أكتوبر 31, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

مقاومة التطرّف في تونس بين الموجود والمنشود

 
كتبت نجاة الأخضر / تونس
لم تكن ظاهرة التطرّف العنيف والإرهاب في تونس ظاهرة مستجدة بل تمتدّ جذورها إلى القرن العشرين حيث مثّل تاريخ 27 جانفي 1980 انطلاق هجمة مجموعة مسلّحة بمدينة قفصة وهي تعرف أيضا بأحداث قفصة والتي خلّفت 48 قتيلا، منهم 24 جندي و21 مدني و3 مسلحين، إضافة إلى حوالي 100 جريح وقرابة 60 معتقلا في صفوف المسلحين، تواصلت الأحداث الدامية إلى القرن الواحد والعشرين حيث شهدت تونس هجمات عدّة تصنّف إلى صنفين:
1) قبل الثورة:
– تفجير جربة 2002 التي استهدفت كنيس الغريبة اليهودي في جزيرة جربة والتي أسفرت عن مقتل 14 سائحا ألمانيا وثلاثة تونسيين وفرنسيين إثنين، وجرح 30 آخرين بالإضافة إلى قتل مرتكب التفجير.
– حادثة سليمان التي جدّت بمدينة سليمان في 3 جانفي 2007 وقتل إثرها 12 مسلحا واستشهد عنصرين من الجيش والأمن.
2) بعد الثورة: الأحداث الإرهابية تتالت نذكر من بينها:
– حادثة الروحية التي جدّت في 18 ماي 2011 وهي الأولى من نوعها التي شهدتها تونس بعد الثورة وأسفرت عن استشهاد مقدم ورقيب من الجيش التونسي وقتل مسلحان تونسيان، وجرح جندي ومواطن آخرين وإلقاء القبض على مسلحَين حكم عليهما بالسجن عشرين سنة.
– أحداث جبل الشعانبي: وهي عبارة عن معارك متقطعة وتفجيرات بالألغام وكمائن بين مجموعات مسلحة والجيش التونسي في جبل الشعانبي وذلك منذ 10 ديسمبر 2012 إلى الآن. أسفرت العمليات إلى حد الآن عن أكثر من 90 قتيلا من الجهتين، منهم 38 من الجيش التونسي وحوالي 60 جريحا، فيما تم اعتقال حوالي 50 مسلحا.
– حادثة قبلاط 2013: التي وقعت في جبل طويل قرب مدينة قبلاط. قتل إثرها اثنين من الجيش والأمن وجرح منهم 5 وقتل 13 مسلحا واعتقل 4 منهم.
– اغتيال النائبين بالمجلس التأسيسي شكري بلعيد ومحمد البراهمي سنة 2013
– هجوم بنقردان 2016: بلغ عدد القتلى 66 قتيلًا، منهم 46 مسلحًا، واستشهاد 7 مدنيين و7 من الحرس الوطني و3 من الشرطة و2 من الجيش و1 من الديوانة وجرح 18 عنصرا من القوات الأمنية والعسكرية والمدنيين.
الملاحظ أن الأحداث الإرهابية تضاعفت منذ الثورة التونسية وتحوّلت تونس من أيقونة مضيئة وقصة نجاح لمسار انتقالي سلمي وبناء لديمقراطية ناشئة مقارنة ببقية الثورات بالدول العربية إلى أكبر الدول العربية تصديرا للإرهابيين فحسب الإحصائية التي قدّمتها الأمم المتحدة سنة 2015 تواجد أكثر من 5500 مقاتل تونسي في مختلف بؤر التوتر وهي إحصائية أكّدتها الجهات الرسمية التونسية.
الموجات المتتالية من العنف شكّلت واقعا جديدا في المجتمع التونسي وصدمة تبعها تحرّك من أجل مقاومة التطرّف بجميع أشكاله ونبذ كافة صنوف الإرهاب التي صارت جليّا تهدّد أمن البلاد والعباد وخطرا جديّا على مؤسسات الدولة والسلم الاجتماعي والقيم المدنية والديمقراطية عامة إذ لم تعد المقاربة الأمنية تقود بمفردها إلى نتائج إيجابية وهو ما يؤكّد وجوبية الانخراط في عملية مقاومة التطرّف والإرهاب وفق مقاربة تشاركية تجمع جميع الفئات والأفراد من نساء ورجال وشباب ومؤسسات وهياكل حكومية ومجتمع المدني.
