نوفمبر 1, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

الهجيع.. قصة قصيرة للروائي العراقي فاضل الربيعي

انزلق بجسده المنهك في مقعد سيارتة الصغيرة الصفراء وكاد ضوء الغسق ينحسر خجولا امام هجمات المساء..
عيناه تتراقص وترتشف اضوية تتلآلآ بالالوان المتراقصة من وهج المصابيح المنشورة على جانبي الطريق.
ثقيلة تلك الرموش تدعوه لوسن قريب, كان يوما شاقا ,كثير من هم داخل الردهات يحتاجون حنو الجند البيض ..
انه طبيب تحت التمرين مازال طالبا بالكلية الطبية ملاك من ملائكة الرحمة , جمع شتات قواه ودبت بسيارته حشــرجة الانطلاق ..سار بطيئا يتناغم مع حركة الناس الاصحاء ,يبتهج قلبه الطيب بنشاطهم ,حتى بدون ان يعرف احد منهم فقط هي السعادة تغمره للمنظر البديع .
استدار الساحة ,, رمق رجل يترنح على الرصيف ماسكا جنبه ,,عرف انها بداية جلطة ,قاده حرصة للرجل ليلتقطه قبل ان يهوي ارضا, دارت عينا الرجل لذراع الشاب تلفه بحنو ,امعن بنظرة لوجه الشاب قبل ان يفقد وعيه مغادرا بابتسامة شكر طبعت على شفتيه ..
بعد ان اودعة سرير الانعاش , تسرب الوهن بجسد الشاب يدعوه لنوم عاجل وبسرير قريب القى ثقل وهنه ,,ولكن هاجسا حركه لهاتف الرجل,,,يتصل باحد الارقام ليخبر احد من اهل الرجل ؛
– الو السلام عليكم
– ابي اهلا …
انتبه لنبرة الصوت واردف قائلا
_ ولكن من انت .اين ابي
بادرة بصوت مجهد
_ خير ان شاء الله
_ ياساتر
_ انا طبيب وقد احضرت والدك للمستشفى وكان يعاني من جلطة ,,الحمد لله حالتة مستقرة الان وهو نائم .
_في اي مستشفى ؟.
_ اليرموك ..ردهة الانعاش .
ترك الهاتف وراح مستسلما لنوم عميق ,كان مايزال غارقا بغفوته,احس بشيء يلف سريره تحركا جفناه ببطيء انتشت فيهما غريزة الفضول .
سربلت جسده رعدة عنيفة هزته ,انتفض , يستوعب المشهد محاولا التقاط انفاسة الهائمة ,قلق يشدة بقوة لتتسارع دقات قلبه ..رجال يطوقون سريره حملت اوداجهم كرها شديدا وتساؤلات اشد .قال احدهم بصوت حاد
_أأنت من احضر والدي ..
لم يتمكن من الاجابة للوهلة الاولى ,حاول استجداء هدوءه .جسمة المنتفض مازال مشوشا امام عاصفة حقد لايعلم كنهه ولكنه شاخصا امامه يكشر عن انيابه في وجوه كالحة .اعتدل جالسا وتفحص بنظرة الحضور الواجمة وقال بصوت هاديء ؛
_ لقد اسعفته بالوقت المناسب ,رجل يحبه الله..
اجاب احدهم بانفاس حارقة ؛
_من يقول ..قد تكون انت السبب ؟؟ وقد يموت ولا نعلم كيف قتل .
استغرب من حديثه ..نظر بسخرية له واجاب ؛
_ لوكنت انا السبب ..لم اتصل بكم .
سكت الجميع ..قال اخر ؛
_ على اية حال انت مطلوب عشائريا لنا ,احضر مجلسك وعشيرتك …..نتداول .
انسحب الجميع ,وسط دهشة الشاب ,,واحتدام الحيرة التي لفته بين امواج قاسية عارمة ..كان يتوقع عرفانا وشكرا ولكن ……جلس مشوش الافكار متسربل برهبة حيرته ينظر للرجل الملقى ..ويهمهم مع نفسه
_ ايها العم هجيعك يؤرقني ..كيف تنام ومخاوفي تصحو ..من هجيعك ..مات سهادي وصارت غفوتي حلما.. عجل بالصحوه لتسعف قلقي وتنتشلني من بهتان يؤرق الاوداج .. بين حقد جاهل وقلق حائر ..
جلسوا ينظر بعضهم لبعض ..كان الحضور عددا كبيرا من اهل الرجل,وافراد من اهل الشاب .. دار نقاشا عقيما اسفرت فيه انياب الجشع والجحود ..اخيرا نطق كبيرهم بصوت اجش مرتفع
_ سنكتفي بخمسة عشرمليون ..مؤقتا ..واذا فارق الحياة رجلنا ..هناك كلام اخر .
صرخ الشاب ..
_ ماهذا ..والله ظلم ..كيف اكافآ يهذا الجحود ..وهل جزاء الاحسان الا الاحسان ام النكران والقسوة .
مسكه قريبة من يدة ..وقال
_ سندفع عشرة ..ولو بدون حق .ولكن حسما للجدال , وقد ينقلب ذلك عليكم بشفاء الرجل ..ان شاء الله .
تحدقت العيون ..بلون بهتان اصفرلتقبل بالعرض السخي ..
