أغسطس 9, 2026

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

سلسلة مقالات : “عقول خارج المألوف” .. حكايات شباب يصنعون الأثر ويقودون التغيير

بقلم/ رانيا حسن

في عصرٍ يتسارع فيه خطوات العالم خلف كل ما هو سريع ومؤقت ، وحيث تضج منصات التواصل الاجتماعي بضوضاء “الترندات” العابرة، هناك فئة من الشباب قررت ألا تذوب في الحشد. شبابٌ اختاروا ألا يسيروا في الطرق المعبّدة سلفاً، بل شقّوا لأنفسهم مسارات جديدة بأفكارٍ خلّاقة ولدت من رحم المعاناة والشغف، وأثبتوا أن الإرادة الحرة لا تعترف بالظروف.
هؤلاء ليسوا مجرد حالمين؛ بل هم “صنّاع أثر”. يفكرون خارج الصندوق، ويواصلون الليل بالنهار بالعمل والاجتهاد الصادق ليثبتوا ذاتهم، وليقدموا للمجتمع قيمة حقيقية تدوم وتلهم الآخرين.
من أجل هذه العقول، ومن أجل تسليط الضوء على تلك الطاقات الإيجابية المضيئة التي تستحق أن تُرى وتُسمع، نطلق معكم اليوم هذه السلسلة الخاصة من المقالات تحت عنوان “عقول خارج المألوف”. نسافر معكم عبر سطورها في رحلات ملهمة لشباب آمنوا بأحلامهم حتى تحولت إلى واقع ملموس، لنتعلم منهم كيف يُصنع النجاح بالصبر، والإصرار، والتفرد.
تابعوا معنا تفاصيل المقال الأول الشيق مع ميادة مجدي في السطور القادمة..

حوار الأمل والإبداع: ميادة مجدي تكشف لـ “الصحافة الفنية” رحلة تحدي الترند من ريشة الترميم اليدوي إلى إمبراطورية “فنون” بمليون متابع
الفن يصنع الجمال، والإعلام يمنح الفرصة للأصوات والطاقات التي تستحق أن تُرى وتُسمع.. هما رسالتان متكاملتان لروح واحدة.”
— ميادة مجدي
في عالمٍ يهرول فيه الجميع خلف “الترند” السريع والأخبار الاستهلاكية، قررت ضيفتنا اليوم أن تسبح عكس التيار. لم تكتفِ بكونها فنانة تشكيلية تملك ريشة نابضة بالحياة، أو مترجمة لغة إشارة تمنح المشاعر جسداً ومرئياً، بل قررت أن تصنع منصة وصوتاً لمن لا صوت لهم في ساحة الإعلام الرقمي المزدحمة.

ميادة مجدي، الشابة الملهمة التي بدأت رحلتها عام 2018 من زاوية دافئة ومهجورة تقريباً وهي “ترميم الصور القديمة يدوياً”، تقف اليوم في عام 2026 على رأس كيان “فنولايت” الإعلامي ومجلة “فنون” التي تحتفل بمليون متابع من شتى أنحاء الوطن العربي.
في هذا الحوار الشيق، نبحر مع ميادة في تفاصيل رحلتها، ونتحدث عن سحر “الزمن الجميل”، والسر وراء أسلوب “ألف ليلة وليلة” الصوتي، وكيف تحولت من فتاة تعمل بمفردها بإمكانيات بسيطة إلى قائدة لشبكة إعلامية تدعم مئات المواهب العربية.

البداية من رماد الزمن: شغف الترميم وإحياء الذكريات

ميادة، نرحب بكِ معنا. دعينّا نعود بالزمن إلى نهاية عام 2018. اخترتِ البداية من فن نادر وصعب للغاية وهو “ترميم الصور القديمة”. كيف ولدت هذه الفكرة في وقت لم يكن فيه الذكاء الاصطناعي متاحاً كما هو اليوم؟
ميادة مجدي: أهلاً بكم، ويسعدني جداً هذا الحوار الدافئ. منذ طفولتي، كنت مغرمة بالألوان والديكور والرسم. هذا الشغف شكّل بصرياً حسّي الفني، وجعلني ألاحظ أدق التفاصيل والتركيبات اللونية. عندما بدأت في 2018، كان ترميم الصور القديمة أشبه بالمعجزة اليدوية؛ لم تكن هناك كبسة زر واحدة تعيد تفاصيل الوجه كما يحدث الآن. كان العمل يتطلب دقة بالغة، صبراً طويلاً، وقدرة على “تخيل” الأجزاء المفقودة وإعادة بنائها بالريشة والظل والضوء بإحساس فني عالٍ. كنت أشعر أنني لا أرمم مجرد ورق قديم، بل أعيد إحياء أرواح وذكريات كادت تندثر.

