كانت أول مرة أشوف دموع جدي بتنزل بالطريقة دي، لدرجة اني غيرت الموضوع اكتر من مرة، بس هو مكانش بيقول غير عفاف، عفاف، عفاف..
صفحة الكاتب على فيس بوك: أحمد محمود شرقاوي
………..
يومها جالنا الخبر المشؤوم، جدتي عفاف ماتت، وانهارت امي في الأرض لما شافت امها على السرير وروحها فارقت جسمها، كلنا قلوبنا وجعتنا، وكلنا حزنا اوي، بس وسط الحزن ده كله كان جدي محمد واقف مبيعملش حاجة غير انه بيردد “صبرني يارب على الفقد” “صبرني يارب على الفقد”
وبدأت دموعه تسيل على خده، لمدة يوم كامل وهو بيدمع في صمت، رفض ان حد يغسلها غيره، ورفض ان حد يشيل كفنها غيره وتلاتة كمان، ووقف على قبرها منع أي حد يلمسها حتى ولادها واخواتها، يومها خدها في حضنه بكل رفق وحطها في التراب وقعد جوة اكتر من خمس دقايق، بعدها خرج وبصلها وقال:
“هجيلك قريب يا عفاف استنيني”
الناس كلها بكت واتأثرت، مثال حي للعشق، حتى بعد ما عدى السبعين سنة لسة بيعشقها حرفيا، وعدت التلت أيام عزاء والحزن قل نوعا ما في القلوب الا جدي، جدي اللي كان رافض ياكل لقمة أو يتكلم بنص كلمة، جدي اللي اتحول لجسم بدون روح..
كل اللي بيعمله انه بيقف في الشارع طول النهار جمب كولدير المية اللي حطه صدقة على روح جدتي يسقي الناس منه، ووقت الصلاة يصلي ويرجع يقعد جمب الكولدير، كأنه بيجمع اكبر قدر من الثواب عشانها..
لدرجة ان امي واخواتها اتجمعوا عشان يحاولوا يطلعوا جدي من الحالة النفسية الصعبة دي، جدي حرفيا كان بيموت في صمت تام، كان بيقعد طول الليل حاضن صورة جدتي ويقعد يكلمها بصوت غريب..
لحد ما قررت انا، انا البنت اللي جدي بيحبها دونا عن العيلة كلها، وبالأخص عشان شبه جدتي الله يرحمها واسمي على اسمها، كنا لسة قاعدين في بيت العيلة، بلغت أمي واخوالي اني هبات مع جدي في الاوضة وهحاول اخليه يخرج من الحزن اللي هو فيه مهما كان..
خبطت على باب الاوضة ودخلت اجري زي الطفلة الصغيرة، وهوب مثلت اني وقعت جامد واتألمت، وللمرة الاولى من يوم موت جدتي يستجيب جدي لمؤثر خارجي ويتنفض من مكانه ويجري عليا، عملت اني موجوعة وعاتبت جدي بنبرة غضب خفيفة:
– شوفت انت عملت اي فيا يا جدي
رد عليا بتعجب:
– انا يا عفاف عملت ايه
– عشان زعلانة على زعلك خلتني اقع
– سلامتك يا حبيبتي
– لا انا لسة زعلانة منك
– طيب اعمل اي وتسامحيني
عملت نفسي بفكر شوية وبعدها قلت:
– نطلع نقعد على السطح زي زمان
حسيته متردد وتعبان بس انا بصيت بغضب مصطنع وقلت:
– يالا عشان هقولك جدتي قالتلي عنك ايه قبل ما تتوفى
اتنفض من مكانه وقام لبس الجلبية الصوف وخدني من ايدي وطلعنا السطح، كل اللي شافنا طالعين مكنش مصدق اللي انا عملته، وانا كنت ماشية مغرورة أوي في نفسي، طلبت منهم كوبايتين شاي وقلتلهم محدش يقاطعني انا وجدي أبدا..
وطلعنا السطح، قعدنا على الكراسي وتأملنا الصمت والهدوء والقمر اللي كان بدر في السما، وبعدها بدأنا نشرب الشاي، شوية وسألني جدي:
– مش هتقوليلي جدتك قالتلك ايه عني
– هقولك بشرط
– شرط ايه يا مفعوصة
– تحكيلي عن جدتي كل حاجة، خاصة عفاريت الشقة القديمة
ابتسم اوي وعنيه دمعت، وبدأ يسترسل الكلام وكأنه بيتكلم مع الفراغ..