هذا ما أجبر السلطة التونسية على توسيع دائرة الشركاء من أجل مقاومة واسعة وشاملة للتطرّف والإرهاب من خلال إشراك مختلف مكوّنات المجتمع من أجل بلورة خارطة طريق محدّدة واستراتيجية وطنية واضحة ومشتركة وعملت أيضا على تعزيز التشريعات والقوانين وإحداث لجنة وطنية لمكافحة الإرهاب.
لم يتأخّر المجتمع المدني التونسي في تلبية نداء الواجب وعمل على معاضدة جهود الدولة في مجال مقاومة الإرهاب من خلال المبادرات الاجتماعية والمشاريع الجمعياتية وهنا نذكر على سبيل المثال لا الحصر “مشروع مجلس القيادات الشبابية للحماية من التطرّف العنيف بولاية مدنين” الذي تنفذه الجمعية التونسية للمرأة والتنمية والذي انطلق منذ أكتوبر 2020 وينتهي في منصف هذه السنة 2022. هذه المبادرة تستحقّ الإشادة والذكر لأنها لامست الواقع وسعت إلى إحداث تغييرات إيجابية في أربع مناطق تدخّل وهي مدنين الجنوبية ومدنين الشمالية وسيدي مخلوف وبني خداش، وهي مناطق ترجع بالنظر إلى ولاية مدنين المتواجدة بالجنوب الشرقي للبلاد التونسية وهي نفس الولاية التي وقع فيها حدثين إرهابيين بارزين تم ذكرهما سابقا (التفجير الذي استهدف كنيس الغريبة اليهودي بجزيرة جربة عام 2002 وهجوم بنقردان في مارس 2016).
سعت الجمعية التونسية للمرأة والتنمية من خلال هذا المشروع إلى تكوين قيادات شبابية من الجنسين قادرة على مقاومة العنف والتطرّف مجنّدة من أجل تكريس ثقافة الحوار والتعايش السلمي في مجتمعاتهم المحلية بهدف تحصينها من كل مظاهر العنف والتطرّف الدخيلة على المجتمع التونسي والمهدّدة للتماسك الإجتماعي. من بين الأنشطة التي أنجزتها هذه الجمعية نذكر:
– إحداث أربع خلايا إصغاء موجهة للنساء والفتيات المعنّفات أو في خطر التعرّض للعنف من أجل تقديم الدعم النفسي والاجتماعي والتوجيه والإرشاد.
– إنجاز دراسة ميدانية متعلقة بالبحث في الأسباب والدوافع المؤدية للتطرّف العنيف، شملت الأربع مناطق تدخّل.
– تنظيم جلسات استشارية حضورية لفائدة النساء والفتيات اللاتي يُعانين من العنف أو في خطر التعرّض له تحت إشراف أخصّائيين نفسيين واجتماعيين. استهدفت إلى حدّ الآن 128 من المستفيدات بالمناطق المعنيّة الأربعة بالتدخّل وهدفت إلى توعيتهنّ بحقوقهن الاجتماعية واستعدادهن لحماية أنفسهن وأسرهنّ من شتى أشكال ومظاهر العنف والتطرّف وتفعيل دورهنّ الوقائي والحمائي بالإضافة طبعا لحصولهنّ على الدعم النفسي والاجتماعي.
– إقامة 4 موائد مستديرة افتراضية حوارية تفاعلية يشارك في تأثيثها خبراء ذوي تجربة ميدانية ومهنية إذ يعملون حاليا أو سبق لهم العمل في وظائف وقطاعات ذات صلة وثيقة بسياسة مكافحة التطرّف العنيف التي تبنّتها الدولة التونسية ويتشاركون عصارة خبرتهم وتجاربهم مع قادة شباب طموحين وهذا من شأنه أن يساهم في الترفيع من مكتسباتهم المعرفية وقدراتهم التواصلية وتتيح لهم فرصة المناقشة وإبداء الرأي وطرح الأسئلة والاستفسارات.
