مارس 10, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

منار أحمد عبد الكريم — تمكين المرأة في الإعلام… رؤية جديدة تعيد تشكيل المشهد العربي

بقلم: منار أحمد عبد الكريم

مشاركة المرأة في المشهد الإعلامي لم تعد مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبحت تحولاً استراتيجياً موثّقاً بالأرقام والدراسات والتحليلات العالمية والإقليمية. على مدار العقد الأخير، أظهرت تقارير دولية — ومنها تقارير اليونسكو والاتحاد الدولي للإعلام — أن نسب مشاركة النساء في صناعة القرار الإعلامي ارتفعت بأكثر من 32%، وأن حضورهن في البرامج السياسية والاقتصادية تضاعف تقريباً. هذا التغيّر لم يكن رفاهية ولا صورة تجميلية، بل نتيجة خطط واعية ومناهج مدروسة لإعادة توزيع الأدوار داخل المؤسسات الإعلامية، وخلق مساحات مؤثرة للنساء القادرات على قيادة الحوار العام.

1. التحول من “الشكل” إلى “الدور الحقيقي”
في السابق، كان حضور المرأة الإعلامية محصوراً في البرامج الخفيفة، أو تقديم الفقرات الفنية والاجتماعية. لكن التطور الذي نشهده اليوم قائم على منهج واضح: نقل المرأة من إطار “التقديم” إلى إطار “التأثير”. لم يعد دورها مجرد واجهة؛ بل أصبحت جزءاً من صناعة القرار التحريري، وتصميم السياسات الإعلامية، وإدارة غرف الأخبار، وصياغة أجندة القضايا التي تهم المجتمع.

هذه النقلة جاءت نتيجة خطط مؤسسية تُطبّق اليوم داخل كثير من المحطات والقنوات العربية، حيث يتم تدريب النساء على مهارات التحقيق، التحليل السياسي، إدارة المناظرات، وصناعة المحتوى المتخصص. وهذا ما جعلها تتواجد في أعمق الملفات وأكثرها حساسية.

2. المرأة وصناعة الخطاب العام
المرأة لم تعد تتكلم فقط… بل أصبحت تصنع خطاباً جديداً.
الدراسات الحديثة تؤكد أن الخطاب الإعلامي الذي توفره المذيعات والصحفيات يمتاز بقدرة أعلى على الوصول للجمهور بسبب امتزاج المنطق بالإنسانية، والتحليل بالواقعية، والجرأة بالمسؤولية.

عندما تناقش الإعلامية ملفاً سياسياً أو قضية اقتصادية، هي لا تبحث عن ضجة مؤقتة، بل عن حل.
لا تطارد العناوين المثيرة، بل تؤسس لحوار يغيّر وعياً، ويعيد تشكيل اتجاهات الناس. ولهذا أصبحت آراء النساء في القضايا العامة جزءاً من الحوارات الوطنية التي تُبنى عليها سياسات مستقبلية.

3. التقدم المبني على استراتيجيات واضحة
التطور الذي نشهده اليوم في حضور المرأة الإعلامية لم يأتِ صدفة؛ بل نتيجة استراتيجيات معتمدة داخل المؤسسات الإعلامية، أبرزها:

خطط تدريبية متخصصة في السياسة، الاقتصاد، إدارة الأزمات، وأساليب الحوار المتقدم.

برامج إعداد قيادات نسائية إعلامية تُخرّج صحفيات ومذيعات قادرات على إدارة الملفات الكبيرة.

تحرير غرف الأخبار من التحيز القديم الذي كان يُسند القضايا الجادة للرجال فقط.

البحث الأكاديمي الذي أظهر بوضوح أن وجود المرأة في المجال العام يزيد جودة التغطية، ويساهم في رفع الوعي المجتمعي.

هذه العناصر مجتمعة خلقت نموذجاً جديداً للإعلامية العربية: نموذج واعٍ، مدرّب، جريء، ويمتلك أدوات التأثير.

4. تأثير مباشر في القضايا المجتمعية
المرأة اليوم ليست مجرد “ناقلة خبر”، بل محرك لقضايا الشارع.
وجودها في قضايا مثل العنف الأسري، الصحة النفسية، التعليم، الإصلاح الاجتماعي، وتمكين الفئات المهمشة، جعل تغطية هذه الملفات أكثر عمقاً وصدقاً. كثير من الحملات التي أدّت إلى تغيير تشريعات أو تعديل سياسات بدأت من شاشة تقودها امرأة.

هذا التأثير لم يعد ثانوياً أو ناعماً، بل قوياً، منظماً، ومدعوماً برأي عام يشعر بالثقة تجاه صوت المرأة.

5. حضور يغيّر مستقبل الإعلام
نحن اليوم أمام مرحلة جديدة تُعيد فيها المرأة تشكيل المشهد الإعلامي من الداخل.
لم تعد في مقعد المشاهدة، بل في مقعد القيادة.
صوتها جزء من الحوار الوطني.
رؤيتها جزء من الخطط الإعلامية.
حضورها أصبح معياراً للتوازن والاحترافية.

والأهم… أن هذا التحول لم يعد قابلاً للتراجع.
فالإعلام العربي لم يعد كما كان، ولن يعود كما كان بعد الآن.