مقال رأي بقلم د.محمد عبد العزيز
كاتب وباحث اقتصادي ومتخصص في الشئون الأفريقية
الهجوم الأوكراني المضاد الأخير ليس الأول من نوعه ولن يكون الأخير حيث كثفت أوكرانيا من الهجمات المضادة منذ مطلع شهر سبتمبر الجاري للأسباب التالية:-
. إرضاءاً للغرب من خلال تحقيق تقدم ولو معنوي على أرض المعركة
. استعادة جزء من هيبة النظام الحالي في أوكرانيا
. إجبار الطرف الروسي على قبول المفاوضات
. إثبات جدية المساعدات الغربية الاقتصادية والعسكرية لأوكرانيا وأنها كان لها أثرا في تغيير نتائج الحرب
. رفع الروح المعنوية المنهارة في الغرب خاصة بعد مطالبة الملايين في أوروبا بوقف العقوبات الاقتصادية تجاه روسيا وتزايد نبرة المنادين بذات الفكرة داخل الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها
محاولة الضغط على روسيا قبل بداية فصل الشتاء بشكل رسمي حيث من المتوقع تراجع أو توقف الدعم الغربي لأوكرانيا خلال الشتاء خاصة إذا لم يتم تغيير ملموس على أرض المعركة.
ويعي المدقق بإمعان أن الهجوم الأوكراني المضاد ما هو إلا نوع من أنواع حرب الدعاية والحرب النفسية بهدف تعطيل التقدم والحسم الروسي ، لكن لن تستطيع أوكرانيا من خلال هذا الهجوم المضاد أو من خلال عدة هجمات مضادة أخرى تغيير نتائج وسير الحرب في مجملها والتي باتت شبه محسومة منذ فترة طويلة إلا أن روسيا تستغل استراتيجية الحرب الطويلة والتقدم البطيء لاستنزاف الغرب اقتصادياً وعسكرياً.
وباتت نتائج الحرب محسومة منذ فترة طويلة بعد أن تمكنت قوات روسيا من تدمير القوات الجوية الأوكرانية وتدمير قوات الدفاع الجوي الأوكرانية وتدمير الغالبية العظمى لمراكز القيادة الأوكرانية وأصبحت التكتيكات الميدانية للقادة الروس في تلك الحرب محل إعجاب ودراسة كل المعاهد العسكرية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ومن أبرز تلك التكتيكات الميدانية تكتيك الإنسحاب الجزئي من بعض القرى والمناطق بهدف إعادة إنتشار وتمركز القوات بشكل ميداني يسمح باصطياد القوات الأوكرانية التي تبادر بالهجوم المضاد ضد القوات الروسية خاصة في مناطق شمال شرق أوكرانيا وليس من أهداف تذكر لذلك التكتيك الروسي في الوقت الحالي سوى هدف وحيد هو اصطياد بقايا قوات النخبة الأوكرانية في قتال ميداني تقليدي يتم بعده بسط النفوذ الروسي على كامل أراضي شرق أوكرانيا وان كان استمرار الدعم الأمريكي اللامحدود لأوكرانيا يوشك باستخدام روسيا لأسلحة نووية تكتيكية ودخول الصراع لمستوى جديد يهدد أوروبا والعالم أجمع وهذا بسبب أن الولايات المتحدة تريد بسط نفوذها على حدود روسيا من خلال إقليم شرق أوكرانيا فهي معركة إثبات جدارة وقوة ونفوذ بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا ترى أن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت متورطة في الحرب بشكل مباشر ضد روسيا مع استمرار دعمها لأوكرانيا لأكثر من ٦ شهور ، وكالمعتاد فإن الغرب يقوم بالتضخيم والمبالغة في نتائج الهجوم الأوكراني المضاد للتخفيف من حدة الاعتراض والغضب لدى الشعوب في الغرب على الدعم الاقتصادي والعسكري لأوكرانيا والاعتراض على استمرار العقوبات الاقتصادية على روسيا لأن كل الدعم لأوكرانيا وكل العقوبات على روسيا كانت نتائجها كارثية على المواطن البسيط في الغرب وحكومات الغرب تحاول إثبات نجاح سياستها تجاه تلك الحرب لتهدئة شعوبها وذلك من خلال التقليل من التقدم الروسي والمبالغة في التقدم الأوكراني وهو أمر يوشك بحدوث أزمات وكوارث كبرى مع حلول الشتاء القادم خاصة في أوروبا وأدعو الله عز وجل ألا تنتقل تبعات تلك الأزمات إلى بقية دول العالم .