أوّل جلسة كانت من تأثيث العضو السابق بمجلس نواب الشعب “جميلة دبش كسيكسي” وهي أيضا رئيسة شبكة النساء القيادات الافريقيات فرع تونس حيث قدّمت مداخلة حول موضوع “الاستراتيجيات والسياسة المتخذة من قبل أجهزة الدولة للتصدي من العمليات الإرهابية والتطرّف العنيف” والتي أكّدت خلالها بأن ظاهرة التطرّف هي ظاهرة كونية يعاني منها العالم أجمع وليس المجتمع التونسي فقط وأشارت بأن سُبل مقاومتها تكمن في الانخراط المجتمعي وأهمية المشاركة المجتمعية في مقاومة هذه الظاهرة من خلال ثلاث محرّكات أساسية وهي:
– التشريع أي وضع إطار قانوني وتشريعي لضمان أكثر نجاعة من أجل مكافحة الإرهاب والجريمة وتحقيق الملاءمة مع مبادئ الحرية وحقوق الإنسان وهنا أشارت السيدة جميلة إلى ضرورة تعزيز الإطار القانوني الحالي نظرا لاشتماله على بعض النقائص.
– السياسات العمومية والاستراتيجيات الوطنية الرامية لحماية ضحايا التطرّف والوقاية والمواجهة مشيرة إلى أن تلك السياسات لم تبلغ المستوى المطلوب وبالتالي لم تفضي إلى بلوغ المستوى المأمول في تغيير الواقع.
– الحراك المدني /المجتمعي: نظرا لصعوبة أو استحالة محاربة ظاهرة التطرّف من قبل أجهزة الدولة خاصة في ظل ارتفاع منسوب الجريمة المنظمة لهذا من الضروري التواصل مع مختلف مكوّنات المجتمع واشراكهم في هذه العملية.
هذا وطلبت من القادة الشباب والحاضرين بالجلسة إلى ضرورة الاطلاع على مختلف القوانين الموضوعة لمقاومة هذه الظاهرة من بينها قانون 26 لسنة 2015 المتعلّق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، قانون 61 المؤرخ لسنة 2016 المتعلّق بمنع الاتجار بالبشر ومكافحته، قانون 58 لسنة 2017 المتعلّق بمناهضة العنف ضدّ المرأة، قانون 11 لسنة 2018 المتعلّق بالقضاء على جميع أنواع التمييز العنصري.
الجلسة الثانية أثّثها السيّد “منير كسيكسي” رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الارهاب سابقا وقد شغل منصب مستشار لدى رئيس الحكومة المستقيل إلياس الفخفاخ مكلفاً بالأمن وكذلك اشتغل بجهاز الحرس الوطني وبخطة آمر الحرس الوطني، قدّم في مداخلته لمحة تاريخية عن تطوّر العنف والجريمة بشكل عام في تونس (مثل الأحداث التي أسلفنا ذكرها في بداية المقال) وقام بتقسيمها إلى ثلاث فترات وهي كالتالي:
– الفترة الأولى: هي فترة بناء الدولة من سنة 1995.
– الفترة الثانية: تمثّل فترة البداية لبناء مؤسسات عسكرية وأمنية خلال الفترة بين 2002-2010.
– الفترة الثالثة: تمثل فترة ما بعد الثورة، انقسمت إلى فترتين فرعيتين: فترة ما بين سنة 2011-2015 وفترة ما بعد 2015 هذه الأخيرة تميّزت بالبناء الاستراتيجي للدولة من أجل مكافحة الإرهاب والتطرّف حيث تمّ المصادقة على قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال (قانون عدد 26 لسنة 2015) وتكوين اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب وبيّن السيّد “منير كسيكسي” الإطار القانوني لتأسيس هذه اللجنة التي أحدثت بموجب الفصل 66 المنبثق من القانون الأساسي لمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال سالف الذكر فيما حدّد الفصل 67 تركيبتها والفصل 68 ضبط مهامها وأشار إلى أن هذا القانون تم تنقيحه واتمامه بالقانون الأساسي عدد 9 لسنة 2019 المؤرخ في 23 جانفي 2019.
