مقال رأي بقلم د. محمد عبد العزيز
كاتب اقتصادي ومتخصص في الشئون الأفريقية
الفكر الصحيح لا يعيبه شيئا سواء كان قديما أو حديثا المعيار لقبول أي فكر هو صحة معايير ومباديء ومنهج هذا الفكر وعدم تعارضه مع الثوابت سواء كانت دينية أو تاريخية أو علمية ، قد يكون المعني بالتجديد العلوم الدنيوية من فلك وكيمياء وطب وهندسة وقد يكون المعني بالتجديد فكر المدارس الفلسفية التي تتطور مع مرور الزمن وقد يكون المعني بالتجديد الفنون والآداب المختلفة في إطار من الذوق الراقي المناسب لكل عصر ومشكلاته وقضاياه ، وكل تجديد مما سبق عرضه يتم تلقائيا في حياة البشرية وتدافع الأمم والحضارات صعودا وهبوطا فنؤثر ونتأثر ببعضنا البعض لأننا كبشر لا نحيا بمعزل عن بعضنا البعض ولأننا كائنات إجتماعية لا تستغني عن التواصل فيما بينها مهما تعاظمت الاختلافات فيما بيننا حتى وإن استغل تلك الاختلافات البعض من هنا أو هناك لتكون بابا للتشدد والانكفاء على الذات وكراهية الآخر ورفض كل قيم وفكر لدى هذا الآخر ، وعندما نتحدث عن تجديد الخطاب الديني نجد حالة من الرفض والتشدد لدى البعض لمجرد سماع اللفظ أو التعبير في حين أن أهل العلم بالدين الثقة يسمعوا ويصححوا دون تطاول أو تجاوز أو رفض لفكرة صحيحة لمجرد أن قائل الكلمة أخطأ في ألفاظ التعبير عن الفكرة ، قد يكون لفظ تجديد الدين خاطئ لكن فكرة تجديد الخطاب الديني وليس الدين ذاته هو الأصح والأدق مع العلم أن لفظ رجال الدين في الدين الاسلامي لفظ خاطئ فالدين الاسلامي حرر العلاقة بين العبد وربه ولا يوجد في الاسلام كهنوت أو أسرار ويمكن نقاش كل أمور الدين الاسلامي حتى مع غير المسلمين فمن شاء يؤمن ومن شاء فله حرية الاختيار وهذا ما تم بالفعل عندما جاء نصارى نجران الى الرسول محمد عليه الصلاة والسلام في مسجده في المدينة المنورة واستمعوا له ولم يؤمنوا به ولما حان وقت صلاتهم تركهم الرسول عليه الصلاة والسلام يصلوا صلاتهم داخل مسجده ، هذه القصة توضح مدى سماحة ورحابة الاسلام ورسول الاسلام لكن بعض من نسميهم رجال دين اسلامي ليسوا بالقدر الكافي من السماحة واتساع الأفق ، ليس في الاسلام رجال دين وفي الاسلام كل يؤخذ ويرد عليه إلا رسول الله ، لكن فكرة وجود متخصص في علوم الدين الاسلامي جائت لانه من الصعب أن يكون جميع المسلمين على إلمام تام بكافة أمور الشريعة والفقه وأحكام قراءة القرآن الكريم وأسباب نزوله فضلا عن الإلمام بالسنة النبوية فضلا عن إلمام تام بقواعد وجماليات اللغة العربية لذلك نقول تجاوزا على المتخصص في العلوم الشرعية وعلوم القرآن الكريم وعلوم السنة النبوية رجل دين لكن هذا لا يعني أن باب الاجتهاد حكر عليهم وحدهم دون سواهم لان باب الاجتهاد ينقسم إلى شقين هما :-
. شق الفكرة
. شق الإلمام بالمعرفة
فقد تأتي الفكرة لغير المتخصص فيجب عليه حينئذ الإلمام بالمعرفة الشرعية من خلال الاطلاع والتعلم ولا يجب على أهل التخصص أن يمنعوه العلم أو يحبطوه أو يرفضوا كل ما يقول دون دراسة وتمعن .
ومن هذا المنطلق أؤكد على أن فكرة تجديد الخطاب الديني وليس الدين ذاته فكرة مقبولة فلا يجب أن يدع العلماء الثقة باب تجديد خطابهم الموجه للعامة من المسلمين ولغير المسلمين بسبب مخاوف لا أساس لها من الصحة ومقومات هذا الرأي لدى شخصي المتواضع كما يلي :-
. تجديد الخطاب الديني هو تجديد لعمل بشري محض وليس تجديد في ثوابت الدين ذاته ويعتبر تجديد الخطاب الديني تجديد لأمر بشري في فهم وعرض صحيح الدين بلغة العصر .
. تجديد الخطاب الديني لا يعني إنكار السنة النبوية الشريفة كما يدعي المتشددين فبدون السنة لما عرفنا كيفية الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة .
. تجديد الخطاب الديني لا يعني إنكار لثوابت الدين أو إنكار للمعلوم من الدين بالضرورة .
. تجديد الخطاب الديني لا يعني إدخال أمورا للدين ليست من صحيح الدين .
. تجديد الخطاب الديني لا يعني استنساخ نسخة واهية هلامية من الإسلام يشكلها الغرب وفقا للحريات التي لا تلتزم بأية حدود ، لأنه بالفعل هناك من خرجوا عن صحيح الاسلام إلى أفكار ومعتقدات باطلة طوال ١٤٠٠ عام وأكثر وعدم تجديد الخطاب الديني الآن أو مستقبلا لن يمنع أحدا من تبني الأفكار الباطلة لذلك وجب عرض صحيح الدين بطريقة عرض وألفاظ تناسب عقول الناس الآن منعا للتشدد أو الإلحاد ورفقا بعقول الناس ومخاطبتهم على قدر عقولهم دون تغيير في ثوابت الدين .