عفاف، هي والعفة كانوا توأم، الست اللي خطفت قلبي وعرفتني معنى الحياة، لسة فاكر يوم ما اخدت ابويا وروحنا نطلبها، يومها قعدت معانا متعصبة أوي، ورغم عصبيتها كانت قمة في الجمال، وبدون مقدمات قالت لوالدها
“انا سمعت ان الاستاذ حافظ نص القرآن بس”
وقتها ابويا ضحك اوي، وقالها يا بنتي يحفظ النص التاني على ايدك، وتاخدي الثواب بدل ما ترفضيه، كان عنده لسان يقدر يقنع العالم انه يعيش في سلام الله يرحمه، وفعلا وافقت بيا عفاف..
وافقت عشان تحول حياتي ١٨٠ درجة للأحسن، ليلة دخلتنا صحتني قبل الفجر أصلي تحت التهديد، ومن يومها مبطلتش ضحك من اسلوبها وطريقتها اللي زي العسل..
حتى يوم ما ولدت خلتني اوعدها اني مش هسيب صلاة الفجر يوم ولادتها، وكانت دايما تفكرني اننا لازم نتجمع سوا في الجنة مع بعض، لسة فاكر كل كلمة حلوة قولتها، لما كان وشها بيحمر وتروح متعصبة وتجري على المطبخ..
جلساتنا كل يوم عشان نقرأ قرآن ونحفظ مع بعض، عمرها ما زعلتني غير لو قصرت في حقوق ربنا عليا، غير كدا فهي ملاك عايش عشان يسعدني في الحياة وبس، اول خناقة كانت مابينا لما خرجت بالصدفة وكان فيه ضيف ولمحها..
يومها ثورت، وهي استحملت واعتذرت وقالت انا غلطانة، خلتني اعتذر وابوس على دماغها بعدها، وكملت الحياة بينا كلها حلوة وبس، لحد ما نقلنا لشقة مصر القديمة..
كانت حياة جديدة بالنسبالنا، وهي كانت متحمسة لأي حاجة معايا، كانت بتقول لو هنروح للموت حتى مفيش مشكلة، المهم ربنا يبقا راضي عنا ونروح سوا، ودخلنا الشقة اللي كانت قديمة أوي، وكأنها من أيام الفراعنة، العنكبوت معشش في كل الأركان والتراب موجود في كل مكان، حتى الريحة كانت غريبة أوي..
بصيت بعين الاعتذار ليها اني جايبها معايا في مكان زي ده بسبب شغلي بس هي ضحكت، ضحكت زي البدر وشمرت ونزلت تنضيف في الشقة، وخلال ساعتين بس كانت الشقة كأنها شقة عروسة جديدة..
كل ده كان بيزود حبها في قلبي، الست اللي تغنيك عن كل حاجة في الدنيا حتى صحتها مش مستكتراها عليا، مش ناسي قسمها اني ممدش ايدي في أي حاجة، ونمنا ليلتها عادي جدا..
وصحيت جدتك بالليل على صوت حنفية الحمام شغالة، قامت بهدوء عشان متصحنيش وراحت قفلتها، ومسافة ما خرجت من الحمام سمعت صوت الحنفية شغالة من تاني، جسمها اترعش وخافت اوي، خاصة انها كانت رقيقة اوي رغم عصبيتها..
دخلت من تاني وقفلت الحنفية ووقفت شوية قدام الحنفية بس محصلش حاجة، ومسافة ما خرجت سمعت صوت حاجة بتتحرك في الحمام وبتنادي عليها “يا عفاف”
وقتها جسمها كله اتشل، وصرخت بأعلى صوتها، صحيت منفوض من نومي وجريت عليها لقيتها واقفة بتبكي قدام باب الحمام ومرعوبة، طمنتها بوجودي وقولتلها ان كل دي تخيلات وعدت الليلة عادي..
بس تاني ليلة صحيت انا بالليل على صوت حاجة بتتحرك تحت السرير وبتخبط في الكراكيب اللي تحته، قلقت يكون فار ولا حاجة، فضلت ادور بهدوء شديد عشان اشوف فيه ايه بس ملقتش، قمت عشان اتوضى واصلي ركعتين، ومسافة ما خرجت سمعت صريخ جدتك من تاني..
كانت بتحلف ان فيه حاجة لمست رجليها وشدتها وهي نايمة، غضبت اوي يومها، حتى لو عفريت ازاي يتجرأ ويلمس مراتي، احتويتها زي العادة وقعدت تالت ليلة له بالمرصاد..
هي نامت وانا فضلت صاحي، وفعلا بعد الساعة ١٢ سمعت صوت حنفية الحمام بتشتغل تاني، حسيت يومها فعلا بالخوف، بس غضبي كان أكبر، خرجت للصالة ووقفت قدام باب الحمام أسمع،. فعلا كان فيه صوت، دخلت بهدوء ملقتش أي حاجة..
قفلت الحنفية ومسافة ما خرجت للصالة لمحت راجل شكله وحش اوي كأنه محروق، اول ما شافني جري على اوضة جدتك، جريت زي المجنون وراه بس الباب اتقفل ومكنش راضي يفتح، وسمعت صوت صريخ جدتك جوة..
