أكتوبر 10, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

قصة قصيرة.. “بائع شراب عرق السوس”

باهت ذلك الزمن , زفرات انتحاب يحسها , عمره يمر بين متاهات الطرق المغلقة وبين أعاصير العقول العفنة التي تحدد مسار القادم.
خطاه ثقيلة وهو يقطع طريقاً لم يألفه سابقاً بهيج الباحات عذب ألأفنان يلتفت هنا وهناك ليطفيء صرخات اليأس التي تجذرت باوداجه , ويمحو صور السراب التي باتت جل أحلامه , لم تكن أيامه حلوة المذاق , حرمان وعوز وتصميم كي يصل ألى مصاف الرقي , دفع عمراً وألماً وحسرات , ولم يكن وحده من يعيش جراحات البناء بقساوتها , لقد شاطره والده , ذلك الرجل الذي مد رموشه كي يرتقي ولده نحو المدى ويحصل على شهادة الهندسة , صعب ان تصل ألى هناك وطريقك أشواك وأهات , نعم لم ينسى ذلك العظيم الذي مات عوزا دون ان يقتر عليه المطلوب للوصول , وصل , حاز على شهادته ولكنه بقي كحجارة طريق يجتث يومه يتابع كي يحدد المسار القادم ويلملم شظف العيش مع أم مريضة , غادر ذلك الرجل وهو يعانق ألأمل بوصول ولده.
كانت خطاه مترددة وهو يحمل قربة شراب عرق السوس الذي يجد فيه ما يسد رمق الحياة مع عجوز أكلها المرض , لعله يرتمي في أحضان وطن يلبي نداء ه واستغاثاته , كان مصراً أن يصل للبرلمان مع جموع الشباب الذين يفرشون الطريق نحو أمل بوطن يحس بهم , زاغت عيناه من قساوة القيظ , وازدحمت حبات العرق فوق جبينه لتعلن صرخة وجع , طويل ذلك الطريق ولكن قد تكون نهايته بسمة فرح , وصل لباب البرلمان تفحص فخامة البناء المشع بالبهجة والترف وتوالت عليه صور داره المصنوع من صفائح التنك والبلوك , ارتقى السلم ودخل في خضم المكان والتف حوله الشباب يطلبون طاسة شراب عرق السوس . لقد اشتاقوا لأصالة عرق السوس في وطن ضاع مع الغربان , أخذه التعب أسدل ظهره على جدار القاعة الداخلية وداعبت وجهه نسيمات باردة تنادي الوسن الذي بدأ يهاجم جفنية , استسلم لنوم عميق لم يعرفه سابقاً , فتح عينيه على هتافات مدوية تعج بالمكان ( بالروح بالدم نفديك يا عراق ) توهجت أحاسيسه وصار يهزج ويرقص وسط هذه العواطف التي بدأت تزرع في قلبه أمل جديد.
انطلقت رصاصات من أماكن بعيدة سقط احدهم كان يقف جنبه رفعه وبدأ يهرول لينقذ ذلك الشاب , لم يكن الموقف مجرد سقوط احدهم لقد توالت الفاجعة بسقوط الكثير . وبعد أن هدأت ألأجواء انتبه لقربته التي مزقتها رصاصة من رصاصات الغدر , وجاء القرار أن أخلوا المكان.
أتجه الشباب لمغادرة الموقع وسار معهم يحمل قربته الممزقة وثيابه الملوثة بالدم وهو يترجم سخطه ببسمة استغراب ويردد في خلده
:- إلى أين نتوجه وكيف الوصول , ومن سيزرع ألأمل في وسط هذا الحرمان القاتل.
فاضل محمد الربيعي