بقلم: محمد فؤاد أبو بطه
أديب وروائي مصر
أطلت علينا الكاتبة الجزائرية المبدعة سحر القوافي من نافذة قلعتها اللغوية وأفكارها الثورية وأسلحتها التي تجيد استخدامها بينما يعجز الكثيرون عن ذلك!
ألقت برائعتها الجديدة “وهاد الظلام ” لتناقش قضية اجتماعية خطيرة تظهر مدى الجهل الذي نغرق فيه والانحطاط الفكري الذي نسير فيه ولا نشعر !
وضعت الكاتبة صورة احتقار المرأة والأنثى بصفة عامة في مجتمع يفخر بالولد ولو كان فاشلاً ويخجل من الفتاة حتى لو انتمت لعالم العباقرة!
مجتمع متخلف فكريا واجتماعيا تنتقده الكاتبة وبدأت بالأب الذي هجر زوجته وبناته لا لشيء إلا إحساسه بالنقص والعار أمام المجتمع! فلم ينجب ولداً يحمل اسمه!
هذا هو الوأد الاجتماعي الذي مارسه الرجل كأب على بناته!
توقف عن الوأد الجسدي والروحي فلجأ للوأد الاجتماعي والنفسي! لتعاني البنات أكبر معاناة في مجتمع جاهل لا يعرف أن ماء الرجل هو الذي يحدد نوع الجنين وليست المرأة المسؤولة عن ذلك!ولكنه الجهل المطبق على أطياف المجتمع!
( ..يشتعل رأسها بالهواجس والخواطر المريرة فهي دوما تسأل: لماذا هجرنا أبي ..ما ذنبي؟! ماذنب والدتي وأخواتي؟! هل هجرنا لأننا حزمة من الإناث لم يستطع تحمل نفقاتهن ففضل الهروب؟!وهل عدم إنجاب الذكور عيب وعار يستوجب التواري عن أنظار المعارف..؟!)
ثم انتقلت الكاتبة بسلاسة لعدم وجود الأمان في البلاد بعد أن فعلت السياسة أفاعيلها بالمجتمع والناس!وانتشر الفساد في النفوس حتى يتحين الكهل أي فرصة لاغتصاب البراءة والطهر وكأن الجيل الحاكم لا يريد للجيل الجديد الطهر من الفساد! بل يترك الضحية لتقع فريسة سهلة في أيدي الإرهابيين!
( وراح يضربها ويضربها حتى خارت قواها وفقدت وعيها ،حينها جردها من ملابسها ثم اغتصبها ومارس شذوذه عليها..وتركها هناك كجثة مفرغة من الحياة لتلقى مصيرها ..وتسلل تحت جنح الظلام هاربا من جريمته..
أفاقت مريم على صوت جلبة من حولها وألم يمزق جسدها فوجدت نفسها ملقاة على الأرض وعلى أطرافها جراح تنزف دما يحيط بها رجال مسلحون بالبنادق والرشاشات ،يطلقون اللحى ويرتدون زيا أفغانيا..أخذت تتفرس في وجوههم مشدوهة مستغربة وكأنها تعيش كابوسا مرعبا..ثم أغمضت عينيها من هول الصدمة ومرارة الفاجعة التي ألمت بها ..مستسلمة لمصيرها)
فصورت لنا الكاتبة في سطور بسيطة ولكنها تحمل نهراً من المعاني بأن السياسة أفسدت الكبار فقتلوا أحلام الصغار ولم يكتفوا بذلك بل عملوا علي دفعهم قهراً وقصراً لطريق الإرهاب للإنتقام من مجتمع ظالم!
أجادت الكاتبة كعادتها استخدام مفرداتها اللغوية في تصوير بطلة قصتها ومعاناتها النفسية جراء تصرف أبيها
( تتأمل وجهها الشاحب في المرٱة ..تحدث نفسها المترعة بالأسى..تفكر في والدها الذي تركها لأهوال المحن تصارع الخطوب في شوارع المدينة الجائعة التي تلتهم ضحاياها بلا شفقة ..تتأمل عينيها المتعبتين تحيطهما هالات سوداء وكأن جفنيها لا يعرفان الإغفاء أو النوم..
تبكي أحلاما دفنت تحت الرماد ..وأياما أمست ضبابا وسرابا..تحمل في روحها قضية شائكة موجعة..تواريها سرا لا تود أن يعرفه أحد من زملائها..كأنه عيب يزري بها ويجعلها محل سخرية الجميع..)
لقد سلطت الكاتبة سحر القوافي الضوء على عدة مفاهيم ومعتقدات اجتماعية خاطئة بأسلوب يحبس الأنفاس من الحرف الأول حتى النقطة الأخيرة شوقاً لمعرفة الطريق ونهايته!
فهي تفاجئنا بنهايات تقوم بعمل الصدمات الكهربائية التي يمارسها الأطباء لبعث الروح مرة ثانية للجسد المنهار!
برعت الكاتبة في ذلك بجدارة لتجعلنا نسأل أنفسنا عن عادات نمارسها بفخر وهي في الحقيقة تجلب الخزي لنا!
للكاتبة علينا حق التقدير لروحها المناضلة في كشف سوءة المجتمع والتي نسترها بخرق بالية بأسلوب رائع وسرد إبداعي وحروف وكلمات من ذخيرتها اللغوية المتميزة ربما نفيق من غيبوبتنا الفكرية والاجتماعية لننهض بأوطاننا ونلحق ركب الحضارة الذي بتنا نلهث خلفه لنرى أثره!.
بقلم الأديب الروائي المصري محمد فؤاد أبو بطة

More Stories
شفاء.. بقلم ولاء شهاب
حوار بين تائهٍ ومهزوم … بقلم ولاء شهاب
قدر .. بقلم ولاء شهاب