ظلت أريج محلقة في السماء حيث طائرة والديها التي طارت معها مشاعر أريج الملتهبة على أثر فراق الأحباب ، وهي تحتضن أخواتها والدموع تنهمر على وجنتيها، فتحول وجهها المضيء إلى كتلة من الجمر،حيث زال النهار وأتى الليل بوحشته، بما يخفيه من آهات وأنين.
وصل خالد وفاطمة إلى المطار وأخبرهم المسؤول، أن هناك طائرة أخرى سوف تنقلهم إلى مكان أخر على حدود اليمن
مكثوا وقتا ليس بالقليل، لحين إقلاع الطائرة الصغرى فهي أشبه بالباص وأخذت فاطمة تهرول من الخوف، لأن الطيران الداخلي ليس بكفأة وراحة الطيران الدولي
ظلوا حوالي ساعة محلقين، في الجو إلا أن وصلوا إلى مطار جيزان
ثم اصطحبهم مندوب حيث الرئاسة العامة للتعليم ، وخالد وفاطمة يحلقون أعينهم للطريق الوعر والصحراء القاحلة، المترامية الأطراف
وصلوا إلى هناك ولم ينطق السائق بكلمة واحدة طول الطريق سوى وصلنا الحين
وقفت فاطمة أمام مكتب المدير المسؤول عن توزيع المعلمات للمناطق
رجل ضخم عبوس الوجه لم ينطق سوى بجملة واحدة
هل معكم أولادكم؟
أجابات فاطمة لا، تركناهم في مصر
لم تعي فاطمة ماذا فعلت فى
نفسها حيث وجههم مسؤول التوزيع إلى مدرسة نائية في منطقة بعيدة جدا،هكذا توزيع المعلمات اللائي لم يصطحبن أولادهن معهن،ركبت هي وخالد سيارة المديرية، وهي تظن أن المسافة ليست بالبعيدة، وأخذ السائق الحقائب ووضعها في صندوق السيارة وصار في الطريق الذي لم يقابلوا به أي شئ يدل على وجود حياة سيطرت مشاعر الخوف والقلق أكثر بكثير، بل فاقت مشاعرها تجاه وداع أولادها وتركهم بمفردهم ، في مراحل تعليمية يحدد بها مصير ومستقبل أولادها
تنظر إلى الصحراء من شباك السيارة وهي تصعد الجبل، ثم هضبة ثم سهل ثم جبل وهي مرتعدة وكلما سأل خالد السائق عن متى نصل؟ لم يلتفت له السائق لأنه لايعلم لغة الحضر فهو بدوى
توقفت السيارة بعد سير أكثر من أربع ساعات وقال لهم أصعدا الجبل على أقدامكم، المدرسة أعلى الجبل والسيارة ليس لها طريقا ممهدا،طبعا هذا الحوار بالاشارة وخالد يتنهد وفاطمة تبكي لا يا خالد هيا نرجع بالله عليك
تركهم السائق وهو غير مبالي بما يقولون لأنه اعتاد على سماع هذه الكلمات من أي شخص يقوم بتوصيله هناك
صعدت فاطمة الجبل وهي ممسكة بيد خالد وكل واحد يحمل حقيبة أغراضه في يده استغرق الصعود حوالي ساعة، كلما يصلوا لنقطة تمنحهم أملا في الوصول ، يجدوا سرابا إلى أن وصلوا هناك ووجدوا حارسا للمدرسة ، استقبلهم وفتح لهم غرفة المعلمات بالمدرسة وأمرهم بالمكوث بها ،لحين وصول مديرة المدرسة وأمر خالد أن يخرج من المدرسة قبل بداية ساعات العمل، لأنها مدرسة بنات فقط ولايوجد رجال بها.
درجة الحرارة تكاد تكون أحر من الجمر لا تكييف ولا مروحة، ولاماء بارد ولا كهرباء من أصله
مضوا الليلة وهم في قرارة أنفسهم سوف يغادرون تلك المكان الموحش، في الصباح
وفي الصباح خرج خالد حيث صحبه حارس المدرسة إلى تأجير حجرة في منزل شعبي باليا حتى يستطيعوا الإقامة به
استقبلت مديرة المدرسة فاطمة بالترحاب وفاطمة تبكي في وجهها، وتقول كيف تتحملوا الإقامة في تلك المنطقة الشديدة الحرارة وبدون كهرباء فابتسمت قائلة ، الحر ممكن يخف مع مرور اليوم أما هناك أشياء أصعب فردت فاطمة أظن ده أصعب شئ، فردت المديرة بل هناك عقارب شديدة الخطورة، وأود أن أنبهك أن تضعي عامود السرير في دلو مليئ بالمياة والسم،سمعت فاطمة تلك الكلمات وجمعت أغراضها، وقالت يا خالد تعالى هنا وحدثته عن حوار المديرة، وقالت له نحن نعود إلى أولادنا فمرارة الفقر والحرمان، أقل بكثير من غضاضة الموت فهو مذاقه مرير وليس له أي حل.