كما أشار إلى أن اللجنة الوطنية لمكافحة الارهاب تضطلع بعدة مهام مضمّنة في خمس محاور أساسية وهي:
1- مهام استراتيجية:
– إصدار المبادئ التوجيهية الكفيلة بالتوقي من الإرهاب ومكافحته والمساعدة على وضع البرامج والسياسات التي تهدف إلى منع الإرهاب.
– إعداد دراسة وطنية تشخص ظاهرة الإرهاب وتمويله والظواهر الإجرامية المرتبطة بها وتقييم مخاطرها وسبل مكافحتها وتحدد الأولويات الوطنية في التصدي للظاهرة
– المساهمة في تنشيط البحوث والدراسات لفهم الظاهرة ولتحديث التشريعات المنظمة للمجالات ذات الصلة بالإرهاب بما يحقق تنفيذ برامج الدولة في التصدي للظاهرة.
2- مهام تحسيسية:
نشر الوعي الاجتماعي بمخاطر الإرهاب من خلال حملات تحسيسية وبرامج ثقافية وتربوية وإصدار بلاغات وأدلة ونشريات وإقامة الندوات والمؤتمرات تكون موجهة لجميع فئات المجتمع قصد دعم اليقظة وتعزيز الثقة وبناء القدرة على التصدي.
3- مهام تنسيقية:
– تيسير الاتصال بين مختلف الوزارات وتنسيق جهودها في المجالات ذات الصلة بالوقاية من الإرهاب كتنسيق ومتابعة الجهود الوطنية في مجال تطبيق إجراءات حماية الأشخاص المعنيين بالحماية على معنى الفصل 71 من القانون عدد 26 لسنة 2015.
– التنسيق مع المصالح المعنية لتوفير المساعدة الطبية والاجتماعية والقانونية لفائدة ضحايا الإرهاب لضمان التعافي الجسدي والنفساني وتيسير إعادة إدماجهم في المجتمع.
4- مهام تنظيمية:
– متابعة وتقييم تنفيذ قرارات الهياكل الأممية المختصة ذات الصلة بمكافحة الإرهاب في إطار حرص تونس على الوفاء بالتزاماتها الدولية ودعم المجهود الدولي في مكافحة الإرهاب.
– اتخاذ قرارات في تجميد أموال الأشخاص والتنظيمات المدرجة باللوائح الأممية المعدة من طرف لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن (القرار 1267)
– اتخاذ قرار في تجميد أموال الأشخاص والتنظيمات التي تبين للجنة ارتباطها بالجرائم الإرهابية (اللجنة مطالبة بتحديد أسماء الأشخاص والتنظيمات الموجودة بتونس والمشتبه في ارتباطها بالجرائم الإرهابية وتعميمها على السلط الإدارية والمؤسسات المالية) القرار 1373.
5- مهام استشارية:
– إبداء الرأي في مشاريع النصوص القانونية المتعلقة بمكافحة الإرهاب.
– اقتراح تصورات عملية لتنفيذ البرامج والسياسات للجهات الحكومية دعما للمجهود الوطني في مجال التوقي من الإرهاب ومكافحته.
كما وضّح تركيبة اللجنة حيث أشار أنها تتكون من 22 عضوا يمثلون مختلف الهياكل والفئات (ممثلين عن رئاسة الحكومة والوزارات وخبراء وقاضي تحقيق أول مختص في قضايا الإرهاب) ويمكن ﻟﺮﺋﻴﺲ اﻟﻠﺠﻨﺔ أن ﻳﺪﻋﻮ ﻛﻞ ﺷﺨﺺ ﻣﻦ ذوي اﻻﺧﺘﺼﺎص واﻟﺨﺒﺮة أو ﻣﻦ ﻳﻤﺜّﻞ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﻤﺪﻧﻲ ﻟﺤﻀﻮر اﺟﺘﻤﺎﻋﺎت اﻟﻠﺠﻨﺔ ﻟﻼﺳﺘﺌﻨﺎس ﺑﺮأﻳﻪ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺎﺋﻞ المعروضة ﻋﻠﻴﻬﺎ.
