يوليو 18, 2024

جريدة الحياة نيوز

رئيس مجلس الادارة : نسرين رمزي

“البحث عن السعادة” بقلم بليغ بدوي

يبحث الناس عن السعادة فى حياتهم و كأنهم يبحثون عن الماء في الصحراء، ينظرون دائما الى الأمام بحثا عنها و يهيأ لهم السراب أن الماء قريب فيواصون رحلة البحث ، ثم يتيهون في الصحراء و يموتون عطشا كالباحث عن السعادة يقضي حياته بحثا عنها وللأسف قد تكون السعادة تحت أقدامه ولكنه لا يبصر، إن مستوى رضا البشر عما يمتلكونه يتفاوت و لذلك درجة سعادتهم بواقعهم تتفاوت هى الآخرى، فتجد من يملك مالا ولا يرضى بكمية مايملكه فيفقد سعادة و لذة مايملكه و يبدأ فى رحلة البحث عن سعادته التى لن يتحصل عليها ابدا لانه يفتقد إلى نعمة الرضا، فالرضا نعمة ينعم بها الله على عباده و يتحصل عليها المرء عندما يهزم داخله الطمع و الجشع و ينمى لديه قناعات القبول بما هو متاح و ممكن، فقد يتمني المرء اللا ممكن و المستحيل و يظن انه ممكن فيبدأ رحلة البحث عن السعاده ، فتتوالى على رأسه النكبات و المشكلات التى تحول حياته إلى حزن و جحيم فمثلا يتمى بعض الناس إمتلاك سيارة كنوعا من الوجاهة الإجتماعية و نوعا من الفخر والمكانة الشخصية و هو لا يمتلك ربع ثمنها فيذهب إلى أحد المعارض و يشترى سيارة بالتقسيط ليحقق سعادته و تتوالى الشهور و يبدأ في سداد أقساطها و يصارع من أجل الموازنة و التوازن بين تكاليف الحياة اليومية و مصاريفه الشخصية و مصاريف السيارة و القسط الشهري و قد يتعرض إلى مفاجئة إجتماعية كمناسبة زواج أو مرض مفاجيء لأحد أفراد أسرته وتختل الموازنة فتتحول الأقساط إلى دين و تتحول حياته إلى جحيم ، فلم يتحصل على سعادته التى يبحث عنها بل تحولت إلى حزن و جحيم.

إن مفاتيح السعادة فى الحياة كثيرة و متعدده و مدونة في الكتب السماوية و كتب الحكم و الأمثال الشعبية و أشعار الشعراء و كتابات الأدباء و روايات الكتاب و المؤلفين.و يأتى الرضا أول تلك المفاتيح بل اهمها على الإطلاق “فالقناعة كنزا لا يفنى” و “القناعة أيضا حجر الفلاسفة الذي يحول كل ما يمسه ذهبا” فعندما تمتلك شيئا صغيرا و تقتنع به دون النظر إلى مايمتلكه غيرك من نفس الشيء تشعر بالسعادة الحقيقية و تشعر بأن ذلك الشيء الضئيل كبير جدا و أكبر من أي شيء أخر، فبحث عن قناعاتك الشخصية و أخلق لنفسك أسبابا للرضا بما تملك من الأشياء و لاتنظر فيما يمتلكه الآخرون فالقناعة لا يتحصل عليها حسود “اثنان لا يجتمعان القناعة و الحسد” والقناعة تحتاج إلى الصبر على الحال والثقة في الجليل المتعال ، و من يمتلك القناعة تسلح بسلاح الإيمان بالله و قدره، كتب حكيمٌ إلى أخٍ له: أما بعد فاجعل القنوع ذخراً، ولا تعجل على ثمرة لم تدرك، فإنك تدركها في أوانها عذبةً، والمدبِّر لك أعلم بالوقت الذي يصلح لما تؤمِّل، فثق بخيرته لك في أمورك كلِّها. فلو صبر من يشتهى إمتلاك السيارة للوقت المناسب، لما غط فى الديون و أثقلته الهموم ، فكل شيء بآوان و كل ثمرة لها موسم و ميعاد فاذا اكلتها قبل موسمها لن تجد لها مذاقها المعهود و لا لذتها المنشوده و ربما تصيبك ألام فى معدتك لأن الثمرة لم تنضج بعد. قال أحد الشعراء:
هى القناعـة فالزمها تكن ملكا
لو لم تكن لك إلا راحة البدن
وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها
هل راح منها بغير الطيب والكفن
قد لا تعطينا الحياة كل شيء ولكن عندما نرضي و نقنع بما نملك، تشعر أنك تملك كل شئ.