هل يوافق خالد على رأي فاطمة؟ أم له رأي أخر؟
اندمجت وفاء الأخت الكبرى لأريج بشغل المنزل وخدمة أخواتها بكل رضا ، فهي كانت تدرس في السنة الثانية من المرحلة الثانوية، وكانت تركز أيضا على مذاكرة دروسها ،خاصة قرب بدأ العام الدراسي وتلقى اللوم من صديقتها هدى، على التقصير في حل تدريبات الرياضيات طبعا هذا تقصير بالنسبة لهدى، لكن وفاء في نظر نفسها تجتهد على قدر ما تبقى لها من وقت، لأن وقتها ليس تملكه بقدر تملك إخوتها له
أما عن علاء الصغير فحزن حزنا جما، بعد مفاجأة سفر والديه دون توديعهم،وحاولت أبلة صفاء، وأبلة سعاد زميلات والدته فاطمة في المدرسة بشتى السبل، جذب علاء لهما عن طريق مداعبته والتودد له وتقربه من أبنائهم لكن هيهات هيهات لا أحد يعوض قصاصة من تلك الشعور الفطري، ألا وهو مضغة القلب قلب الأم الحنون المعطاء بلاحساب ولا مقابل
رفضت الجدة علية ترك أولاد ابنتها فاطمة وفضلت المكوث معهم، لرعايتهم بالرغم من كونها بلغت من العمر أرزله، وظهر عليها الهرم فهي متماسكة أمام الأولاد خاصة الصغير علاء الذي كان لايفارق حضن والدته فاطمة
انخرطت أريج في أسرتها الجديدة أسرة صديقتها رانيا وانكبت على الدراسة محاولة لمسايرة تفوق صديقتها رانيا، وأقترنت وتعلقت تعلقا شديدا برانيا، تاركة منزلها الخاوي من ينابيع حنان والديها،ملقية كل مشاعرها في رانيا حيث دفء والدتها وأهتمامها بأريج، في تفصيل ملابسها وخروجها معهم في جميع مناسباتهم
قررت فاطمة والدة أريج وزوجها خالد ترك المكان الموحش، الذي وجهه لهم المدير المسؤول عن توزيع المعلمات داخل المنطقة ،فنزلوا سويا مع حقائبهم حيث مديرية التعليم في هذه المنطقة واجهشت فاطمة بالبكاء تارة وكلمات الاستعطاف تارة أخرى، أمام المسؤول لكن لاتجني منها سوى الهمهمة والاستعلاء من قبل المسؤول، وانتهي الأمر بإلقاء جوزات السفر الخاصة بهم في وجههم قائلا هذا هو المكان الوحيد، ولو معترضين عليكم بالعودة إلى مصر ودفع غرامة فسخ العقد ثلاثة أشهر من قيمته، ولن تستطيعوا الخروج من البلاد إلا بعد موافقة الجهات المعنية بالتعليم
أخذت فاطمة الجوازات من على الأرض وهي مذهولة من هول سوء المعاملة، وقسوة الرجل الذي يدعى العامري، فهو حصل على قدر ليس بالقليل من التعلم، لكن طبيعته البدوية خلقت منه قلبا صلدا مثل حجر الصوان
خرجوا وهم لايعلمون أين ذاهبون؟ وأقتادوا سيارة سائقها سوداني الجنسية ،وأشار عليهم أن يمكثوا معه عند أسرته لحين الوصول إلى قرار،تردد خالد لكنه لم يجد سبيلا غير ذلك، لأن نقوده على وشك النفاذ، ولم يدري ماذا يفعل.