: تميزتِ في هذه المرحلة بتقديم بورتريهات إنسانية فريدة تجمع بين الأحياء وأحبائهم الذين رحلوا عن عالمنا. كيف كان شعوركِ وأنتِ تصنعين هذا الجسر المشاعري؟
ميادة مجدي: كانت هذه من أقرب التجارب لقلبي. عندما يأتي إليك شخص مكسور الفؤاد بفقدان عزيز عليه، ويطلب منكِ جمع شملهما في لوحة واحدة لم يتسنَّ للواقع التقاطها.. هنا يتحول الفن من مجرد موهبة إلى رسالة إنسانية وطبابة للروح. كنت أرى الدموع في عيون أصحاب هذه اللوحات فور رؤيتها، وهو ما جعلني أدرك مبكراً أن القيمة الحقيقية لما أقدمه تكمن في الأثر الإنساني الذي يتركه.
من ترميم الذكريات إلى رسم نجوم الزمن الجميل

#في عام 2020، تحول هذا الشغف إلى مرحلة جديدة وهي رسم نجوم “الزمن الجميل”. لماذا هذا الانجذاب الدائم للماضي وتفاصيله؟
ميادة مجدي: أنا بطبيعتي شخصية كلاسيكية تميل للواقعية وكل ما يحمل طابعاً أصيلاً ومستقراً. نجوم الزمن الجميل ليسوا مجرد وجوه مألوفة، بل هم رموز للرقي والإحساس والجمال الذي نشتاق إليه اليوم. رسمت عبد الحليم حافظ، سعاد حسني، حسن حسني، وعامر منيب وغيرهم الكثير من الفنانين والشخصيات القريبة لقلبي. كنت أجد في تفاصيل ملامحهم حكايات دافئة تستحق أن تُجسد بالريشة والألوان لتظل حية في عيون الجيل الجديد.
س: لا يمكننا المرور بهذه المرحلة دون الحديث عن اللحظة الاستثنائية التي جمعتكِ بالنجم العالمي “فان دام”.
#احكِ لنا عن كواليس نشر لوحتكِ وإشادته بكِ؟
ميادة مجدي: (تبتسم) هذه المحطة كانت بمثابة رسالة سماوية لتشجيعي على الاستمرار. قمت برسم بورتريه خاص للنجم العالمي “فان دام”، وبمحض الصدفة والأمل شاركتها، لتصل إليه شخصياً! لم يكتفِ بنشر اللوحة على صفحته الرسمية فحسب، بل قام بتسجيل فيديو خاص يوجه لي فيه الشكر شخصياً ويشيد بموهبتي الفنية. كانت لحظة لا تُنسى ودعماً معنوياً هائلاً من نجم بحجمه، أكد لي أن الفن الصادق يعبر الحدود ويصل إلى القلوب أينما كانت.

*مواجهة الإحباط وولادة مجلة “فنون”*
#ننتقل إلى محطة فارقة في مسيرتكِ. من الفن التشكيلي إلى الإعلام الرقمي وتأسيس مجلة “فنون” في مارس 2024. واجهتِ الكثير من التحذيرات من كبار الإعلاميين قبل إطلاقها، ماذا قالوا لكِ؟ وكيف تمسكتِ برؤيتكِ؟
ميادة مجدي: بحكم عملي في الصحافة وإدارة الصفحات، كنت أشعر بمرارة كبيرة لأن المساحات الإعلامية باتت محجوزة فقط لـ “التريندات” السطحية وأخبار الفضائح والمشاهير، بينما تُدفن المواهب الحقيقية وقصص النجاح الملهمة في غياهب النسيان. عندما استشرت قامات صحفية وإعلامية كبيرة في مؤسسات عريقة حول فكرة تأسيس مجلة “فنون” لتسليط الضوء على المواهب المغمورة، كانت الصدمة أن أغلبهم قالوا لي: “الفكرة محكوم عليها بالفشل.. الجمهور لا يريد قصص نجاح، بل يريد فضائح وتريندات، ولن يستمع أحد لقصة حياة شخص غير مشهور”.
لكنني بطبعي شخصية تعشق الاختلاف وترفض التقليد. لو كنت أريد شهرة سريعة وسهلة، لذهبت في نفس التيار السائد ونشرت المحتوى الرائج. تذكرت دراساتي وبحثي المستمر لشهور للتأكد من عدم وجود منصة تقدم الفكرة بالطريقة التي أطمح إليها. أمنت بأن التميز يبدأ عندما نجرؤ على أن نكون مختلفين، وأن الجمهور متعطش للمحتوى الهادف، فقررت خوض المغامرة ضاربة بكل الآراء المحبطة عرض الحائط.