. تجديد الخطاب الديني يهدف لتناول الثوابت الدينية بشكل وألفاظ وأسلوب يسهل على الناس تفهمه لان كتب التراث وهي عمل بشري محض تستخدم ألفاظ لا يفهما معظم الناس الآن .
. تجديد الخطاب الديني يجب أن يركز على عرض سماحة الإسلام والتسامح والتعايش السلمي دون عرض لأمور اجتهاديه قال بها بعض الفقهاء في أوقات كان ينظر فيها للحملات الصليبية على دول إسلامية بأن الحملات الصليبية تأتي من دار كفر أما الآن يجب القول بأن من يمد يديه بالسلام للمسلمين من أهل الكتاب لا يمكن وصفه بغير ما قاله رب العالمين في القرآن الكريم وهم أنهم أهل كتاب ويمكن وصفهم بدار ذمة ودار عهد ما دام هناك سلام بيننا وبينهم فلهم عهد السلام والأمان وباجماع علماء الإسلام الثقاة أن الاعتداء على أهل الكتاب أشد أثما من الاعتداء على المسلمين وبأنه لا يجوز الاعتداء على أي إنسان بصفة عامة ويزداد الإثم إذا كان هناك عهد أمان تم منحه لهذا الانسان ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة ، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما». أخرجه البخاري .
. تجديد الخطاب الديني أمر من ثوابت الدين الاسلامي ذاته لأن الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان ويتم فهم القرآن الكريم والسنة النبوية وفقا لما يتيحه كل عصر من أدوات واكتشافات علمية حديثة تؤكد صدق نبينا والاعجاز في كلام الله عز وجل وكأن العلوم الدنيوية والاكتشافات أداة لنتثبت منها كل يوم عظمة الاسلام واعجاز ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية وهذا يحتاج لتجديد الخطاب الديني ليتفاعل باستمرار مع مستجدات العلم والعصر التي لا تتعارض مع صحيح الدين فإن وجد ما يتعارض ظاهريا مع أمر من ثوابت الدين فإنه لم يثبت علميا بعد لأنه على مدار أكثر من ١٤٠٠ عام كل ما ثبت علميا كان دليلا دامغا على اعجاز القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وهناك آلاف الأمثلة والأدلة العلمية الصحيحة التي أكدت الاعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية وكانت سببا في دخول غير المسلمين للإسلام ، لذلك لا يجب تجاهل الاعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية.
. تجديد الخطاب الديني أمر ثابت من ثوابت الدين الاسلامي لأن الإسلام لا يوجد فيه رجل دين أو كهنوت أو أسرار غير قابلة للنقاش بل كل يؤخذ ويرد عليه إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام والرسول عليه الصلاة والسلام أخبرنا في أحد الأحاديث الصحيحة المشهورة ، يرويه الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال :
( إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا )
رواه أبو داود (رقم/4291) وصححه السخاوي في “المقاصد الحسنة” (149)، والألباني في “السلسلة الصحيحة” (رقم/599)
والحديث هنا يفهم بالمعنى وهو تجديد أمر الدين وليس تجديد الدين ذاته لأن الدين عند الله الإسلام وهذا حكم إلهي لا يتبدل لكن خطاب البشر في فهم الدين والحديث عن الدين وفقا لما يطرأ على حياتهم في كل عصر من مستجدات وقضايا هو ما يتجدد باستمرار وعظمة الإسلام في أنه قابل لتجديد الخطاب عن الدين طوال الوقت .
. تجديد الخطاب الديني لا يعني قبول أي فكر جديد يطرح الآن أو في المستقبل طالما كان هذا الفكر يتعارض مع المعلوم من الدين بالضرورة .
. تجديد الخطاب الديني لا يعني إنكار كل إجتهاد العلماء طوال ١٤٠٠ عام وأكثر لكن يعني عرض لافكار جديدة لا تتعارض مع الدين بالإضافة إلى عرض الاجتهاد القديم الذي يمكن الاستشهاد به الآن بأسلوب وألفاظ تناسب لغة وأحوال البلاد والعباد الآن .
وفي الختام أود أن أقول إن دعوة تجديد الخطاب الديني هي دعوة لخطاب ديني جديد وليست دعوة لدين جديد وليست مؤامرة على الإسلام ولكن فكر يطرحه البعض بهدف تجديد الخطاب الحالي خشية أن يظل علماؤنا يعيدوا أقوال تراثية من اجتهاد البشر في زمان غير زماننا وبلغة تختلف عن لغتنا الآن وفي ظل ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية وفي ظل علوم وتكنولوجيا تختلف عن وقتنا الآن ، يجب أن يكون لدينا علماء لديهم قدرة على الحديث بلغة العصر للتعبير عن سماحة الإسلام والدفاع عن الإسلام ورد الشبهات عن الإسلام وتبسيط طريقة عرض المعلومات الصحيحة عن الإسلام للمسلمين وغير المسلمين ، هذا والله عز وجل أعلى وأعلم مني ومن الجميع ووفقني ووفق الله كل الأمة الإسلامية لما يحبه ويرضاه .

More Stories
ست سنوات من الغياب وأنا أبحث عن حضنك
أقرأ رسالتك فأشتاق أكثر
أميرتي