نوفمبر 1, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

“أنا انسانة قعيدة”

قدر وربنا كتبه عليا وانا كنت راضية بيه، حتى اني الاقي نفسي ساكنة في عشوائيات جمب المقابر كان برضه قدر، انما اني استسلم لأفعال جوز أمي بالبساطة دي فده اللي مكنش ينفع اطلاقا، حتى لو كان الموت هو النتيجة..
………..
كل اللي فكراه ليلتها هو اننا كنا بنلعب على الطريق السريع وبنجري بالليل، وبدون أي مقدمات سمعت صوت بيحذرني، وفي لحظة حسيت بخبطة عنيفة وبعدها جسمي طار لمسافة كبيرة، وبعدها ارتطام واحساس اني عضمي كله اتكسر وبعدها ضلمة، ضلمة شديدة اوي..
ولما صحيت عرفت، عرفت اني اتعورت جامد ومش هعرف أمشي تاني، وهفضل طول عمري قاعدة على الكرسي اللي اشتراه اللي خبطني بعربيته يوم الحادثة كنوع من أنواع الاعتذار..
وبقيت قعيدة، مشلولة باللهجة الدارجة بتاعتنا، وعرفت يعني ايه بلاء، عرفت يعني ايه نعمة انك تكون بتمشي لوحدك، بتدخل الحمام لوحدك، وقادر انك تنزل تلعب في الشارع لوحدك..
وبقا يومي كله عبارة عن اني اقعد على الكرسي في الشارع اتفرج على العيال وهما بيلعبوا، وطول النهار ماسكة رغيف عيش عمالة اكول فيه، وفي اخر الليل يجي ابويا وادخل جوة انام..
حياة في قمة الرتابة، يوم بيتكرر كتير اوي، كنا ساكنين في مساكن قديمة اوي، عشوائيات، وكلها مبنية جمب المقابر، المقابر اللي حفظت أدق ادق تفاصيلها، بفتح الشباك بشوفها، بننزل نلعب جواها وجمبها كتير، حتى الجنازات كانت مشاهد مألوفة بتحصل قدامي دايما، لحد ما حصلت الكارثة ومات ابويا في يوم وليلة..
وقتها كان عندي ١٨ سنة، وامي كانت تقريبا عندها ٣٥ سنة، ولقينا نفسنا فجأة بدون أي معيل، واحنا في مكان اصلا بتجيب فيه قوت يومك بالعافية، امي اشتغلت في مكتب تخديم وبقت تروح تنضف الشقق عشان ناكل..
وانا اشتريت شوية ترمس وبقيت بقعد بيهم قدام البيت ابيع منهم عشان أكسب في اليوم ولو ١٠ جنيه، بس الحال كان صعب، صعب جدا، الفلوس بتخلص في نص الشهر وبنفضل باقي الأيام بنشحت حرفيا.
ومن حال سيء لأسوأ جت فرصة النجاة من واحدة جارتنا لما عرضت على أمي تتجوز من اخوها، وأكدت لها ان اخوها بيكسب كويس وهيصرف عليا انا وأمي..
وكان بالنسبة لأمي طوق النجاة من الحياة الصعبة اللي كنا بنعيشها، وفرصة انها تقعد تعتني بيا بدل ما كانت بتسبني طول النهار وافضل على الكرسي بال١٢ ساعة مش عارفة حتى ادخل الحمام..
وسابت أمي شغلها واتجوزت فتوح، فتوح اللي من أول يوم كان باين انه شخص في غاية السوء، طريقة كلامه وريحة الدخان اللي خارجة منه وسنانه المتكسرة..
نموذج ممتاز لتاجر المخدرات والبلطجي في مخيلتك، وكان اتفاقنا انه هيجي يعيش معانا في شقتنا وهيتولى هو مصاريف البيت وهيسيب شقة ابوه لاخته اللي كانت أرملة..
والتزمت اوضتي الصغيرة في الفترة دي، مبقتش بخرج منها اطلاقا، ولقيت رفيق جديد وقتها، الشباك، كنت بفتحه طول الليل وافضل اتأمل سكون المقابر، لدرجة اني كنت بسرح بالساعات مع شواهد القبور..
وفي ليلة وعلى الساعة ٢ بالليل شوفت جوز أمي جاي من قلب المقابر، كان واضح اوي انه شارب ومسطول، وكنا على يقين انه بيتعاطى، بس استحالة نركز في نقطة زي دي في حياة زي اللي احنا عايشينها دي..