#في 3 مارس 2024 انطلقت “فنون” رسمياً بفكرة غير مألوفة وهي “التقارير الصوتية الهادفة”. كيف كانت البدايات خلف الكواليس؟
ميادة مجدي: البداية كانت صعبة وشاقة للغاية. تخيل أنني عملت بمفردي تماماً لمدة عام كامل! كنت أنا الكاتبة، والمعدة، والمصححة اللغوية، والمعلقة الصوتية، والمونتيرة، ومديرة الصفحة، والمسؤولة عن العلاقات العامة والرد على رسائل المتابعين اليومية وتنسيق الطلبات. كانت الإمكانيات بسيطة ومعدومة تقريباً، لكن شغفي كان المحرك الأساسي الذي لا ينضب. لم يكن يخرج حرف واحد للجمهور إلا ومرّ عبر يدي شخصياً لضمان الجودة والروح التي أريدها للمجلة.

*رحلة المليون متابع وسحر الحكايات*
#بدأتم في 2024 بألف متابع فقط، واليوم في عام 2026 تحتفل مجلة “فنون” بتخطي حاجز “المليون متابع” من مختلف الدول العربية. ما هي خلطتكم السحرية للوصول إلى هذا النجاح الباهر؟
ميادة مجدي: السر يكمن في “الصدق والأصالة”، وفي أسلوب التقديم المبتكر الذي اعتمدناه. نحن لم نقدم المواهب بالطريقة التقليدية الجافة، بل أطلقنا أسلوباً فريداً مستوحى من “الحكايات والراوي” يعيد المتابع لأجواء “ألف ليلة وليلة” الدافئة والساحرة. هذا الأسلوب أضفى لمسة حميمية خفيفة على قلوب المستمعين وجعل قصة الشخص المغمور تجربة إنسانية يندمج معها المتابع ويتفاعل معها بصدق. من هنا انتشرت العدوى الإيجابية، وتجاوزنا الحدود المصرية لنصل إلى قلوب الملايين في سوريا، ولبنان، والجزائر، والسودان، والخليج العربي.

*من الفردية إلى الكيان الشامل: “فنولايت” والبودكاست*

#لم تعد “فنون” مجرد صفحة أو مجلة فردية، بل تحولت إلى كيان “فنولايت”. ماذا يضم هذا الكيان الجديد؟
ميادة مجدي: نعم، مع هذا التوسع المذهل، كان لا بد للمجلة أن تكبر. تحولنا إلى كيان “فنولايت” الإعلامي الذي يضم مجلة “فنون” والعديد من المنصات الأخرى الهادفة. وانضم إلينا فريق عمل رائع من كبار المعلقين الصوتيين، والصحفيين، والإعلاميين الشباب الذين آمنوا برسالة الكيان وصاروا شركاء في صناعة هذا الإبداع.
كما أطلقنا برامج بودكاست صوتية مميزة مثل:
بودكاست “حكايات فنون”: وهو برنامج حواري دافئ يستضيف المواهب الاستثنائية للحديث عن كواليس نجاحهم وعقباتهم.
بودكاست “بين السطور”: الذي يناقش القضايا المجتمعية والفنية والجمالية بأسلوب ثقافي هادف يثري عقل المستمع.

#ما يسعد القلب حقاً هو أن المجلة لم تكتفِ بعرض المواهب، بل فتحت لهم أبواباً حقيقية للعمل في الفن والإذاعة؟
ميادة مجدي: هذا هو النجاح الحقيقي بالنسبة لي. نحن لسنا مجرد أرشيف للمواهب؛ نحن جسر عبور. استطعنا بفضل الله وقوة تأثير المنصة أن نفتح فرص عمل حقيقية لعدد كبير من المعلقين الصوتيين والمواهب الإعلامية المغمورة للمشاركة في أعمال فنية وإذاعية مرموقة. عندما أرى موهبة كانت تائهة تبدأ أولى خطواتها الاحترافية بفضل منصتنا، أشعر أن تعب السنوات الماضية قد كُلل بالذهب.