وعلى الجانب الآخر فإن الاقتصاد أصبح يشمل مجموعة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية ومصالح فئة المليارديرات حول العالم ، الاقتصاد أمن قومي في تسعير بعض السلع سواء للداخل أو للخارج مثال تسعير مصر للغاز المباع لإسرائيل وقت الرئيس الأسبق مبارك وكان الهدف أن تعتمد إسرائيل على مصر في الطاقة بشكل يمنعها من تجديد الصراع مع مصر ويجعل لمصر ثقل عند إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في طرح مصر لحل الدولتين ولتخفيف حدة الأزمات والحصار على الفلسطينيين ، أضحى الاقتصاد علاقات متشابكة ومتداخلة فوق تصورات البعض الساذجة والسطحية أو المديح المبالغ فيه عن شفافية الغرب دون الحديث عن أسرار الغرب وجرائمه ودون الحديث عن ازدواجية المعايير لدى الغرب وكل ذلك فقط لتشويه صورة الداخل في دولنا العربية.
لقد تطور سعر صرف الدولار في مصر في آخر ١٠ سنوات وأصبح ثمن البيت أو السيارة الذي كان حوالي نصف مليون جنيه منذ عشر سنوات أصبح يتعدىٰ الآن ما قيمته ٢ مليون جنيه ولكن للأسف معظم الناس في مصر ترفض أن تقتنع بذلك الأمر.
كان سعر صرف الدولار منذ ١٠ سنوات حوالي
٦.٥ – ٧.٥ جنيه والآن أصبح حوالي ١٩.٥ – ٢٠.٥ جنيه وغير متاح وإن وجد فصعب التفريط فيه وذلك لسببين أساسيين:-
أولاً . أن الحكومة في مصر هي نفسها أكبر مشتري للدولار في مصر ولذلك تتخذ حزمة إجراءات صارمة للحفاظ على الدولار داخل البلاد قدر المستطاع خصوصا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا وبسبب طول أمد تلك الحرب وطول أمد تأثيرات فيروس كورونا من قبل تلك الحرب وكان لتقدير أجهزة المعلومات الجيد وتوقعها العلمي لطول فترة الحرب في أوكرانيا الدور الأكبر في اتباع سياسة وجوب الحفاظ على الدولار لكي نواجه ندرة المتاح من السلع الأساسية التي نستوردها ولكي نواجه أيضا الارتفاع العالمي في أسعار تلك السلع.
ثانياً . يضاف لما سبق أنه لا يوجد في العالم أجمع شخص قادر على أن يتوقع أزمات أو حروب الصباح الباكر ليوم غد ولا يوجد شخص يقدر أن يتوقع حجم الأزمة في الغذاء والطاقة علما بأن أي دولة تستورد في حدود ٣٠ – ٤٠% فقط من احتياجات الغذاء والطاقة فيها ستظل مهددة سواء مع نشوب صراع عالمي متعدد الأطراف أو مع نشوب حرب عالمية شاملة أو حتى مع تشكل نظام نقدي واقتصادي وشبكة مصالح سياسية واقتصادية جديدة دون نشوب حروب نووية أو صراعات تقليدية واسعة النطاق ، وتعد حرب روسيا في أوكرانيا مخاض لنظام عالمي جديد سواء اندلعت حرب عالمية أم لم تندلع علما بأن الحرب العالمية الاقتصادية بدأت وأصبحت حربا طاحنة منذ عدة شهور وتلك الحرب العالمية الاقتصادية بدأت منذ دخول روسيا لشبه جزيرة القرم في
عام ٢٠١٤ ، وعليه فإن الشهور القليلة المقبلة سوف تعيد تشكيل نظم العالم الدولية سياسيا واقتصاديا ولابد من الحرص الشديد خاصة من قبل الدول التي لا تريد أن يجرفها التيار وتصبح في طي النسيان.

More Stories
استجابة رسمية.. هيئة الدواء المصرية تتحرك بعد ما أثارته الإعلامية الدكتورة هبة يوسف
إستراتيجية إدارة المورد البشري واستدامته: هندسة الملاكات الوظيفية وربط الاحتياجات بالخطة الاستراتيجية العامة
حين يكتب النفاق قصائده