صدقني احنا عايشين تحت الأرض زي ما بيقولوا، وواحدة واحدة عرفنا ان فتوح بيتاجر في الحشيش، بس برضه هنقول ايه، تفتكر امي ممكن تعترض او تقف حتى في وشه، وبدأت تظهر شخصيته بعد شهر واحد من الجواز..
ضرب لأمي واهانة وتجريح لدرجة رهيبة، ويوم ما قالتله طلقني اقسملها انها لو قالت كدا مرة تانية هيدبحني ويدفني في مقبرة من دول، وبقينا على يقين ان ده بقا أمر واقع لازم نتعايش معاه، انا المشلولة وامها اللي ملناش أي حد، ومعناش اصلا اللي يكفينا ناكل يومين ورا بعض..
لحد ما جه في ليلة مسطول كالعادة وسمعت أمي بتقوله:
– ابعد عني انا قرفانة منك
ومسافة ما قالتها بدأ الصراخ من أمي، أمي اللي قطعلها هدومها واغتصبها بكل وحشية، امي اللي سمعت صوت أنينها وعذابها وانا قاعدة على الكرسي ببكي من القهر وبتنفض..
ليلتها قعدت في الشباك ابكي بهيستريا شديدة، ووسط بكائي ووسط هدوء المقابر لمحت واحدة ماشية بين حارات المقابر في هدوء شديد، كانت لابسة اسود وجسمها ضخم، شكلها كان غريب خلى جسمي كله ينمل وقلبي يدق بسرعة شديدة..
فضلت تمشي بين الحارات لحد ما قربت من المساكن اللي احنا فيها، وخاصة قدام المبنى القديم بتاعنا، وهنا قدرت المح هيئتها نوعا ما، كانت لابسة جلبية سودة قديمة وشعرها منكوش وحافية..
رجليها كانت مجروحة وبتجيب في دم،. الدم كان عامل اثار اقدام كتير اوي على كل مكان خطت عليه، وفجأة بصت لفوق، ناحيتي، ولمحت وش متعور، متبهدل، والدم عمال يتدفق منه، والعنين كانت بتلمع زي عيون القطط بالظبط..
انا شهقت، ووقعت من على الكرسي وانا بتنفض، حسيت ان روحي هتخرج من الخضة، وعنيا بقت جاحظة بطريقة عجيبة، وأنفاسي بقت سريعة، كأني داخلة على حالة صرع، لساني اتشل ومبقتش قادرة أنطق بنص كلمة..
ووسط خوفي وفزعي سمعت صوت خربشة غريبة، بصيت ناحية الشباك وانا قلبي هيقف، ولمحت ايد متعورة وكلها دم بتمسك في الشباك، بقيت هتجنن، مذهولة، والرعب عمال ينهش فيا..
ازاي طلعت على الحيط، الا لو كانت بتزحف زي الزواحف، كل الافكار دي مكملتش ثواني لأنها ظهرت قدامي، ونطت جوة الاوضة بتاعتي كمان، وبقيت مرمية في الأرض وبيخرج مني صوت حشرجة..
كأن روحي خلاص هتخرج من جسمي، كأني هموت، نزلت برجليها على أرض الاوضة وشوفتها بتلف حولين جسمي، رجليها كانت بتجيب في دم، وبتعلم على الأرض، بصت كتير على الكرسي وعليا وراحت مصرخة بصوت عالي وجريت نطت من الشباك..
وانا مقدرتش استحمل اكتر من كدا ووقعت في غيبوبة كبيرة، غيبوبة من الرعب والفزع، ولما صحيت كانت أمي واقفة قدامي مخضوضة وخايفة، طمنتها عليا بكلام غير حقيقي وفضلت طول اليوم بترعش..
مش مستوعبة اللي حصل امبارح ده كان حقيقي ولا أي كلام، وفي الليلة اللي بعدها قعدت قدام الشباك أراقب سكون المقابر، كان المكان صامت اكتر من أي ليلة، فضلت كتير مستنية بس مفيش أي حاجة حصلت، وقبل ما اقرر انام بلحظات شوفتها من تاني..
بشكلها المخيف ومشيتها الدموية، كانت بتلف وتدور حولين قبر من القبور، ورجعلي شعور الفزع بتاع امبارح، وجسمي بدأ يتنفض من جديد، كانت عمالة تلف وتدور كتير اوي، بدون أي ملل..
ولمحته جاي من بعيد، جوز أمي، كان جاي من المقابر وشكله شارب لما اتعمى، قفلت الشباك بسرعة ومشيت بالكرسي وعملت نفسي نايمة، بقيت بخاف من ظهوره اكتر من الست دي نفسها..
