظ فسألتها يعني أيه أترسمت ؟
فقالت انها تعتزل العالم كله خارج الدير حتي تتبدل مشاعرها فلا تشتاق إلي أهلها وحتي يصبح كل العالم الخارجي من البشر علي حد سواء من وجهه نظرها وكأنهم شخص واحد لا فرق عندها بين أمها أو أختها وبيني أنا مثلا .
وذلك نوع من الجهاد النفسي أنا شخصيا لا أستطيعه . ولكن ما استطيع وما أريد أن يقدرني الله عليه أن اتعامل فعلا مع البشر من منطلق الإنسانية البحتة .
أيا كانت جنسياتهم وانتماءاتهم . وبلادهم وديانتهم . وذلك في التعامل مع البشر العامة . أما طبعا الأصدقاء والأهل فالله هو الذي سخر لهم القلوب . والقلوب بيد الرحمن يقلبها كيف يشاء .
وديننا عندما جاء , فقد جاء ليقول لنا ان نعامل كل البشر من منطلق واحد بالعدل .فهو اسم الله العظيم .
العدل المطلق قبل الحب وقبل الكراهية وقد قال تعالي ( ولا يجرمنكم شنآن قوم علي ألا تعدلوا أعدلوا هو أرب للتقوي ) صدق الله العظيم ورسولنا محمد صلي الله عليه وسلم اوصانا بحسن المعاملة مع الكافة دون تمييز لأي سبب .
وقال لا فضل لعربي علي أعجمي إلا بالتقوي ,ولكننا للأسف نميز بين الناس ونخضع تعاملاتنا لقوانين نابعة من أفكارنا وعادات تعودنا عليها ليس إلا , ولا تمت لأية صلة بالدين .

More Stories
وعن عمرٍ فيمَ أفناه ؟ خواطر أدبية ذات طابع وعظي
النائب العام الليبي: معرض الكتاب خطوة لمكافحة الجريمة ونشر الوعي بين الليبيين
دعوى التسليم والتمكين وما تستلزمه من إجراءات قانونية لقبولها شكلا.. بقلم الدكتور محمد عويان المحامي