الدكتور نادر الصيرفي: الحكم يحرك المياه الراكدة ويفتح باب الأمل أمام حالات استعصى عليها الحل في ظل صعوبة الطلاق الديني
حصل مكتب الدكتور نادر الصيرفي، المحامي والخبير الأول في قوانين وقضايا الأحوال الشخصية للمسيحيين، على حكم قضائي ببطلان زواج زوجين من الأقباط الأرثوذكس، استنادًا إلى نص الفقرة (ج) من لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، لثبوت وجود مرض يجعل الزوج غير صالح للحياة الزوجية.
ويكتسب الحكم أهمية قانونية خاصة، باعتباره الأول من نوعه، بحسب الدكتور نادر الصيرفي، منذ استحداث النص عام ٢٠٠٨، فضلًا عما تضمنه من طرح قانوني غير تقليدي في تفسير موانع الزواج والتمييز بين البطلان المطلق والبطلان النسبي.
المرض مانع من موانع الزواج وليس مجرد سبب لطلب التطليق
وأوضح الدكتور نادر الصيرفي أنه أسس صحيفة الدعوى على أن المشرع أورد المرض المنصوص عليه في الفقرة (ج) ضمن موانع الزواج، وليس ضمن أسباب التطليق، وهو تمييز جوهري تترتب عليه آثار قانونية بالغة الأهمية.
وبيّن أن تحقق هذا المانع وقت انعقاد الزواج يترتب عليه بطلان الزواج بطلانًا مطلقًا، باعتبار أن المانع يتعلق بصحة انعقاد الرابطة الزوجية ذاتها، فلا يصححه رضا الزوج الآخر أو قبوله، ولا تحول إرادته دون التمسك بالبطلان، بل يجوز لكل ذي مصلحة قانونية أن يطلب الحكم به.
تفرقة قانونية دقيقة بين المرض والعجز الجنسي
وكشف الصيرفي عن أحد أهم المرتكزات القانونية التي استندت إليها الدعوى، وهو التفرقة بين المرض الذي يجعل الزوج غير صالح للحياة الزوجية وبين العجز الجنسي.
وأوضح أن اللائحة اشترطت في العجز الجنسي أن يكون من النوع «الذي لا يُرجى زواله»، بينما لم تتضمن الفقرة (ج) الخاصة بالمرض اشتراطًا مماثلًا بعدم القابلية للشفاء.
وأكد أن هذا الاختلاف في الصياغة التشريعية ليس أمرًا عارضًا، وإنما يتعين إعمال أثره القانوني، إذ لا يجوز للقاضي إضافة شرط لم يورده واضع اللائحة، أو القياس على نص آخر لتقييد حكم ورد مطلقًا.
وأضاف أن مقتضى هذا التفسير هو الحكم ببطلان الزواج متى تحققت شروط المانع المنصوص عليه في الفقرة (ج)، ولو كان المرض قابلًا للشفاء، طالما أن النص لم يجعل استحالة الشفاء شرطًا لقيام البطلان.
علم الزوج الآخر بالمرض لا يصحح الزواج الباطل
وتناول الصيرفي إشكالية قانونية أخرى تتعلق باشتراط عدم علم الزوج الآخر بالمرض وقت الزواج، موضحًا أن هذا الاشتراط لا يجوز تفسيره بمعزل عن طبيعة البطلان المترتب على وجود مانع من موانع الزواج.
وأشار إلى ضرورة التفرقة بين العلم الذي يرتب أثرًا في مباشرة دعوى البطلان، وبين الرضا الذي قد يؤدي إلى سقوط الحق في التمسك بالبطلان النسبي.
وأكد أن العلم السابق بالمرض لا يجوز اعتباره إجازة تصحح زواجًا باطلًا بطلانًا مطلقًا، لأن البطلان المطلق لا تلحقه الإجازة، ولا يتحول العقد الباطل إلى عقد صحيح بمجرد علم أحد طرفيه بالمانع أو رضائه به.
كما أن علم أحد الزوجين لا يحول دون تمسك كل ذي مصلحة بالبطلان، متى توافرت شروطه القانونية.
حكم يفتح آفاقًا جديدة أمام قضايا الأحوال الشخصية للمسيحيين
ووصف الدكتور نادر الصيرفي الحكم بأنه خطوة قضائية مهمة في مجال الأحوال الشخصية للمسيحيين، قائلًا:
«هذا الحكم حرّك المياه الراكدة، وفتح بارقة أمل أمام حالات إنسانية وقانونية ظلت لسنوات تبحث عن مخرج مشروع، في ظل صعوبة الطلاق الديني وتراجع الاعتماد على شهادات تغيير الملة».
وأضاف أن أهمية الحكم لا تقتصر على الحالة التي صدر بشأنها، وإنما تمتد إلى إعادة تسليط الضوء على نصوص قانونية قائمة لم تحظَ بالتطبيق الكافي، رغم ما قد توفره من حلول لمنازعات زوجية معقدة.
وشدد الصيرفي على أن دور المحامي لا يقتصر على سلوك الطرق التقليدية في التقاضي، وإنما يمتد إلى البحث عن الحلول القانونية غير التقليدية، من خلال القراءة المتعمقة للنصوص، والتمييز بين أحكامها، واستجلاء مقاصد المشرع، وربط كل نص بالإطار التشريعي العام الذي نشأ في ظله.
واختتم الدكتور نادر الصيرفي تصريحاته بالتأكيد على أن «الإبداع القانوني لا يعني الخروج على النص، وإنما اكتشاف ما يسمح به النص من حلول لم تكن مطروقة من قبل، فالقانون لا تُستنفد إمكاناته بمجرد شيوع تفسير واحد لأحكامه».
ويثير هذا الحكم نقاشًا قانونيًا مهمًا حول نطاق موانع الزواج في لائحة الأقباط الأرثوذكس، ومدى اختلاف أحكامها عن أسباب التطليق، وما إذا كان من شأن هذا الاتجاه القضائي أن يفتح المجال أمام دعاوى مماثلة خلال الفترة المقبلة.

More Stories
«عبدالناصر وحركات التحرر الوطني».. مؤتمر فكري يستعرض رؤية الشباب المصري لثورة 23 يوليو وإنجازات الزعيم جمال عبدالناصر
تكريم الدكتور خالد أبو زهرة خلال المؤتمر السنوي العاشر للجمعية العلمية للتشريع الضريبي وإشادة بحزم التيسيرات الضريبية
إنجاز طبي غير مسبوق بالجمهورية التعليمى.. منظار متقدم ينقذ رضيعة 10 أشهر ويجنبها جراحة جديدة