جلس الشاب طويلا يتامل الرجل الملقى على سرير الانعاش تعصره لهفة شفائه ..المؤشرات جيدة ..قد يفيق باي لحظة ..الغريب انهم لم يزوروا والدهم منذ استلامهم المبلغ ..يحدث نفسة
_ مسكين انت ايها الطيب تتعايش مع ذئاب يهموشونك وانت حي ..
سرت حركة خفيفة بجسد الرجل …سربلت الشاب رهبة جامحة ,,حاول التقاط انفاسه الهائمة ..وانفرجا جفنا الرجل قليلا , واهنتان متعبتان .عن عينان تحاول العودة من الضياع ,,قال بصوت خفيف اجش ؛
_ ولدي ,عاجز عن امتناني ,لفضلك ,
فرحة تالقت , صفق لها قلب الشاب جمعت وهاد الارض المورقة وصارت كلمات الرجل نشيد عرفان توردت وجنتا الشاب وتفتحت اوداجه وقال والبسمة مشرقة على محياة
_ الحمد لله على سلامتك عمي .
ابتسم الرجل العليل ..لم يكمل اخذه الوهن .
لم يدلي الشاب باي بنت شفة لاولاده رغم رغبتة بذلك ,,ينتظر معافات الرجل ,ليكون الاقوى ..ويذوب القلق تحت شمس الواقع .ويضمحل وابل الهلوسات التي طأطأة راسه ..ادرك الرجل حال الشاب وكانة كتاب مفتوح ليقرا كمية الهموم التي تراءت في عينيه ,,التقط انفاسة الهائمة واردف قائلا بصوت ضعيف
_ ولدي قد كسبت عما .لن اتركك ولن انساك .
اجابة بابتسامة هادئه شاعت كوكب بهيج الانوار قال
_ اقل واجب لمثل مهنتنا .سخرني الله بالوقت المناسب .
_ فعلا انا مدين لك بعمري القادم
_ استغفر الله ,عفوا ماانا الا سبب والله سبحانه من نجاك .
سكت الرجل وعلت وجنتاه حيرة وشجن .وقال
_ اظنهم ظلموك .. وكنت انا السبب ..انفذ ما يطلبون حبا وحرصا عليهم ..صاروا اوغاد لايفكرون الا بالماديات , عشت حياة تعيسة وموحشة رغم غناي , كان صداها سقوطي بالجلطة ..لن تفرغ حقيبة النسيان عن ما اغدقت عليهم . وبدون مقابل حتى لو كلمة عرفان .
انخفضت عينا الشاب هاربة من الجواب خوفا على الرجل ,ولكنه اعاد السؤال عليه
_ قل يا ولدي ,,انا اعرف حصيلتهم ..
_ دفعنا عشرة ملايين .
سكت الشاب متفحصا وجه الرجل الذي تعاظمت قسماته اثار غضب والم .
– الله اكبر … هذا جزائك ..
سكت وهو يجمع انفاسة ويجيب ؛
_ ستتغير الامور ,فقط نحتاج شيء من الوقت ومباركة الرب .
_ ان شاء الله عمي ,,كل الفضل لله , المهم العافية ..
في صباح يوم مشرق دخل الشاب لزيارة الرجل الذي نقل الى غرفة خاصة بعد زوال الازمة ,بعد ان فتح الباب تسمر للمنظر الذي شاهده داخل غرفة الرجل تلعثمت كلماتة ..اردف قائلا بحذر
_ السلام عليكم ..
تهافتت الحناجر بجواب بهيج يشرح القلب ؛
_ اهلا بالبطل الطيب ..لملم الشاب وجله منهم واقترب مشرقا للرجل ,سحب احدهم كرسيا وطلب الرجل ان يجلس الشاب عليه .ذابت مشاعر الوهن بنهر جليدي لتتوقد اهازيج امل وفرح ,,نظر للرجل بعين حانية ,بينما تقدم اكبرهم وقبل راس الشاب واردف قائلا …
_ نامل ان تنسى الاوجاع ونكران الجميل منا لقد كنت اكرم من هشاشة رجولتنا حين قابلناك بالجحود .. لم يجيب الشاب الا ببسمة علت محياه المشرق ,تقدم الاخر ودس مبلغا من المال وقال .
_ نعتذر منك ايها النبيل .هذا حقك يرد اليك ونحن نغرق خجلا من كرم خلقك..لم يرد الشاب حرفا بل طفحت عيناه عرفانا بالموقف الذي اسدل الجراح .
_ نرجو ان تغادر الاوجاع فعمر والدنا اهم من اي مال ,,كنا قساة مع والدنا قبل ان نكون معك تقبل منا ان نكون اخوة . .ومد الرجل يده على كتف الشاب وقال ..؛
_ صرت اخا لهم وعلمتهم معنى الاخلاق …
ومرت الايام ,الرجل يقف مع اولاده يستقبلون المدعوين لزفاف الشاب الذي تخرج طبيبا يجلس في كوشة العروسين وعيناه تصدح بالبهجة ,لانه كسب اب واخوة بعد ان كان وحيدا ووالدتة المسنة ,,همهم مع نفسه
_ الحمد لله .. لقد صار .. جزاء الاحسان … احسانا .
فاضل محمد خضير
4\ 7\ 2020
قد تكون صورة لـ ‏‏‏٢‏ شخصان‏ و‏نص‏‏