بماذا أشار بشير السوداني على خالد وزوجته؟
وهل وافقت فاطمة على تلك المشورة؟ ومن أين نقود الإقامة والمعيشة؟
حان وقت الإمتحانات اجتازات أريج المرحلة الاعدادية بتشجيع من رانيا، وبفضل أختها الكبرى وفاء التي كانت تعمل بدأب في المنزل وتطهي لهم الطعام وتنظف المنزل بمساعدة خالتها سهير، التي كانت تساعد وفاء على قدر استطاعتها، لأن زوجها كان يعترض على ذهابها الدائم عند أولاد أختها فاطمة، وكانت تقول له يا صادق أنا أراعي والدتي علية، لأنها ترفض أن تترك أولاد فاطمة، فكان يرد قائلا ولماذا ؟ عندها أولاد ابنتها فاطمة فترد قائلة هم في مراحل دراسية صعبة، وفي مفترق الطرق كان الله في عونهم وكل شئ بثواب،فقال لها ثواب هل هم فقراء فترد الفقر ليس احتياج مادي فقط بقدر الاحتياج النفسي والمعنوي، فهم فاقدين الرعاية هم أصبحوا ربات بيوت قبل الأوان خاصة وفاء الأخت الكبرى لأريج
أما باسم فهو في اتمام الدراسة الثانوية ومنكب على دراسته بشغف، غير مبالي بغياب والديه فهو في عالمة الخاص العقلية العلمية المعملية التي تطمح في البحث العلمي والتطوير
أما عن الأخ الصغير علاء فهو أكثر واحد متأثرا في الأسرة بسفر والديه لكن، زميلات المدرسة لفاطمة والدته تحاولان بكل السبل القرب منه ومداعبته بحضور له الحلوى وركوب درجات أولادهن والمكوث معهم طول الوقت، لتعويضه عن حنان والدته لكن هيهات هيهات الأم لها قلب واحد ليس موجودا في صدور باقي الأمهات عندما تضم طفلها إلى صدرها يكاد أن ينقلع فؤادها من موضعه حيث موضع قرة عينها وفلذة كبدها ابنها علاء
هكذا حال أسرة أريج بعد قضاء عدة أشهر بدون والديها
رحبت السيدة إبتسام زوجة بشير بفاطمة وزوجها خالد وأنسوا المكوث عند بشير السائق بالرغم من اختلاف الطعام تماما، عن الطعام المصري لكن النوع المشترك بينهما هو طعام الفول المدمس فمهما أختلف في طريقة طهية فالطعم مقارب، فكان معظم الطعام الجبن الأبيض والفول، هكذا حياة الأسر السودانية في السعودية، لأن دخل العائل قليل نظرا لعدم حصوله على شهادات، لكنه يمتلك نفسا خلوقة وقناعة ، ورضا يشعرك أنه يملك الكون بأسره وذات مرة وأثناء مكوث خالد وفاطمة في إحدى حجرات منزل بشير الشعبي، دار الحوار ماذا بعد ذلك ؟ وماذا نفعل؟ وكيف نعود إلى مصر ونقودنا على مشارف النفاذ؟ وصبرنا أيضا؟
سمعت إبتسام زوجة بشير السائق الحوار فقالت لهم لقد قرب موسم الحج لهذا العام هل تعودوا بدون قضاء الفريضة ؟ فرد خالد نحن على مشارف اليمن والمسافة بعيدة جدا ثم كيف نتحرك بدون إقامة،فرد بشير محلولة أنتم معكم جوازات السفر سوف تتحركوا بها ولو أحد سألكم من الشرطة أخبروه بنقلكم إلى مكان أخر بعد قضاء عطلة عيد الأضحى المبارك
وأخبرهم بشير بالتيسير لهم في حوافل التنقل حيث معظم السائقين أصدقائه
شعرت فاطمة ببادرة شعاع أمل ينبثق من وجدانها العطش نحو رؤية بيت الله الحرام وزيارة قبر رسول الله ملبي الدعوات وفارج الهموم .
هل وجدت فاطمة مخرجا لتلك الأزمة؟ وكيف تغلبت على محنتها؟ وماذا تفعل الأقدار بفاطمة وأسرتها؟
فكروا معي إلى اللقاء في الفصل التاسع من رواية أريج الخريف.

More Stories
يا مَن كنتُ أظنّك أقرب من أن ترحل
الشيف الصغيرة فريدة سعيد.. موهبة استثنائية تحصد المركز الأول في 3 مسابقات وتخطف الأنظار في عالم الطهي
استجابة رسمية.. هيئة الدواء المصرية تتحرك بعد ما أثارته الإعلامية الدكتورة هبة يوسف