تم إعداد الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف والإرهاب بصفة تشاركية، حيث تضمن هذه الاستراتيجية رؤية واضحة ومشتركة بين جميع المتدخلين وتطوّر القدرات الوطنية لمجابهة التطرف العنيف والإرهاب ضمن معالجة شاملة ومتعددة الأبعـــاد، ثم اعتمادها من قبل مجلس الأمن القومي وإمضاؤها من قبل السيد رئيس الجمهورية الأسبق الباجي قائد السبسي في 7 نوفمبر 2016. وحددت الاستراتيجية 59 هدفا ضمن أربعة أركان: الوقاية والحماية والتتبع والرد. وهي تفعّل في إطار الحكم الرشيد، واحترام سيادة القانون وضمان حقوق الإنسان. وتنفّذ الاستراتيجية من خلال خطط عمل وزارية وتعمل اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب على دفع التعاون وتنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين (الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني) ومنظومة الأمم المتحدة والمبادرات الخاصة والتعاون القضائي مع الدول ومتابعة تقدم المشاريع في الولايات.
الجلسة الثالثة قام بتأثيثها القاضي “لزهر الجويلي” المكلف بنزاعات الدولة سابقا أكّد في مداخلته على أنّ موضوع الارهاب بصفة عامة هو موضوع هام وشائك حيث كانت ظاهرة الارهاب تأخذ شكل تصاعدي من سنة إلى أخرى، ممّا أدّى إلى إبرام اتفاقيات دولية بالإضافة إلى صياغة جملة من الإجراءات والقرارات الرامية إلى تعزيز سبل الحماية والوقاية باعتبار وأن هذه الظاهرة تستهدف فئات الشباب ممّا يشكل خطرا على أمن المجتمعات كما أنها ترتبط بالتطرّف الفكري وقد بيّن بأن الانسان قد يكون متطرّفا ولكن ليس بالضرورة أن يقوم بعملٍ إجرامي وإرهابي.
كما طرح أسئلة جوهرية تحتاج إلى تفكير معمّق مثل: كيف يتم وقاية الشباب من الارهاب؟ وكيف يتم حمايتهم من الاستقطاب من قبل الجماعات الارهابية؟ خاصة وأن الجماعات الارهابية تستغل مواقع التواصل الاجتماعي لاستقطاب الشباب، وأضاف كذلك أن ظاهرة الارهاب في تونس تكتسي أهمية خاصة ولها ظرفية خاصة، خصوصا مع المرحلة الانتقالية التي تميّزت بظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية صعبة إضافة إلى تفكك المؤسسات. وفي نفس الوقت تزامن هذه المرحلة مع الأحداث الارهابية المتتالية وما زاد الوضع تعقيدا تلك الفترة التي لم يتواجد بها تشريعات ومؤسسات اجتماعية وثقافية ومؤسسات التعهّد القادرة على مواجهة الظاهرة الارهابية وهذا يطرح مراجعة كبيرة لمؤسسات الطفولة والسياسات الاجتماعية والتربوية، مع التأكيد على ضرورة تأمين وتوفير آليات ناجعة لترشيد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وتطوير وتحديث الخطاب الديني الداعي إلى احترام الرأي المخالف ونشر السلم بالإضافة إلى تطوير البرامج التربوية في المدارس والمعاهد، أيضا دعم قدرات الاعلاميين في مجال حقوق الانسان وتحسين التعاطي الإعلامي مع الأحداث الإرهابية باعتباره سلطة رابعة يلعب دورا أساسيا في التأثير على الرأي العام، وأيضا خلق الموازنة والمعادلة بين مكافحة الارهاب ومبادئ حقوق الانسان إذ أن عدم احترام حقوق الانسان والتعسّف على الحريات العامة والخاصة قد يؤدّي إلى عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
كما أشار إلى جزئية مهمة وهي كيفية التعامل مع قضية ضلوع الأطفال الذين لم يتجاوزوا سن الثامنة عشر وثبت تورّطهم أو مشاركتهم في قضايا إرهابية أو أحداث إجرامية يختلف التعامل معهم عن الأشخاص البالغين.
