كتب عمر أحمد عبد العزيز
استوقفني كثيرا تصريح الدكتور “شوقي علام “، مفتي الجمهورية، ببرنامج مكارم الأخلاق المُذاع
على قناة صدى البلد، بإن طلب المدد من الأنبياء والأولياء والصالحين أحياء وأموات، من الأمور المشروعة والجائزة دينيا.
وتساءلت على مضض كيف لبشر إن يطلُب العون والمساعدة من بشر مثله لا يملك لنفسه نفعا ولا ضررا بدلا من الإستعانة بالحي القيوم الذي بيده المُلك والأمر كله.
مع كامل إحترامي لدار الإفتاء وجميع الآراء البشرية، إلا إن الله عز وجل أمرنا بالعبادة الخالصة له وطلب المدد والعون منه وحده مع التحذير فيما عدا ذلك؛ حيث قال الله في كتابة العزيز: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}.
وقال أيضا جل علاه في سورة “الأحقاف”:
{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ}.
كما قال الرحمن في “الأنبياء”: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ}.
وأوصانا أيضا رسولنا الكريم “محمد” صلى الله عليه وسلم بالإستعانة والدعاء فقط لله قائلا: “إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وإن اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ”.
والأمور التي يحتاج فيها الإنسان بشكل عام للعون والمساعدة نوعان، أولهما ما لا يجوز الإستعانة فيه بغير الله كمغفرة الذنوب، والعتق من النار، ووهب الرزق، والأولاد والعمر المديد وغيرهم من الأمور الإلهية.
والنوع الثاني يتضمن ما يقدمه العبد للعبد مثله من مساعدة أو توجيه طبقا للإختصاص أو المهارة التي منحها له الله، كما يفعل الطبيب على سبيل المثال مع مريضه؛ حيث يُشخص له المرض ويكتُب له الأدوية والتعليمات التي تُساهم في شفاءه إن أمر الله وقضى بذلك.
يجوز للإنسان طلب الدعاء من الصالحين والأئمة الأحياء بصلاح الأحوال له في الدارين لكن دون الإعتقاد بإن قدرتهم تساوي قدرة الخالق جل علاه أو حتى تقترب منها، كما طلب أبناء النبي “يعقوب” من أبيهم بإن يستغفر لهم خطاياهم ويتوسط لهم عند الله حيث يقول جل علاه في سورة “يوسف”: {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ}.
أما بالنسبة للإستعانة بالأموات من الأنبياء أو الصالحين أو غيرهم في طلب العون أو حتى الدعاء بصلاح الأحوال، فهو أمر غير جائز لا محالة دينيا أو عقلانيا، فالموتى جميعهم بين يدي الله حيث لا حول لهم ولا قوة حتى إنهم لا يستطيعون الدعاء لأنفسهم أو ذويهم.
والتواصل مع الأنبياء والتودد لهم وخاصة رسولنا الكريم “محمد” صلى الله عليه وسلم يُمكن إن يحدث في إطار سليم كما أمرنا الله فيما فيه خير لنا في الدارين من خلال العديد من السُبل كالإلتزام بسنته صلى الله عليك وسلم، والإقتداء به
والصلاة والتسليم عليه حتى يؤجرنا الله وينعم علينا في الدنيا والآخرة دون إن نسقط في الهوة أو نكون كمن اتخذوا لله أندادا.
وأؤكد أخيرا إننا لا يجب إن نضع بيننا وبين الله فواصل أو حواجز، وإن ندعوه دائما ونطلب منه العون والمساعدة بشكل مباشر دون وسطاء، فهو خير لنا و أقوى و أبقى من كل مافي الأرض وما عليها كما إن أبوابه دائما مفتوحة على مصرعيها حيث يقول “ادعوني أستجب لكم”، فمدد يا من بيدك المدد والخير والمُلك كله.

More Stories
وعن عمرٍ فيمَ أفناه ؟ خواطر أدبية ذات طابع وعظي
النائب العام الليبي: معرض الكتاب خطوة لمكافحة الجريمة ونشر الوعي بين الليبيين
دعوى التسليم والتمكين وما تستلزمه من إجراءات قانونية لقبولها شكلا.. بقلم الدكتور محمد عويان المحامي