وبقيت في كل ليلة بشوف الست دي بتلف حولين القبر، لدرجة اني حفظت معالم القبر، وحفظت ملامح الست، وحفظت شعور الرعب اللي بقا بيراودني كتير اوي، حتى لما قررت مقفش في الشباك في ليلة لقيتها في اوضتي، وفهمت التحذير، انا بقا فرض عليا كل ليلة اشوفها وهي بتلف حولين القبر..
لحد ما جت الليلة الأكثر رعبا، كنت واقفة في الشباك ومخدتش بالي من رجوع جوز امي من المقابر كالعادة، وشهقت مرة راحدة لما حسيت بإيديه بتتحط على كتفي، معرفش وصل امتا وطلع ودخل اوضتي..
بصيت في عنيه شوفت عنين كلها شهوة، كان شارب لحد ما غاب عن الواقع، وايديه كانت على كتفي وماسكة فيا بعنف شديد، لساني اتشل وحسيت برعب رهيب، العفريتة مكنتش بتأذيني، بس هو هيأذيني، انا واثقة من ده..
وواحدة واحدة ايده بدأت تتحرك على جسمي، عقلي كان واقف عن التفكير، مش عارفة هصرخ ولا هبكي ولا هعمل ايه، دموعي نزلت في صمت، دموع القهر والرعب، حتى لو صرخت وأمي صحيت هتعمل ايه..
وفي اللحظة دي وهو غايب عن الوعي شوفتها، شوفتها من الشباك، كل ده وهو ماسك بإيده فيا بعنف، كانت واقفة بعيد وباصة عليا، رغم بعد المسافة حسيت انها بتكلمني، بتوصلي رسالة، رسالة اخترقت عقلي بطريقة مخيفة، كأن حد بيكلمك بكلام مفهوم..
ولقيت نفسي ببتسم، ببتسم ابتسامة واسعة اوي، وبكل دلال الدنيا قولتله:
– أمي ممكن تشوفنا ونتفضح
بصلي بتعجب من استسلامي وقال بصوت متخدر:
– وهنعمل ايه
– هننزل تحت في أي مكان فاضي وهبقا كلي ملكك
لقيت عنيه بتلمع بقوة وقال بصوت متوتر من اثر الشهوة:
– ياريت، ياريت
طيب شيلني بالكرسي نزلني تحت البيت وانا همشي بالكرسي وانت امشي ورايا عشان محدش ياخد باله..
وفعلا شالني بالكرسي ونزلني تحت البيت، المقاير كانت في وشنا بالظبط، والمكان كله ضلمة، اول ما سابني حركت عجل الكرسي بإيدي واخترقت المقابر بسرعة، ومن ورايا بدأ هو يتحرك، كنت بتمنى أعرف اوصل للقبر اياه بسرعة..
ايوة هناك عند التلت شجرات، القبر القديم، وبقيت بنهج وانا بزق عجل الكرسي عشان يتحرك على الأرض الترابية دي، كنت ببذل مجهود جبار وجسمي بيعرق وقلبي بيدق..
في النهاية وصلت، وصلت وشهقت شهقة موت أول ما لاقيتها في وشي واقفة قدام القبر، وقبل ما اتحرك سمعت صوته جاي من بعيد:
– فينك يا قلبي من جوة
اتحركت وانا بتنفض بالكرسي واستخبيت، وظهر هو، ظهر عشان يلاقيها قدامه فجأة، رغم الضلمة كنت شايفاه وشيفاها، لقيته صرخ برعب وقال:
– انتي، انا مش مش قتلتك خلاص
جسمي اتهز كله مرة تانية، وجريت بالكرسي بتاعي، ومن ورايا سمعت صرخات رهيبة، كأن حد بيتحرق في الجحيم، بس مكنتش هقدر استنا لحظة واحدة..
وصلت مدخل المبنى وسبت الكرسي وخدت السلم كله زحف، زحف لحد ما وصلت للشقة، خبطت بسرعة عشان امي تفتحلي وهي مخضوضة، طلبت منها تجيب الكرسي بسرعة وقفلت باب شقتنا، قفلته خالص..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
…………
فتوح لقوه جثة قدام القبر، ومحدش قدر يعرف سبب وفاته، بيقولوا كان وشه اسود وجسمه كله متخشب، من بشاعة شكله الناس خافت تقرب منه، وكان لازم أروح اشوف القبر لمرة أخيرة، واقرأ الاسم اللي عليه
“ليلى سميح سميح”
ليلى اللي خدني فضولي اعرف ماتت ازاي، ولما سألت عرفت انها ماتت مقتولة بعد ما حد اغتصبها، ولقيت نفسي في ليلة بسمع حكايتها كاملة، وبعرف كل تفاصيل موتها..
بقلم: أحمد محمود شرقاوي