*“بصمة فن 2026”: تظاهرة إبداعية عابرة للقارات*

#مؤخراً في 30 أبريل 2026، أطلقتم مسابقة “بصمة فن” المتخصصة في الرسم. الأرقام كانت صادمة ومبهرة في آن واحد، حدثينا عنها؟
ميادة مجدي: (بحماس شديد) مسابقة “بصمة فن” كانت بمثابة عرس فني حقيقي لتتويج مسيرتنا في دعم الفنون التشكيلية. فوجئنا بإقبال غير مسبوق؛ حيث تقدم للمسابقة أكثر من 647 فنان وموهبة شابة من مختلف المحافظات المصرية ومن دول عربية شقيقة كسوريا، ولبنان، والجزائر، والسودان. قمنا بمراجعة وتصفية الأعمال بدقة شديدة حتى اخترنا 70 متسابقاً فقط تأهلوا للمراحل النهائية لضمان جودة وتنافسية الحدث.
س: وضمت لجنة التحكيم قامة فنية كبيرة ومؤثرة وهو الدكتور السيد نصر محمد جودة، كيف كان تأثير وجوده في اللجنة؟
ميادة مجدي: وجود الدكتور السيد نصر محمد جودة كان شرفاً كبيراً وقيمة مضافة عظيمة للمسابقة. هو أحد أبرز القامات والمدربين الدوليين في مجال الفنون التشكيلية الذين تخرج على أيديهم آلاف الفنانين عالمياً وعربياً. تدخله الأكاديمي وخبرته الواسعة منحت المسابقة مصداقية وثقلاً فنياً كبيراً، وجعلت المتسابقين يشعرون بأن تقييم لوحاتهم يتم بأعلى معايير الاحترافية والشفافية.
الفن لخدمة المجتمع وبناء الأمل

#في فبراير 2023 توليتِ رئاسة لجنة الرسم بمبادرة “أبطال الأمل” لدعم ذوي الهمم، وفي الوقت ذاته أنتِ مترجمة لغة إشارة متمرسة. كيف يتكامل هذا الشغف الإنساني مع إبداعك الفني؟
ميادة مجدي: لغة الإشارة بالنسبة لي ليست مجرد لغة تواصل، بل هي ترجمة بصرية للمشاعر الإنسانية، تماماً كالرسم والتصميم الجرافيكي. كل هذه الأدوات تشترك في صياغة “الجمال البصري”. عندما توليت رئاسة لجنة الرسم في مبادرة “أبطال الأمل”، وجدت أن الفن لديه قدرة سحرية على دمج ذوي الهمم في المجتمع وإخراج طاقاتهم الدفينة وإبراز نقاء أرواحهم. الفن رسالة إنسانية نبيلة، وإذا لم يسخر الفنان موهبته لخدمة وطنه ومجتمعه وفئاته الأكثر احتياجاً للدعم، تفقد ريشته بريقها الحقيقي.
رسالة أخيرة للأحلام المترددة

#ميادة مجدي، قصة نجاحكِ أصبحت نموذجاً يثبت أن الأحلام تصنع بالإصرار لا بالظروف. ما هي الكلمة التي توجهينها اليوم لكل موهبة شابة تملك فكرة مختلفة ولكنها تخشى الفشل أو يثبطها المحيطون؟
ميادة مجدي: أقول لهم بكل صدق وعن تجربة حقيقية مررت بكل خطواتها: لا تسمحوا لأحد أن يضع سقفاً لأحلامكم، ولا تستسلموا للآراء المحبطة حتى لو جاءت من كبار المتخصصين. لو كنت استمعت لمن حولي في 2024 لما كانت مجلة “فنون” موجودة اليوم بمليون متابع.
آمنوا بفكرتكم، تمسكوا باختلافكم وتفردكم، فالتميز لا يكمن في السير خلف المجموع وتقليد السائد، بل يكمن في الجرأة على تقديم قيمة حقيقية تترك أثراً طيباً في حياة الناس. اجتهدوا، واجهوا الصعاب بالصبر، واعلموا أن النجاح لا يقف عند محطة معينة، بل هو رحلة مستمرة لخدمة الإنسانية والجمال.