اتجننت يومها، كسرت الباب كله ودخلت وانا ماسك العصاية وحالف لاكسره بيها، بس هو كان اختفى، مكنش له أدنى أثر، تاني يوم كنا سايبين الشقة، مش عشان الخوف، بس عشان انا مش هتخيل فكرة ان العفريت ده يشوفها في يوم وهي بتغير هدومها أو وهي نايمة، حتى لو كان عفريت، وعرفنا بعدها ان الشقة دي كان فيها مشعوذ ومات مخنوق من الدخان..
كانت نقية اوي الله يرحمها، فاكر يوم ما خاصمتها تلت ايام عشان صلت قيام الليل لوحدها في ليلة ونامت، وفضلت تلت ايام صاحية عشان اصالحها وارضى عليها، حتى اكتر يوم اتعصبت فيه في حياتها كان يوم عيد الأضحى..
كلكم جيتوا الشقة، انتي واخواتك واولاد خالتك، وخالاتك كلهم، وكله بقا يقول احنا أكلنا وشبعنا وشكرا ومش قادرين، جدتك يومها طلبتكم كلكم في اوضتها، امك وخالاتك وانتي واخواتك واولاد خالاتك، وقفلت الباب بالمفتاح ومسكت العصاية..
حلفت انها هتضرب العيال بأمهاتهم عشان يحرموا ياكلوا يوم العيد وهما جايين، وكانت ليلة، محدش عرف يهديها ويشيل فكرة ضرب العيال بأمهاتهم غيري لما عاكستها قدامكم وقولت عليها
“القمر يعمل اللي هو عاوزه”
فضلت مكسوفة تلت ايام ومستخبية في اوضتها زي العيال الصغيرين، الله يرحمها كانت نور عنيا، كانت روحي وحياتي وكل ما ليا في الحياة، عتابي الوحيد انها سابتني لوحدي، بس ده قدر ربنا وانا راضي بيه..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
……….
دموعي وقتها نزلت اوي، حضنت جدي وطبطبت عليه، كان بيدمع وباصص للسما. خاصة لنجمة معينة، شاور عليها وقال:
– عفاف كانت بتحب النجمة دي اوي
ابتسمت اكتر عشان يقول بغضب:
– قوليلي يا بت بدل ما اضربك جدتك قالت عني ايه
– لا خلاص الطيب احسن
بصيت في عنين الراجل العجوز اوي وقلت:
– قالتلي جدك ده مفيش راجل زيه في العالم كله
وقتها وشه نور، ابتسم اوي وفضل يضحك، وسابني ونزل، دخل اوضته وهو مبتسم، وابتسمت انا اني خليته يخرج من حزنه..
تاني يوم صحيت على صوت بكاء هيستيري وهرج ومرج، جريت زي المجنونة ناحية اوضة جدي، كانوا كلهم بيبكوا حوليه، جدي مات، مات بعد موت جدتي بأيام، كأنه صدق ربنا في عهده معاها فربنا صدقهم وخلاهم حتى في الموت مع بعض..
كانت المصلية مفروشة وعليها الحامل والمصحف والسبحة، وريحة العطر بتاعه وبتاع جدتي مالية الاوضة، جدي كان وشه منور ومبتسم وهو ميت، بكيت كتير اوي، اوي..
وافتكرت حاجات كتير، قصص الحب اللي خلدها التاريخ ياترى اقوى ولا قصة حب جدي وجدتي، اتنين مسلمين عاهدوا ربنا انهم يتقوا الله في بعض، وكانت النتيجة قصة حب تعيش على مر التاريخ..
قصة حب اقوى من قصة قيس وليلى نفسهم، وقتها فعلا عرفت معنى ان خير متاع الدنيا الزوجة الصالحة، وجدتي كانت زوجة صالحة، صالحة لدرجة ان جدي حتى في موتها طلب من ربنا يبقا معاها، ربنا يرحمكم ويحشركم في الجنة مع بعض انتوا وكل أموات المسلمين..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
………….
“انهاردة هنعمل حاجة جديدة بقا، هتمنشن اربعة أو خمسة من صحابك من محبين القراءة عشان نشوف موضوع الجواز ده.. 
………….
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
“وعاشروهن بالمعروف”
“االدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة”
دعواتكم لأموات المسلمين..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي

More Stories
وعن عمرٍ فيمَ أفناه ؟ خواطر أدبية ذات طابع وعظي
النائب العام الليبي: معرض الكتاب خطوة لمكافحة الجريمة ونشر الوعي بين الليبيين
دعوى التسليم والتمكين وما تستلزمه من إجراءات قانونية لقبولها شكلا.. بقلم الدكتور محمد عويان المحامي