هذه النقطة كانت موضوع الجلسة الرابعة والختامية التي قدّمتها الأستاذة المحامية “أحلام العزني” والتي استندت بالأساس إلى وجهة نظر القانون من حيث التعامل القانوني مع الأطفال المتهمين بجرائم وجنح. البداية كانت بتبسيط لبعض المصطلحات القانونية مثل التعريف القانوني للطفل والجنحة والجناية والحرية المحروسة وغيرها من المصطلحات. أما عن التعامل مع الطفل المرتكب لجنحة فإنه، بحسب توضيحها، يتم الاستناد إلى مجلة حماية الطفل حيث أن قرارات القاضي تصبّ غالبا إلى إبقاء الطفل في محيطه العائلي وعدم فصله عن أبويه إلا إذا تبيّن أن هذا الفصل ضروري لصيانة مصلحة الطفل الفضلى مع ضمان حق الطفل في مواصلة التمتع بمختلف ظروف الحياة والخدمات الملائمة لحاجياته ولسنّه والمتناسبة مع المحيط الأسري العادي ومراعاة حاجياته الأدبية والعاطفية والصحية وغير ذلك من الأحوال الخاصة بوضعه.
من بين العقوبات التي يمكن تسليطها على الطفل الذي بلغ سنّه ثلاثة عشر عاما بسبب المخالفات التي ارتكبها تحال قضيته على قاضي الأطفال الذي ينظر فيها دون حضور الطفل إلاّ إذا رغب الطفل أو وليّه في ذلك وإذا ثبتت المخالفة جاز لقاضي الأطفال أن يوجه للطفل مجرّد توبيخ أو أن يحكم عليه بالخطية إن كان له مال أو أن يضعه تحت نظام الحرية المحروسة عند الاقتضاء وفي كل الحالات يتم تكريس الوساطة وإجراءات التجنيح وعدم التجريم ، إلا إذا ارتكب الطفل جناية، مع تشريك المصالح والمؤسسات المهتمّة بالطفولة في اتخاذ القرارات واختيار التدابير التي تتماشى ومصلحة الطفل الفضلى.
بالنسبة للطفل الذي لم يتجاوز سن الخامسة عشر عاما لا يمكن إيقافه تحفظيا إذا كان متّهما بارتكاب مخالفة أو جنحة. وتجدر الإشارة إلى أن آلية الوساطة ترمي إلى إبرام صلح بين الطفل الجانح ومن يمثله قانونا وبين المتضرر أو من ينوبه أو ورثته وتهدف بالأساس إلى إيقاف مفعول التتبّعات الجزائية أو المحاكمة أو التنفيذ ويمكن إجراءها في كل وقت بداية من تاريخ اقتراف الفعلة إلى تاريخ انتهاء تنفيذ القرار سواء كان عقابا جزائيا أو وسيلة وقائية. ويرفع مطلب الوساطة من قبل الطفل الجانح أو من ينوبه إلى مندوب حماية الطفولة الذي يسعى إلى إبرام صلح بين الأطراف المعنية يدوّنه في كتب ممضى ويرفعه إلى الجهة القضائية المختصة التي تعتمده وتكسيه الصبغة التنفيذية ما لم يكن مخلاّ بالنظام العام أو الأخلاق الحميدة.
كما أكّدت السيدة المحامية “أحلام العزني” بأن قانون مكافحة الإرهاب لم يتضمّن في فصوله لخصوصية الطفل لهذا يقع الاعتماد على مجلة حماية الطفل التي من إيجابياتها تنزيل حقوق الطفل في الرعاية والحماية والوقاية والتأهيل والإدماج ومراعاة مصلحته الفضلى وإيجاد الحلول الملائمة لظاهرة انحراف الأطفال بالاعتماد على المبادئ الإنسانية والإنصاف مع إعطاء الأولوية للوسائل الوقائية والتربوية. ويجتنب قدر الإمكان الالتجاء إلى الاحتفاظ وإلى الإيقاف التحفظي وإلى العقوبات السالبة للحرية وخاصّة منها العقوبات قصيرة المدة.
حاولنا في هذا المقال إلقاء الضوء عن المشروع الذي تنجزه الجمعية التونسية للمرأة والتنمية باعتبارها من الجمعيات التي أسهمت وتساهم في إحداث تغييرات إيجابية في المجتمعات المحلية بالجنوب التونسي بخطى ثابتة وأهداف طموحة وعمل ميداني ذا أثر ملموس إذ من المهم التأكيد على تكثيف مثل هذه المبادرات نظرا لثبوت فاعليتها وأثرها الإيجابي المستدام خاصة وأنها تخدم المصلحة العامة.